العنوان قصص جنود سوفييت.. غيبتهم الحرب في أفغانستان
الكاتب د. أحمد عبد الله
تاريخ النشر الجمعة 01-نوفمبر-2013
مشاهدات 96
نشر في العدد 2065
نشر في الصفحة 50
الجمعة 01-نوفمبر-2013
بحر الدين.. تم أسره خلال الحرب عام
١٩٨٠م بإحدى القرى الأفغانية ولأنه مسلم قام زعيم القرية بمداواته ووضعه تحت
حمايته الشخصية إلى أن أصبح جزءًا من العشيرة ويعمل الآن في مهنة الرقية والتطبيب
غينا دي تسيفما.. مواطن أوكراني شارك في
الحرب وعمره ١٨ عامًا.. فضوله لمعرفة صاحب صوت أذان الفجر أوقعه في الأسر.. انتقل
لصفوف المجاهدين ورفض العودة رغم حصوله على حريته ولا يزال يعيش مع زوجته وأولاده
في أفغانستان
آلاف القتلى والجرحى والمفقودين هي حصيلة
الحرب السوفيتية الأفغانية (١٩٧٩-١٩٨٩م)، ومآس لا تحصى خلفتها تلك الحرب سواء على الجنود
وعائلاتهم أو على السكان المدنيين من الأفغان.. فالمآسي التي خلفتها تلك الحرب كثيرة،
وتركت آثارها النفسية والمادية على الناس سواء أكانوا من الجنود أو من المواطنين العاديين.
واحدة من هذه المآسي لعائلة أوزبكية رفع الغطاء
عنها منذ فترة قصيرة جدًا، بعد أن تناقلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية خبر العثور
على الجندي السوفييتي «بحر الدين حكيموف» المفقود منذ أكثر من ثلاثين عامًا، تغيرت
ملامح الرجل وتغير كل ما فيه، فأصبح في مظهره أقرب إلى الأفغاني منه إلى مواطن أوزبكي
عاش في الاتحاد السوفييتي السابق، والأكيد أن بحر الدين ليس الوحيد في أفغانستان يتقاسم
نفس القدر، فبحسب صحيفة The Times
هم مئات وربما أكثر
من ذلك.
مصير مجهول للجنود: خرج بحر الدين من مدينة سمرقند في جمهورية
أوزبكستان ليحمل كغيره من الجنود إلى قدره المحتوم في أفغانستان، حيث اختفى في عام
۱۹۸۰م في مدينة هيرات، لقد وقع في أيدي سكان القرية التي حارب فيها بعد أن أصيب إصابة
خطيرة لم تمكنه من اللحاق بمعسكر الجيش، تعامل زعيم القرية معه باحترام نظرًا إلى أنه
مسلم، وقام بمداواته بالأعشاب، ثم أعلن رئيس القرية وضعه تحت حمايته الشخصية فأصبح
منذ ذلك الحين جزءًا من العشيرة وطالبًا في الطب التقليدي والرقية
لدى معلمه، حياته ليست سهلة فهو يعيش حياة الرحالة كحياة الذين آووه، لا وثائق تثبت
شخصيته، كان متزوجًا لكن زوجته فارقت الحياة ولم ينجب منها أولادًا.
بحر الدين - الذي
يدعى اليوم بالشيخ عبد الله- يعمل في مهنة التطبيب والرقية، لم يفكر كثيرًا في العودة
لأهله بأوزبكستان بالرغم من تغير الأحوال في كل المنطقة، ولم يسع يومًا للاتصال بأهله
في أوزبكستان.
ليست قصة حياته هي
الوحيدة، فبالرغم من تأكيد الجنرال «بوريس غروموف» القائد العام للجيش السوفييتي في
أفغانستان آنذاك أن جميع الجنود السوفييت قد خرجوا من بلاد الأفغان ولم يبق منهم أحد،
إلا أن الواقع يقول: إنه ترك وراءه ما لا يقل عن ٤٠٠ جندي، بعضهم وقع في الأسر وبعضهم
انتقل إلى صفوف المجاهدين، وبعضهم بقي مجهول المصير مثلما حدث مع حكيموف الأعداد المتبقية
إلى اليوم هي ٢٦٤ جنديًا غالبيتهم من الروس، أما البقية فمنهم من رجع إلى وطنه بين
أهله، والبعض الآخر عرف مكانه بعد فراقه للحياة، ومنهم من أثر البقاء في أفغانستان
بالرغم من توافر فرصة العودة إلى وطنه وأهله.
قصة «تسيفما»
أحد أكثر الأشخاص
شهرة بين هؤلاء الذين رفضوا العودة كان المواطن الأوكراني «غينادي تسيفما». الذي وجده
الصحفي في قناة «البي بي سي» البريطانية «بيوتر جوفينال» بعد عامين من انتهاء الحرب،
شارك في الحرب بمحافظة قندوز وعمره ١٨ عامًا، ووقع في الأسر بسبب أذان صلاة الفجر الذي
كان يرفع من على المئذنة، حيث قرر من باب الفضول الخروج من المعسكر للتعرف على صاحب
الصوت فوقع في الأسر وخير بين أن يسلم أو القتل فاختار الإسلام، وهكذا أصبح أفغانيًا.
وبالرغم من انتقاله
إلى صفوف المجاهدين إلا أن تسيفما - كما أكد للقناة البيلاروسية- لم يطلق طلقة واحدة
على أبناء الوطن: «لقد بقيت ست سنوات تحت المراقبة، وكانوا يحاولون إرغامي على إطلاق
الرصاص على أبناء الوطن من الجهة الأخرى، لكني كنت أرفض ذلك».
وبالرغم من أنه حصل
على حريته مع بداية التسعينيات لكن «تسيفما» -محمد الآن - رفض العودة إلى أرض الوطن،
على اعتبار أن كل من رجع في تلك الفترة من الأسرى تمت محاكمته بتهمة الخيانة، ولا يزال
تسيفما يعيش إلى اليوم في قندوز مع زوجته وأولاده بالرغم من شغف العيش التسعينيات لكن
تسيفما» وصعوبة التحرك جراء إصابة في قدمه.
قصة مشابهة
قصة مشابهة وهي لجندي
يدعى «سيرجي كراسنبيروف» «نور محمد» الذي اتهم من قبل القوات السوفييتية آنذاك ببيع
أسلحة للمجاهدين فهرب سنة ١٩٨٤م ووقع في الأسر لكنه كان أسيرًا مهمًا لدى أسريه، فقد
عمل في إصلاح الأسلحة الرشاشة التي تعطلت لديهم، ثم أصبح من المقربين إلى القائد الأوزبكي
رشيد دستم فجعله حارسه الشخصي لم تفلح كل المحاولات لعودته لوطنه حتى بعد لقائه بأمه
عام ١٩٩٤م. استقر نور محمد في مدينة شغشران بولاية غور بعد أن تزوج وأنجب ستة من الأولاد،
يعمل نور محمد في وزارة الطاقة في تصليح السيارات ويرى أن خروج الأمريكيين من أفغانستان
سيدخل البلاد مرة أخرى في أتون حرب أهلية جديدة، هكذا قال لأحد الصحفيين الروس الذين
التقوه في أفغانستان.
لم تنته قصص المجاهدين
السوفييت بمن ذكرنا فغيرهم كثير، منهم من عاد إلى الوطن ثم لم يستطع التأقلم مع الظروف
لاختلافها الجذري مع طبيعة الحياة التي تعود عليها بعد الأسر فقرر الرجوع إلى أفغانستان
ليكمل حياته فيها، ومنهم من آثر البقاء هناك دون التفكير في الرجوع. محاولات كثيرة
تقوم بها جمعية البحث عن المقاتلين الأمميين «الجنود الروس في أفغانستان» لإعادتهم
إلى بلدانهم لكن تبقى المشكلة الأساسية أمام الدولة هي إعادة دمجهم من جديد في مجتمع
أصبح غريبًا عنهم، خاصة مع نظرة الناس إليهم بأنهم ليسوا فقط أسرى حرب لدى قوات العدو
ولكن أشخاص غيرتهم الحياة وغيروا دينهم واعتنقوا دينًا غريبًا عن مجتمعهم.