العنوان قوة الأمة في حفظ ثوابتها
الكاتب محمد يوسف الجاهوش
تاريخ النشر السبت 04-نوفمبر-2006
مشاهدات 83
نشر في العدد 1725
نشر في الصفحة 56
السبت 04-نوفمبر-2006
ما من أمة- مهما حققت من انتصارات- إلا خسرت بعض المعارك أمام أعدائها، وخسارة معركة لا تعني خسارة الحرب، ولا يصح أن تكون نهاية المطاف في حياة الأمم والشعوب.
إن التاريخ شاهد على أن النكسات والنكبات تعطي الأمم الحية قوة محفزة لاسترجاع همتها وتلافي أخطائها وإحياء عوامل القوة الكامنة في ذاتها، ولن يتأتى هذا لأمة من الأمم إلا إذا حفظت ثوابتها، وفعلتها في واقعها، وجعلتها أسس منطلقاتها، وبذلت من أجل حفظها أقصى إمكاناتها وجميع ما في وسعها.
إنها متى فعلت هذا استعادت صحتها، وتماثلت للشفاء من عللها وأسقامها، وجابهت أعداءها بإرادة صلبة ويقين يأبى أن يلين، فضلًا عن أن ينهزم أمام المحن والشدائد وليس ما نقوله دعوى ندعيها ولا هو رجم بالظن والتشهي، إنه من السنن المطردة في مسيرة الأمم والشعوب، لا تتخلف في زمان ولا مكان.
ونحن المسلمين لسنا بدعًا بين الأمم فما تزال سنن الله تعالى ماضية فينا- مثل غيرنا- من فجر الرسالة، وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لقد حققنا الكثير من الانتصارات كما منينا بالكثير من الهزائم والنكسات، بل والنكبات، فكيف انتصرنا؟ ولماذا انهزمنا؟ لقد حالفنا التوفيق عندما حفظنا ثوابتنا العقدية، وراعينا منطلقاتنا الإيمانية، وأخذنا بالمتاح من الوسائل المادية، فكانت أهدافنا واضحة ومقاصدنا محددة، وطريقنا مرسومة جلية.
الله غايتنا، فبهداه نهتدي والرسول أسوتنا، فعلى سننه نمضي، ونشر الإسلام هدفنا، فلا نحيد عنه، وإخراج الناس من عبودية البشر إلى عبودية رب البشر، أمنيتنا التي تسلك بنا طريق الجنة والرضوان، فإن فزنا بالشهادة في ساحة المعارك والنضال فتلك أسمى أمانينا وأغلاها، بل أحبها إلى قلوبنا وأشهاها، ومن ذا الذي يحظى بها ولا يردد من الأعماق «فزت ورب الكعبة».
هذه بعض معالم دربنا الذي أفضى بنا إلى النصرة والسيادة، وحققنا بسلوكه العزة والريادة وانتقلت الدنيا على أيدينا- وبمبادئنا- من التيه إلى النور والضياء فأشرقت الأرض بنور ربها وازينت ودخل الناس في دين الله أفواجًا ونعموا بالحرية والأمن والاستقرار.
ولما كان أمر الحياة منضبطًا- رفعًا وخفضًا- بسنن الكون ونواميسه، فإن كل خروج عن هذه السنن يفضي بالضرورة إلى تغير الواقع، واختلال المعايير، ولقد أسهم بُعد الأمة عن دينها وركونها إلى عيش الترف والرخاوة في ضعفها، وإنجاح مخططات الأعداء التي ما فتئت تحاك ضدها علنًا وفي الخفاء، وإنها لنتيجة طبيعية لمقدمات سلفت جنت الأمة بسببها مر الجني، ومنيت بأوخم العواقب، وأبشع الهزائم وأقساها، وأوشك بعضها أن يصيب من الأمة مقتلًا، ويأتي على بنيانها من القواعد.
ذلك لأن الأمة غيرت نهجها، وحادت عن منهجها الذي سادت به قرونًا، فمضت فيها سنة الله الثابتة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
لكن اللطيف الخبير سبحانه وتعالى يتدارك هذه الأمة دائمًا باللطف والرحمة ويهيئ في كل فترة من يجدد لها أمر دينها، ويستنهض عزائم بنيها، فيحيا الأمل في صدورهم، وتستنير بنور القرآن أبصارهم وقلوبهم، فتراهم في وسط الجمع الحائر والواقع الجائر طرازًا آخر، كأنهم بعثوا من جيل النور والربانية، لينبهوا الغافلين، ويرشدوا التائهين، ويعلموا الجاهلين غير مبالين بمصاعب الطريق، ولا يكيد الأعداء وما يمكرون.
إن هذا الطراز من الدعاة المصلحين، والشبان الناهضين لهم الدليل القاطع والبرهان الساطع على أن أمتنا- في عصرنا هذا- لا تزال هي الأمة المرشحة- دون سواها- لإنقاذ البشرية من ويلات حضارة الدمار المادي والفساد الأخلاقي والتفسخ الاجتماعي.
نعم، هي الأمة الوحيدة المؤهلة لكل ذلك، لما تكتنزه من رصيد الفطرة السوية، والمنهج الرباني القويم، والإرث التاريخي النقي.
إن حضارتنا هي التي لها سبق إسعاد الإنسانية قرونًا من الزمن، وهي قادرة على ذلك الآن بعدما أفلست حضارة الغرب على الصعيد الخلقي والاجتماعي والإنساني.
إن العالم- اليوم- بحاجة إلى إحياء المشاعر الوجدانية وتوثيق الروابط الإنسانية، والعيش بأمن وسلام بعيدًا عن الحروب والنزاعات التي لم تجن البشرية منها إلا التمزق والضياع وتأصيل العداوة والبغضاء بين بني الإنسان الذين أوجدهم الله تعالى ليتعارفوا ويتعاونوا مهما اختلفت أديانهم وعقائدهم.
إن الحياة في ظل حضارة الإسلام حياة يأمن فيها كل إنسان على نفسه وعرضه وماله، ويبيت وليس وراء بابه هم يقلقه، ولا يخاف على ما في داخله سطوًا ولا نهبًا.
إنها حضارة ترعى بنيها ومواطنيها- على اختلاف أديانهم- منذ الولادة حتى الوفاة، وتهيئ لهم أسباب رغد العيش وهناءته، تكفل لهم كل حقوقهم، ولا تطالبهم بأكثر من أن يكونوا مواطنين صالحين، يسهمون بجهدهم وولائهم لحفظ كيانها وسلامة مسيرتها وصون مكتسباتها ومنجزاتها.
إن البشرية لن تجد سعادتها وأمنها إلا بالعودة إلى الفطرة السوية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).
وهذه الفطرة هي رسالة الأنبياء كافة، وقد حفظت رسالة الإسلام أسسها وصانتها من الضياع. فالإسلام لأتباعه عقيدة وشريعة ونظام حياة، وهو صيانة ورعاية ورحمة لمن عاش في دولته، ورعا حرمته- أيًا كان دينه ومعتقده- ما دام محافظًا على حقوق المواطنة وصدق الولاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل