الثلاثاء 02-مايو-1972
الحضارة مستوى من الرقي يرتفع فوق الضرورات العادية
يختلف المفكرون- كعادتهم- في تحديد معنى واضح محدد للحضارة، وكما أن النزعات تختلف في فهم الإنسان تحت تأثير الزمان، والمكان، والوراثة، والثقافة.. فإنها كذلك تختلف في تحديد النظرة إلى الحضارة.. فحيث تكون هناك نهضة روحية في فترة ما.. ينشط الناس إلى الرقي الروحي مركزين عليه، متجاهلين الجوانب المادية المتعلقة برقي الحياة وتطورها، مقتنعين بأن الروح هي خصيصة الإنسان وأنها هي «الحضارة».
وعن هذا التقدم الروحي تنشأ الفنون والآداب وصياغة المثل العليا.. لكن -في الجانب الآخر- يهبط المستوى المادي للحياة.. ويرتفع مستوى الآلة.. ومستوى ما تؤديه هذه الآلة من خدمات.. يقتنع الناس بأن الحضارة هي «مقدار ما يتمتع به الفرد من تسهيلات، وما يستهلكه من وسائل الرفاهية كالكهرباء والسيارات، والتليفونات، والملابس، والأطعمة. إلخ» (1).
على أن دائرة المعارف البريطانية ترى أن الحضارة «هي طريقة حياة جماعية إنسانية، وأنها بذلك تتضمن كل أنماط السلوك المكتسبة التي يتبعها المرء ويتوقعها سائر أفراد جماعته ويقرونها».
وابن خلدون يرى أن الحضارة «أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الدقة وتفاوت الأمم في القلة والكثرة تفاوتًا غير منحصر».
لكن كل هذه التعريفات.. صحيحة في جانب من الجوانب وناقصة في جوانب أخرى من جوانب الحياة الإنسانية الضرورية.
ما هي الحضارة؟ إن الحضارة مستوى أرقى عن المستوى البدائي للإنسان تحقّقت فيه للإنسان جوانب السعادة التي ينشدها.. هذه هي خلاصة ما يمكن أن يُقال حول كلمة الحضارة.. والقاعدة الأساسية التي ترتكز عليها هذه الحضارة انطلاقًا من هذا التصور هي نقطتان:
أولًا: الإنسان.. ثانيًا: السعادة أو الرفاهية.
وإن تحقيق مزج ملائم بين هاتين النقطتين هو السبيل الوحيد لتحديد معنى الحضارة، فلو أننا ذهبنا نتحدث تجريديًا عن الإنسان دون أن نقوم بتفهم لكيانه ولمتطلبات هذا الكيان، ولو أننا حددنا للإنسان مستوى من الرفاهية لا ينسجم مع كيانه ولا يحقق الملاءمة المنشودة بينه وبين كيان الإنسان.. لو أننا فعلنا ذلك لأخفقنا في تحديد المعنى المناسب للحضارة.. حتى لو سقنا آلاف النظريات والتحديات.. لقد سار الإنسان مسيرته التاريخية.. وهو يلهث -في الحقيقة- بحثًا عن السعادة الملاءمة لكل متطلبات كيانه.. وتحقق له على امتداد المسيرة إشباعًا لبعض الجوانب وبقيت الجوانب تلح في طلب الإشباع قبل أن يسعفها الإسلام بإشباعه لكل الجوانب وبإحداثه توازنًا وارتباطًا بين كل متطلبات الكيان الإنساني المختلفة.
ونحن نستطيع أن نلمح تغلب عنصر على عنصر حين نتتبع مسيرة الإنسان الحضارية «وانظر إلى المصريين قبل كل شيء ترَ الآداب عندهم ضعيفة جدًا في كل وقت، وترَ فن التصوير عندهم هزيلًا جدًا، وترَ فن البناء وصنع التماثيل أسفر عندهم عن أنفس الآثار ويصلح ما تركوه لنا من التماثيل كتماثيل الكاتب وشيخ البلد وراحوتب أن يتخذ نماذج حتى في زماننا».
«وبجانب المصريين نذكر الرومان الذين مثلوا دورًا كبيرًا في التاريخ.. والرومان لم يستطيعوا أن يبتدعوا فنًا خاصًا بهم. ومن المحتمل أنك لا تبصر أمة أبدت من قلة الإبداع ما أبداه الرومان في منتجاتهم الغنية.. بيد أن أمة الرومان أوجبت نهوض ثلاثة عناصر من عناصر الحضارة.. فقد كان عندها من النظم الحربية ما سيطرت به على العالم، وكان لديها من النظم السياسية والقضائية ما لا تزال تسير على غراره حتى اليوم وكان لها من الآداب المبتكرة ما استوحيناه في قرون كثيرة».
وهكذا نستطيع أن نتتبع سير الحضارة عند الإنسان حتى وصل الإنسان إلى «الإسلام» فوجد فجأة دينًا يقول له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ﴾ (القصص: 77). ويحدد له بوضوح كافٍ كيف يتمكن من إشباع كل الجوانب وبالتالي كيف يُحقق لإنسانيته سعادة ملائمة.
الإنسان والحضارة
وهل يمكن أن يعيش الإنسان بلا طعام!؟ وهل يمكن في ظل «فيتامينات ناقصة» و «ملابس لا تقي من الحر أو البرد» و«مسكن لا يستطيع أن ينام فيه الإنسان ليلًا ويأوي إليه بعد سعيه نهارًا» هل يمكن في ظل حال كهذه أن يفكر الإنسان وأن يمنح الحضارة شيئًا من التقدم والازدهار؟ إننا لا يمكن أن نخدع أنفسنا ونتوقع حدوث معجزات من هذا النوع.
وإذن.. فليست الحضارة حالة من الرقي مستغنية أو رافضة لهذه الأساسيات، وإنما هي حالة رقي ترتفع فوق هذه الأساسيات ولا تستغني عنها كما أن الطابق الثاني في المنزل لا يقوم بدون وجود طابق أول.. وإن كان سكان الطابق الأول يتعبون من وجود كثير من الآفات والمنغصات ويتمنون الارتفاع إلى الطابق الثاني «الحضارة» وهذا التقدم الآلي المدهش.. هل يمكن أن يعود بالإنسان القهقري ويتخذ قرارًا بالبدء من الصفر وبالاستغناء عن معطيات الحضارة المادية؟ هل يمكن أن يرفض الإنسان كفاح العقل البشري عبر آلاف السنين من أجل امتطاء الطائرة أو المركبة الفضائية فوق طبقات الجو والسيارة أو القطار الكهربائي تحت الأرض؟ أو يرفض استعمال اللاسلكي والتليفون، أو يضرب بالراديو والتلفزيون عرض الحائط؟! ألا يمكن أن يكون هذا ضربًا من الجنون، ولغطًا في حكم العقل البشري نفسه؟ لكن ألا يمكن لهذا الحصاد الذي أنعم به علينا هذا العقل البشري أن يكون وسيلة تخلف؟ هل يتحتم بالضرورة أن يكون راكب الطائرة إنسانًا راقيًا؟ هل راكبو الطائرات حاملة النابالم والقنابل والكيمياويات السامة والمستعملون لها ظلمًا وعدوانًا.. هل هؤلاء حقيقة أناس متحضرون؟ هل كل هؤلاء الذين استعملوا وسائل الحضارة الحديثة في الدمار خير وأفضل حضاريًا من أتباع موكب النبوة كاتباع موسى وعيسى ومحمد -عليهم السلام-؟
ونحن لا ننكر أنه في الجانب المادي من الحياة يعتبر هؤلاء أكثر تمتعًا من كل أتباع هؤلاء الأنبياء -مع تحفظ شديد فيما يتعلق بنبي الله سليمان- لكننا بمقياس الحضارة الكامل اللائق بالإنسان يمكننا اعتبار هؤلاء حيوانات ذات مخالب قوية.. تأكل من أطيب لحوم غيرها!
إن الآلات في الحقيقة كما يقول «ت. جود» في السطور الأخيرة من كتابه «قصة الحضارة» ليست هي الحضارة، بل هي عون على الحضارة.. فبدون الآلات قد تتحقق الحضارة.. ومع وجودها قد لا تتحقق الحضارة فما هو-أخيرًا- الفيصل الهام في الحضارة؟
إن الحضارة في الحقيقة هي إشباع لكل جوانب الإنسان إنها نفسها تحقيق الإنسانية العليا في أفضل صورة ممكنة وإذا استطعت أن تجد تعريفًا محددًا للإنسان. فأنت تستطيع أن تلائم بين هذا التعريف وبين الحضارة.. إن الحضارة هي الماء الذي يملأ الوعاء الإنساني بكل فراغاته.
· فالإنسان.. جسم.. يحتاج إلى الغذاء.. والملبس.. والمسكن.. وما يمكن الحصول عليه أكثر من ذلك.
· والإنسان- كذلك- عقل يحتاج إلى السيطرة على الطبيعة المحيطة به وإلى التقدم المستمر في صنع الوسائل التي تخضع هذه الطبيعة لإرادته.
· لكن الإنسان كذلك وهذه أهم خصائصه روح.. ضمير.. أخلاق.. مثل عليا.. تحتاج إلى انتهاج نهج معين في الحياة مع الآخرين.. وإلى تنظيم لقضية وجودها، وفهم مركزها فيه.. وإلى إشباع لغرائز السمو والرقي فيها.. وهي تلك التي يرتفع بها الإنسان عن الحيوان، وتلك التي ركبت فيه تمامًا كما ركبت غرائز الأكل والجنس وكما ركب العقل.
يقول غوستاف لوبون في كتابه (السنن النفسية لتطور الأمم): «وأول ما يجب أن يبحث عنه المجتمع هو إيجاد حالة نفسية تجعل الإنسان سعيدًا، وإن لم يفعل المجتمع ذلك لم يكتب له طويل بقاء، وقد استندت جميع المجتمعات إلى مثل عال قادر على إخضاع النفوس، وهذه المجتمعات قد اضمحلت بعد أن عاد ذلك المثل الأعلى لا يخضعها».. «ومن أكبر أغاليط العصر الحاضر أن يعتقد وجود السعادة في الأمور الخارجية وحدها، فالسعادة تقيم بنا، وهي مما نوجده، وهي لا تكون خارجة عنا تقريبًا».
«والمحسنون الحقيقيون لبني الإنسان وهم الذين يستحقون أن تقيم لهم الأمم الشاكرة تماثيل فخمة من ذهب هم أولئك السحرة الأقوياء المبدعون للمثل العليا، هم أولئك الذين يحدثون فوق سيل الظواهر الباطلة وفوق دولاب الدنيا الجامد. أوهامًا قوية مهدئة، هم أولئك الذين يقيمون للإنسان منازل عامرة بالآمال والأحلام».
وأخيرًا: إن الحضارة هي مجموع منسق لكل رغبات الإنسان وحاجاته، وإن الحضارة التي تشبع جانبًا على حساب جانب هي «جانب من التحضر» وليست حضارة. أما الحضارة الحقة فهي هذا البناء التام المنسجم الذي يستوعب الكيان الإنساني من كل زوايا احتياجاته، وبكل تطلعاته وآماله.
الإسلام والحضارة:
الإنسان في الإسلام.. مركز حركة الكون.. هو محور الدائرة هو خليفة الله في الأرض.
وتحقيق أسمى لون من التحضر هو الهدية التي يريد الإسلام أن يزفها إلى الإنسان.
والإسلام دين الفطرة السليمة النظيفة التي لم تخضع لرواسب أو تأثيرات خارجية ولذا يقوم الإسلام بحصر شامل لكل جوانب الفطرة الإنسانية وإعطاء كل جانب منها حق من الحضارة.. وفق خط مستقيم ينسق بين كل الجوانب ويجعلها -ليست فقط غير متعارضة- بل منسجمة ومتساوقة.
يقول القرآن الكريم:
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ﴾ (لقمان: 20). ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 13). ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70).
إن الإنسان في الإسلام.. هو خليفة الله في الأرض.. ويجب أن تكون الحياة كلها مسخرة لخدمة خليفة الله.
وما دام الإنسان حريصًا على أداء حق سيده الذي استخلفه فإنه بالتالي يظل جديرًا بكل ما يريد من حقوق.. حق الجسم، وحق العقل، وحق الروح. وعمل الإسلام الأساسي أنه يھيئ للإنسان كل الطرق السليمة المستقيمة لنيل حقوقه على كل هذه المستويات.
.. فلا تعارض إذن بين الإسلام وبين الحضارة.. بل إن عمل الإسلام هو عمل الحضارة الصحيحة.. بل إن الإسلام في الحقيقة. -وليس هذا مجرد تدرج منطقي- هو الحضارة الصحيحة.. ولن تكون الحضارة جديرة باسمها هذا إلا إذا استوعبت كل جوانب الإنسان أي أنها لن تكون حضارة إلا إذا عملت عمل الإسلام في خدمة الإنسان.. أي أن الحضارة في الحقيقة هي الإسلام والإسلام في الحقيقة هو الحضارة وكلاهما يعمل عملًا واحدًا في حياة الإنسان «ينبغي أن يكون الإنسان مقياسًا لكل شيء، ولكن الإنسان في الواقع غريب في عالم خلقه هو.. إنه لم يعرف كيف ينظم هذا العالم لنفسه لأنه لم تكن في حوزته معرفة موضوعية بطبيعته الخاصة».
فالله وحده -من خلال مبادئ الإسلام- ينظم هذه الفطرة باعتباره العالم الوحيد بطبيعة الإنسان أكثر من علم الإنسان بنفسه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:4)، أما التقدم المادي وحده.. والنظر إلى الإنسان من خلاله، وإشباع جوانب الجسم والعقل.. وتجاهل الروح والضمير والجانب الإنساني في الإنسان.. فهو قتل لمعنى الإنسان وهو بالتالي علاج بعيد عن أن يكون حضارة!
وكثيرًا ما يحدث أن نعطي أهمية مبالغًا فيها لجزء على حساب أجزاء أخرى، فيتعين علينا أن ننظر إلى الإنسان من مختلف جوانبه: الفيزيوكيمائية والتشريحية، والفسيولوجية، والروحانية، والعقلية والأخلاقية، والفنية، والدينية، والاقتصادية، والاجتماعية إلخ.
«إن الإنسان غير قابل للتقسيم إلى أجزاء، فلو أننا فصلنا أعضاءه بعضها عن بعض لكف عن الوجود. وعلى الرغم من عدم قابليته للتجزئة فإن له جوانب منوعة. هذه الجوانب هي التعبير المتغير الذي يعبّر به عن وحدته في أعضاء الحس».
لكن الحضارة الحديثة... قد نظرت إلى الإنسان من خلال ما قدمته للبشرية.. وهي لم تقدم للبشرية شيئًا ذا بال في علم الإنسان أي في سبيل إحراز تقدم نفسي وخلقي يتوازى مع التقدم التكنولوجي الذي قدمته للإنسان الحديث.
وهذه الحقيقة هي التي جعلت الإنسان في الغرب إنسانًا تائهًا ضائعًا تنتاب حياته نواحي التشاؤم والقلق وكل أمراض العصر برغم التقدم الهائل في العلوم التطبيقية، ذلك لأن هذا الإنسان لم تحسن حضارته إحداث الانسجام بين كل الجوانب الإنسانية، بل اقتصرت على رد الفعل الذي تولد عن عدائها للكنيسة ونظرت إلى الوجود بعين واحدة وهذه وفق تعبير الفيلسوف والطبيب الألماني ألبرت شفيتزر «في كتابه فلسفة الحضارة»: «الخاصية المروعة في حضارتنا» «ولكن الحقائق بدأت تدعونا إلى التفكير.. إنها تقول بلسان حاد: إن الحضارة التي لا تنمو فيها إلا النواحي المادية دون أن يواكب ذلك نمو متكافئ في ميدان الروح، هي أشبه ما يكون بسفينة اختلت قيادتها ومضت بسرعة متزايدة نحو الكارثة التي ستقضي عليها، ذلك أن الطابع الجوهري للحضارة لا يتحدد بإنجازاتها المادية، بل باحتفاظ الأفراد بالمثل العليا لكمال الإنسان وتحسين الأحوال الاجتماعية والسياسية للشعوب وللإنسانية في مجموعها».. هذا هو عمل الحضارة الصحيحة في الحياة..
هو نفسه عمل الإسلام في الحياة.
وليس عمل الإسلام في الحياة بإيجاز «سوى التوفيق التام بين الوجهتين الروحية والمادية في الحياة الإنسانية.. وإنك لترى هاتين الوجهتين في تعاليم الإسلام تتفقان في أنهما لا تدعان تناقضًا أساسيًا بين حياة الإنسان الجسدية وحياته الأدبية فحسب، ولكن تلازمهما هذا وعدم افتراقهما فعلًا أمر يؤكده الإسلام إذ يراه الأساس الطبيعي للحياة».
وهذا نفسه عمل الحضارة حين تكون نابغة من الإنسان ومتجهة في الوقت نفسه إلى الإنسان!