الثلاثاء 23-أبريل-1985
- الشيوعيون استولوا على السلطة عام 1944م على أكتاف المسلمين.
- قانونًا يحرم المسلمون من ممارسة شعائرهم الدينية، ويعاقب بالسجن من يختن ابنه أو يستمع إلى إذاعة دينية خارجية.
- تزعم أنور خوجة حملة استئصال جذري ضد المسلمين.
- الزعيم الجديد رامز علي: ماذا سيفعل بتركة سلفه؟
- أنور خوجة: عاش ديكتاتورًا حتى الموت.
أعلن رسميًا هذا الشهر عن موت أنور خوجة زعيم الحزب الشيوعي الألباني ورئيس الدولة في ألبانيا عن عمر يناهز 76 عامًا، وذلك بعد أطول فترة حكم في الدول الشيوعية استمرت 40 عامًا في ديكتاتورية حزبية شرسة جعلت من ألبانيا دولة معزولة عن بقية دول العالم بسبب صرامة أنور خوجة في تطبيق النظام الشيوعي على طريقة ستالين الديكتاتورية. وقد تم اختيار رامز علي خلفًا لأنور خوجة في منصب سكرتير عام الحزب الشيوعي الألباني ورئاسة الدولة. وكان رامز قبل ذلك رئيسًا لجمعية الشعب «البرلمان» وكان من أقرب المقربين إلى الزعيم الألباني الراحل مما يوحي بأن سياسة ألبانيا الخارجية قد لا يطرأ عليها تغيير كبير في وقت قريب.
الإسلام في ألبانيا
ألبانيا هي إحدى دول البلقان تمتاز بمركز إستراتيجي هام، إذ تعتبر ممرًا إلى البحر الأبيض المتوسط وتتاخم حدودها مع كل من اليونان وبلغاريا ويوغسلافيا. كانت ألبانيا منذ القرن الخامس عشر الميلادي الدولة الأوربية الوحيدة التي كانت تعيش فيها أغلبية مسلمة بعد أن فتحها العثمانيون الأتراك وحملوا إليها راية الإسلام الحنيف، وأصبحت ألبانيا جزءًا من دولة الخلافة الإسلامية، واستقر الإسلام في قلوب أبنائها كدين شعبي أصبح يدين به أكثر من 80 % من مجمل سكانها البالغ عددهم حوالي ثلاثة ملايين نسمة، وانتشرت المساجد والمدارس الإسلامية في ربوعها، وأصبحت ألبانيا بحق الدولة الأوروبية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة منذ تلك الفترة البعيدة.
استيلاء الشيوعيين على السلطة
تمكن الشيوعيون بقيادة زعيمهم أنور خوجة من الوصول إلى السلطة على أكتاف المسلمين الألبان الذين كانوا يشكلون أغلبية السكان، وكانوا يقودون مع بعض رجال الدين المسيحي جماهير الشعب في محاربة الفساد والظلم الاجتماعي الذي كان متفشيًا في البلاد في عهد الملكية التي كانت مفروضة على البلاد منذ استقلالها عام 1912م. وقد ركب الشيوعيون موجة الثورات الوطنية التي كان المسلمون يقودونها واستولوا على السلطة عام 1944م بقيادة زعيمهم أنور خوجة.
ومنذ وصول الشيوعيين إلى السلطة جعلوا أهم اهتماماتهم القضاء على الإسلام واستئصال جذوره العميقة من قلوب المسلمين الألبان، لكن بطريقة المخادعة في بداية الأمر بعد أن تمكنوا بدهائهم ومكرهم من السيطرة على مقاليد الحكم وإعلان الجمهورية بعد إلغاء الملكية. في أول الأمر بدأ الشيوعيون بسياسة مداراة مع الزعماء الدينيين في فترة مهادنة للاستعداد من أجل الانقضاض عليهم. فقد بدأوا حكمهم بتخصيص مرتبات شهرية لعلماء المسلمين وأساقفة الكنائس واحتفظوا بالمساجد والكنائس وبحرية العبادة فيها خوفاً من إثارة مقاومة شعبية ضد نظامهم قبل أن يستقر.
حملة استئصال المسلمين
وبعد أن أحس أنور خوجة ورفقاؤه باستقرار الأمور والسيطرة على زمامها لحساب الحزب الشيوعي، أعلنوها حربًا شرسة على المسلمين والمسيحيين معًا، ورفعوا شعار «الدين أفيون الشعوب» كما رفعه قبلهم أسيادهم من أمثال ماركس وستالين ولينين، فأمروا بهدم المساجد التي كانت تنتشر في جميع أنحاء البلاد، وبإغلاق المدارس الدينية، وأوقفوا صرف رواتب الأئمة والأساقفة، وهكذا اختفت التربية الإسلامية من حياة المسلمين الألبان.
وبدأت وسائل إعلام النظام من صحف وإذاعة حملة شعواء لتشويه سمعة رجال الدين، ووصفهم بمن يعيشون على حساب الشعب دون تحديد من تقصدهم خوفًا من إثارة نقمة الشعب الذي فوجئ بالأمر. كل ذلك كان مقدمة حتمية للتغيير الكبير الذي أعلنه أنور خوجة بنفسه عام 1967م عندما أعلن الحرب رسميًا ضد الدين الذي أصبح من ذلك التاريخ محظورًا في ألبانيا بقوة القانون والدستور. وحث الحزب الشيوعي شبابه الملحد على التصدي لكل من يجهر بأداء شعائر الإسلام. لكن رغم هذه الحملة الشرسة فقد تمسك الشعب المسلم بدينه وظل أفراده يؤدون شعائرهم في ديارهم في سرية تامة. فجندت الحكومة جواسيسها من الشباب الملحد للبحث عن أولئك الذين ما زالوا متمسكين بمعتقداتهم الدينية والإبلاغ عنهم حتى يساقوا إلى السجون والمعتقلات الجماعية، في ذلك الوقت كانت التربية الأيديولوجية قد حلت مكان التربية الإسلامية، وتحولت المساجد إلى متاحف وملاعب ومستشفيات ومكتبات عامة تعرض فيها الكتب الشيوعية. وأصبحت التنظيمات الشيوعية الشبابية هي المسئولة عن ترتيب الزيجات الودية بين الفتيات والفتيان على أساس أن كل ما في الدولة ملك للحزب والدولة. وبدأت الحكومة الشيوعية تشجع الزواج بين المسلمات وغير المسلمين على نفس الفكرة الماركسية الخاطئة، لكن كل هذه الإجراءات التعسفية لم تستطع أن تحمل الشعب الألباني المسلم على التخلي عن دينه الحنيف. فظل الآباء يطلقون على أبنائهم أسماء إسلامية رغم الأسماء الإلحادية التي كانت الحكومة تطلقها على الأطفال في مستشفيات الولادة. وبلغ الأمر بهذا النظام الحاقد على الإسلام وأهله إلى فرض عقوبة السجن لمدة 9 سنوات لمن يختن ابنه على السنة وخمس سنوات لمن يستمع إلى إذاعة دينية خارجية. وعندما شعرت السلطات بعدم صرامة أجهزة مخابراتهم في كشف المسلمين المتمسكين بدينهم جعلوا من تلاميذ المدارس جواسيس على ذويهم وخاصة عند المناسبات الدينية حيث يطلب من التلاميذ الصغار في المدارس التعبير عما أكلوه في البيت، وهل أقيمت احتفالات دينية في بيوتهم أم لا؟ وتتخذ إجابات التلاميذ حججًا للاعتقالات والاستفزازات العشوائية.
عزلة سياسية ودبلوماسية
منذ استيلاء الشيوعيين على مقاليد الحكم في ألبانيا عام 1944م انتهج زعيمهم أنور خوجة طريقة صارمة وحرفية في تطبيق الماركسية اللينينية على طريقة ستالين الاستبدادية. وقد دفعت هذه السياسة بألبانيا إلى عزلة سياسية ودبلوماسية شبه تامة. ولم تكن القضايا العالمية من اهتمامات القادة الشيوعيين فقد كانوا مشغولين بضرب المسلمين في الداخل. ولم تكن لهم علاقات صداقة إلا مع ثلاث دول قوية داخل المجموعة الاشتراكية هي يوغسلافيا وروسيا والصين، لكن تلك الصداقات ما لبثت أن انهارت واحدة تلو الأخرى حيث انقطعت عرى الصداقة مع يوغسلافيا عام 1948م إثر خلافات حدودية بين البلدين ثم انهارت صداقتها مع روسيا عام 1960م لخلافات أيديولوجية ثم تحطمت صداقتها مع الصين عام 1977م لنفس السبب، وبذلك بقيت ألبانيا لفترة طويلة بعيدة عن أي من المعسكرين الغربي والشرقي. لكنها في السنوات الأخيرة بدأت في اتباع سياسة انفتاح سياسي على العالم الخارجي حيث أقامت علاقات سياسية واقتصادية مع عدد من الدول الغربية واليابان وبعض الدول الاشتراكية مثل يوغسلافيا.
ديكتاتورية فردية
أنور خوجة الذي كان يحكم ألبانيا منذ 40 سنة كان أكبر ديكتاتور فردي في العالم، فقد كان كل شيء في الدولة ومن يجرؤ في معارضة رأيه فمصيره الاغتيال والموت وإن كان ذلك الشخص من أقرب المقربين، فقد تخلص من رئيس وزرائه محمد شيخو في ديسمبر 1981م في ظروف داخلية غامضة نشر أثرها خبر انتحاره يوم 18 ديسمبر 1981م، لكن المراقبين في ذلك الوقت لم يصدقوا خبر الانتحار الذي أذاعته الجهات الرسمية الألبانية، بل عزوا سبب وفاته إلى خلاف بينه وبين رئيس الحزب أنور خوجة حول الممارسات الحزبية المتطرفة التي عزلت ألبانيا عن العالم الخارجي بعد أن نجحت في استئصال الإسلام فيها بشتى الوسائل. وبفضل تلك الممارسات القمعية والديكتاتورية الفردية استطاع أنور خوجة أن يحكم ألبانيا على مدى 40 سنة ومات وهو في قمة السلطة بدون منازع، وقد بلغ السادسة والسبعين من العمر تاركًا وراءه مجموعة من السياسيين الذين كان متأكدًا من ولائهم له وعلى رأسهم رامز علي الذي أصبح خلفًا له على رأس الدولة والحزب الشيوعي، مما دعا المراقبون إلى عدم توقع تغيير سريع في السياسة الألبانية الداخلية والخارجية رغم غياب أنور خوجة.
نداء:
والجدير بنا بعد أن استعرضنا معاناة إخواننا المسلمين في ألبانيا أن نوجه نداء عاجلًا إلى أولي الأمر في العالم الإسلامي لتنبيههم إلى مسئولياتهم تجاه إخوانهم المسلمين في ألبانيا وبلغاريا وبورما والفلبين وغيرها من البلدان التي يعاني فيها المسلمون ويجبرون على هجر معتقداتهم بقوة الحديد والنار. ومن واجبنا كمسلمين أن نجعل من شروط تعاملنا السياسي والاقتصادي مع تلك الدول هو ضمان حرية العبادة وممارسة شعائر الإسلام للأقليات المسلمة في بلادهم لأن من لا يهمه أمر المسلمين فليس منهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل