; أربكان رجل المرحلة | مجلة المجتمع

العنوان أربكان رجل المرحلة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1982

مشاهدات 125

نشر في العدد 587

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 14-سبتمبر-1982

ينزل للساحة كتاب جديد هو «أربكان رجل المرحلة»، وعلى الرغم أن الكتاب يتناول بالشرح والتحليل الأوضاع التي نشأت في تركيا، في أعقاب قيام البروفسور نجم الدین أربکان بإنشاء حزب السلامة الوطني، ويشرح كيف استطاع هذا القائد الشجاع الذكي أن يقدم الإسلام بأسلوب علمي رائع للشعب التركي، وأن يفعل في عشر سنوات ما يحتاجه غيره لعشرات من السنين، وأن يهدم بذكاء وبساطة النموذج الجديد الذي حاول الغرب إقامته في تركيا والعالم الإسلامي، نموذج مصطفى كمال وعلمانيته،
على الرغم من تركيز الكتاب على هذه الأمور، إلا أنه يتناول قضايا الحركة الإسلامية في العالم من خلال تجربة حزب السلامة في تركيا، ومن خلال قائده الأخ نجم الدين أربكان وستنشر المجتمع تباعًا بعض فصول هذا الكتاب.
من هنا نبدأ
مازلت أذكر ذلك اليوم من أيام شباط «فبراير» عام ١٩٥٩، عندما وصلت إستانبول، المدينة التي كانت تملأ خيالي بالرهبة والرغبة، 
الرهبة من عظمتها وشموخها، والرغبة في التعرف على أسرارها، وعندما غادرت القطار ونزلت مدينة حيدر باشا ولفحت وجهي الريح الممزوجة بقطع الثلج وحبات المطر، عندها فقط توقفت أحلام اليقظة التي طرحت نفسها على شكل أسئلة لم أستطع أن أجد لها جوابًا مقنعًا: لماذا تآمرت جميع دول العالم على ضرب الدولة العثمانية واقتسام أراضيها؟ لماذا وقف السلطان عبد الحميد هذا الموقف الشامخ في وجه اليهود، وهو يعلم أنه يضحي بملكه من أجل فلسطين؟ ولماذا لم يكن موقفه مثل مواقف الزعامات العربية على الأقل؟، وإذا كان له هذا الموقف العظيم فكيف تهاجمه صحافتنا ويتفنن بالإساءة إليه كتابنا؟ كيف تحالف العرب المسلمون مع بريطانيا ضد إخوانهم الأتراك؟ من دبر مؤامرة التتريك والقومية التركية وأختها القومية العربية؟ 
أسئلة كثيرة طرحت نفسها، ولم أستطع التخلص منها إلا عندما لمحت أخي وصديق طفولتي «مصطفى» يلوح بيده على محطة القطار.
وبدأت رحلة العمر في إستانبول، مع رفاق حضروا للدراسة من كل البلاد، واليوم وبعد مرور حوالي ربع قرن على هذا اللقاء أشعر بانجذاب شديد لهؤلاء الإخوة، لقد كنا نشعر جميعًا- نحن الذين عشنا هذه الأيام في إستانبول- أننا في مرحلة مهمة من حياتنا، وأن الشعب التركي المسلم الذي رأيناه، يحاول بكل الوسائل أن يتخلص من قيوده التي أوثقته بعيدًا عن مبادئه ودينه..
هذا الشعب له في أعناقنا- نحن الذين عشنا معه وفهمنا جزءًا من تجربته، وعانينا شيئًا من مأساته، دين لابد أن نوفيه.. 
وما زلت أذكر قبل تخرجي في كلية الهندسة في أكتوبر عام ١٩٦٤ ذلك اللقاء المبارك مع الأخ «شوكت» الذي تعاهدنا فيه على العمل بكل طاقاتنا لخدمة إخواننا في تركيا، وكان عهدًا، وعزيمة، ومضاء، ولله الفضل في الأولى والآخرة.
التجربة والقائد النموذج 
في عام ١٣٤٣هـ الموافق (١٩٢٤) م ألغيت الخلافة الإسلامية! ونفي قادة الأمة من آل عثمان من البلاد، وتولى السلطة مصطفى كمال أتاتورك.
وكان الغرب قد اعترف بموجب معاهدة لوزان التي وقعت عام ١٣٤٢ هـ، بقيام دولة تركيا الحديثة على أساس قومي علماني، ولقد اختلف الناس كثيرًا في تحديد عواطفهم تجاه هذه الدولة الجديدة التي برز فيها مصطفى كمال، وكأنه منقذ تركيا ومخلصها، فقد هيأ لحركته أن تحرر منطقة إستانبول، وأن تطرد اليونانيين من الغرب، والإيطاليين والفرنسيين من الجنوب، ومهما اختلف الناس في أحكامهم، فإن عامل الزمن الذي وضح المواقف وأظهر الشخصيات التي ساهمت في أحداث هذه الفترة- وخاصة السلطان عبد الحميد ومصطفى كمال أتاتورك- يمكننا اليوم من إصدار حكم هادئ قريب إلى الصواب بحق هذه الحقبة التاريخية، التي تتجاوز أهميتها حدود تركيا الحالية لتشمل العالم الإسلامي الممتد الأرجاء. وأستطيع أن أؤكد أن كل أحداث العالم الإسلامي التي حصلت بعد هذا التاريخ، السلبية منها والإيجابية (۱). مرتبطة بشكل ما بأحداث هذه الفترة.
ليس هذا وحسب، بل إن التجربة العلمانية التي صنعها الغرب في تركيا بكل أهدافها القريبة والبعيدة مازال يحاول تعميمها على العالم الإسلامي في جميع بلدانه ومناطقه، بل إن أتاتورك الذي أقامه الغرب، ومنحه كل الاهتمام على الصعيد المحلي والعالمي هو النموذج الذي رفع منارة للزعامات القائمة البعيدة عن عقيدة الأمة وقيمها في أنحاء العالم الإسلامي بعد ذلك.
لهذا السبب، فإننا لا نستطيع تجاهل آثار هذا الحدث الجلل، الذي تمخض عن إلغاء الخلافة الإسلامية، ثم عن تقطيع أوصال الدولة الإسلامية، ثم إقامة دويلات هزيلة مرتبطة بالاستعمار، وأخيرًا إنشاء دولة اليهود في فلسطين، وحمايتها بأفكار وزعامات مثلها الأعلى هو النموذج الأول الذي صنعه الغرب في تركيا. 
إن الأمر أكبر من سقوط بغداد على أيدي تتار الشرق، وأكبر أيضًا من سقوط الأندلس على يد برابرة الغرب، وهما الحدثان اللذان يعتقد المسلمون أنهما من أكبر الفواجع التي منيت بهما الأمة الإسلامية.
وإذا كان المؤرخون لم يقولوا مثل هذا الكلام، فلأن المؤرخين صاروا من نتاج التجربة العلمانية الأتاتوركية، ولأن الإسلام اليوم لا بواكي له!
لهذه الأسباب فلا بد من ذكر بعض ملامح هذه المؤامرة التي بدأت في سالونيك، وساهمت فيها جميع قوى العالم المعادية للإسلام، ومازالت آثارها مستمرة.
(۱) سقوط الخلافة عام ١٩٢٤، حرك النفوس الخيرة في العالم الإسلامي فكانت الحركة الإسلامية الكبرى عام ١٩٢٨ م

الحقيقة لا تؤخذ من غير مصدرها
نشرت الصحف الكويتية يوم ۱۹۸۲/۹/۹ تصريحًا منسوبًا لأحد كبار المسؤولين في منظمة الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين أدلى به مؤخرًا لصحيفة لوموتان الفرنسية، وأهم النقاط التي وردت في التصريح:
•إن منظمة الطليعة المقاتلة قررت الهدنة مع النظام السوري لبضعة أعوام، وأنهم يعدون تكتيكًا جديدًا لعملياتهم، وإنهم يفضلون الهدوء في الوقت الحاضر.
•وأوضح الناطق الطليعي أن الرئيس حافظ أسد يحاول التحالف مع الإخوان المسلمين الذين انشقوا عن منظمته، على أساس التعاون بين الفريقين للقضاء على منظمة الطليعة المقاتلة، وأن اتصالات بهذا الشأن تمت بين الإخوان ورئيس الأركان السوري حكمت الشهابي في إحدى الدول العربية.
ورغبة منا في الوصول إلى الحقيقة التي تهمنا وتهم قراءنا، فقد قامت مجلة المجتمع بإتصال هاتفي مع بعض المسؤولين في جماعة الإخوان المسلمين الذين يملكون الرد على هذه النقاط التي وردت في التصريح، وقد أفاد هؤلاء الإخوان بالجواب التالي:
إن «المنظمة التي تطلق على نفسها الطليعة المقاتلة» التي يترأسها السيد عدنان عقلة لا صلة تنظيمية لها بجماعة الإخوان المسلمين، وكانت الجماعة قد فصلت عدنان عقلة من عضويتها نتيجة ممارسات قام بها لم تقرها الجماعة، ولقد نشر قرار فصله في بعض الصحف ومنها مجلة المجتمع الكويتية، وإن عدنان عقلة أصدر من باريس بيانًا موقعًا باسمه بتاريخ ١٩٨٢/٢/٢ نوه فيه بموضوع الفصل، فلا مجال إذن للقول بأن الإخوان المسلمين قد انشقوا من منظمة الطليعة، خاصة وأن الإخوان المسلمين جماعة مضى على تأسيسها قرابة الستين عامًا.
ومن ناحية أخرى فقد ذكر البيان أن الإخوان المسلمين يتفاوضون مع النظام السوري ضد الطليعة المقاتلة، وفي هذا الاتهام أمران يستحقان التعليق: 
الأول: أن جماعة الإخوان المسلمين حملت السلاح في وجه النظام الطائفي الجائر بغية إسقاطه، ولا يوجد بينها وبين هذا النظام غير المجابهة فكيف يصح أن يتعاونوا مع النظام الطاغوتي ضد مسلمين قد يخالفونهم بالرأي!
والأمر الثاني: الادعاء بأن جماعة الإخوان المسلمين على وشك عقد مصالحة مع النظام السوري، وهذا الأمر مختلق جملة وتفصيلًا، وهو أساسًا من اختلاقات السلطة في دمشق التي تشيع مثل هذه الأراجيف للتشكيك، فيقع في حبائلها بعض الضعفاء والحاقدين.
ولقد حاولت السلطة السورية سابقًا- كما تحاول في كل وقت- أن تصل مع الإخوان إلى تفاهم، ولكن الإخوان المسلمين- وفي جميع الظروف- يتمسكون بمواقفهم المعلنة من النظام القائم، وأن نهر الدم الزكي الذي سفكته السلطة الظالمة في مدينة حماة وبقية المحافظات يحول دون أي لقاء مع هؤلاء، والإخوان المسلمين الذين يمثلون ضمير الشعب السوري لن يلقوا السلاح دون وصول الشعب السوري إلى أهدافه، بقيام حكم شورى نظيف في سوريا.
هذه بعض الحقائق التي رغبنا في توضيحها، وفي البيان نقاط أخرى لا تخفى على فطنة القارئ.
والله نسأل أن يوحد كلمة المسلمين على أمر سواء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الرابط المختصر :