العنوان كان حلمه أن يكون جاسوسًا! بوتين إلى الكرملين على جماجم الشيشان
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1394
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 04-أبريل-2000
لم يكن مفاجئًا فوز فلاديمير بوتين في انتخابات الرئاسة الروسية، لكن المفاجأة كانت فوزه بالكاد بنسبة أقل من (٥٣%) من أصوات المقترعين، فالمرشحون الذين نافسوه بعضهم من مخلفات الماضي أو تجاوزتهم المرحلة، وقبل ذلك يستوون جميعًا في عدم امتلاكهم للأدوات التي امتلكها بوتين في تطويع الرأي العام الروسي، وأهمها آلة الحرب.
جينادي زوجانوف رئيس الحزب الشيوعي الروسي هو من عقد مناوئو بوتين عليه آمالهم في إخراج هذا المراهق السياسي من الكرملين، لكن الحزب الشيوعي توارى إلى الظل قبل عشر سنوات تقريبًا ذاق خلالها الشعب الروسي طعم الهمبورجر، ولبسوا الجينز الأمريكي لأول مرة، وعرفوا الملذات التي حرمهم إياها أباطرة الشيوعية.
فوز بوتين لم يكن صعبًا كما توقع بعض المراقبين، فهو يمارس منصب الرئيس رسميًا منذ بداية العام، وعمليًا منذ أن عينه يلتسين المريض رئيسًا للوزراء في أغسطس الماضي، وخلال هذه المدة عرف الجاسوس بوتين كيف يتلاعب بمشاعر الروس القومية من خلال تصعيد الحرب الإجرامية ضد المسلمين الشيشان كي يقتل طموحهم في بناء دولة مستقلة بهم، وقد نجح في هذه المهمة أو هكذا أوهم شعبه.
حتى الثلث الأخير من العام الماضي لم يكن بوتين معروفًا سواء في روسيا أو خارجها؛ فقد كان مسؤولًا صغيرًا في جهاز المخابرات الروسية (الكي جي بي)، وعمل في ألمانيا الشرقية بهذه الصفة، ولم تبدأ اهتمامات بوتين في السياسة إلا بعد سقوط الشيوعية أوائل التسعينيات.
وقد وافقت دعوة بوتين لاستعادة هيبة روسيا إلى ما كانت عليه كقوة عظمى في العالم، وافقت هوى لدى غالبية الروس ومع لجوئه إلى تكثيف العمليات الهجومية ضد المقاتلين والمدنيين الشيشان على حد سواء، ازدادت هذه الصورة لمعانًا في أذهان الشعب الروسي الذي وجد في بوتين بطلًا يحاول استعادة أمجاد بلدهم التي قتلها ميخائيل جورباتشوف ودفنها يلتسين من بعده.
وكان من الضروري لبوتين حتى يفوز في انتخابات الرئاسة أن تجري هذه الانتخابات، بينما لا يزال الجيش الروسي يدك المدن والقرى الشيشانية دون رحمة، فهذه هي الصورة المطلوب ترسيخها في أذهان الناخبين الروس للحصول على أصواتهم، وفيما عدا ذلك سيلتفت الشعب الروسي إلى همومه الأخرى، وخاصة الأوضاع الاقتصادية التي تتدهور يومًا بعد يوم، وفي هذا الخصوص لن يجد أي مرشح ما يمكنه فعله، وقد اعترف بوتين نفسه بذلك قبيل إعلان فوزه في الانتخابات، حين قال بأن كثيرًا من الروس غير راضين عن الأوضاع الحالية، فهم متعبون، والحياة قاسية عليهم، وهم يتوقعون مني أوضاعًا أفضل، ولكن لا توجد معجزات بهذا الخصوص.
لا شك أن الحرب في الشيشان خدمت بوتين كثيرًا، لكن عندما يضع الجنود الروس أسلحتهم، ستغيب السكرة التي طمست قلوب الشعب الروسي وعقولهم، فيبدءون في تحسس أمورهم الحياتية حيث ازدادوا خلال السنوات العشر الماضية -وهي مدة حكم يلتسين- فقرًا إلى فقرهم في عهد الشيوعية ولعل ذلك كان سببًا في عودة قوة الشيوعيين النسبية، حيث حصد جينادي زوجانوف قريبًا من ثلث أصوات الناخبين.
مرحلة ما بعد حرب الشيشان ستكون الأصعب بالنسبة لبوتين، وهي الهجوم على الجبهة الاقتصادية من خلال محاربة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، ومن خلال الحرب على المافيا إن استطاع بوتين ذلك، ولأن بوتين يدرك عجزه عن فعل شيء على هذه الجبهة فسيحاول الحفاظ على سمعته التي اكتسبها في الحرب، من خلال تصعيد العمليات العسكرية في الشيشان بدلًا من إنهائها، وتبقى الوعود التي قدمها بوتين لشعبه للقضاء على الفساد حبرًا على ورق، ولا تزيد على كونها المعجزات التي قال إنها لا تتحقق.
بوتين شخصية غامضة ومغمورة، وهو بالنسبة لكثير من الروس يظل بيروقراطيًا لا شكل ولا لون ولا رائحة له إلا على جبهة القتال، وقد شبهه البعض في ذلك بأنه مثل الجاسوس الذي كانه يومًا.
عندما كان بوتين صبيًا صغيرًا في أوائل الستينيات كان يحلم بأن يكون جاسوسًا في الكي جي بي وعندما تذكر ذلك الحلم في مذكراته الأخيرة التي كتبها لأغراض الدعاية الانتخابية قال عنه بأنه كان يبدو حلمًا غير قابل للتحقيق مثلما كان الطيران إلى كوكب المريخ.
لم يدرس بوتين القانون إلا ليكون بوابة يعبر منه إلى عالم الجاسوسية، وبناء على نصيحة أحد ضباط الكي جي بي، وظل بوتين يعمل جاسوسًا لأكثر من (١٧) عامًا، ولذلك يحسده المرشحون الآخرون؛ لأنه استطاع توظيف خبرته في عالم الجاسوسية ليجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن منافسيه لاستخدامها في الأغراض الدعائية ضدهم، في الوقت الذي نجح فيه في عدم كشف الكثير عن ماضيه فقد تعلم من عمله السابق أن يتكلم قليلاً ويستمع طويلًا.
ولا يعفيه خصومه مثل المرشح جريجوري يا فلنسكي من تهمة أنه ما زال في قلبه عميلًا للشيوعية السوفيتية، وفي فلسفته الخاصة عن الشيوعية يقول يا فلنسكي: «الشيوعية تعني أن تكون مستعدًا لدفع أي ثمن لتحقيق أهدافك السياسية الشيوعية، تعني أن تقول شيئاً وتفعل شيئًا آخر، الشيوعية تعني أن تكون كذابًا دومًا، كل هذه الأشياء هي محددات سياسة بوتين».
ولم تخل التوقعات من اتهام بوتين بالتواطؤ مع الشيوعيين لكسب الانتخابات مقابل السماح لهم بالمشاركة بعدد مقبول من المقاعد الوزارية في الحكومة المقبلة، وإذا صحت تلك الاتهامات فإنها تعني موقفًا ذكيًا من بوتين الذي يريد تحييد أكبر قوة سياسية منظمة في روسيا، وهم الشيوعيون في معركته القادمة على الجبهة الاقتصادية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل