; في أيام قزقستان | مجلة المجتمع

العنوان في أيام قزقستان

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 16-ديسمبر-2006

مشاهدات 167

نشر في العدد 1731

نشر في الصفحة 36

السبت 16-ديسمبر-2006

أكرمتني مؤسسة «طيبة» الخيرية العالمية بدعوة كريمة لزيارة آسيا الوسطى، وهي المناطق التي طالما رغبت في زيارتها، فهي التي خرجت لنا آلاف العلماء والأبطال والشجعان، وتركت لنا من الكتب ما لا يحصى، وفيها من تاريخنا جزء مهم عظيم. وآسيا الوسطى هي اليوم قزقستان وقيرغيزستان وأوزبكستان الغربية، وهي الجمهوريات التي رزحت طويلًا تحت الحكم الروسي الذي بدل معالمها، وأفقد أكثر أهلها دينهم وتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم، وأفقرهم فقرًا شديدًا. ولم يكن ذلك مرتبطًا بالروس البلاشفة وثورتهم الشيوعية المشؤومة سنة ١٣٣٦هـ- ١٩١٧م، بل إن روسيا تدخلت في تركستان منذ أواسط القرن السادس عشر الميلادي، وأكملوا سيطرتهم على تلك البلاد سنة ١٨٨٠م، وتركوا تركستان الشرقية للصين ترزح تحت حكمهم وتعاني المصائب والشدائد إلى يومنا هذا، أسأل الله أن يفرج عنها كما فرج عن أختها الغربية. سافرت إلى قزقستان في رحلة بالطائرة مباشرة من دبي استغرقت قرابة أربع ساعات، وقد أدركت -وأنا في الطائرة- كم ابتعد أولئك الناس عن دينهم، فالطائرة قزاقية «كازاخية كما هو مشهور لكنه ليس صحيحًا» وزرت طاقمها المكون من أربعة ملاحين مسلمين، فحاولت أن أتفاهم معهم بصعوبة حول الإسلام ومكة والمدينة والرسول ﷺ لكني أدركت -بعد حين- أن القوم أبعد ما يكونون عن كل ذلك، المهم أني عندما هبطت بي الطائرة في العاصمة ألمآتا «أي بلد التفاح، لكثرته عندهم» ونزلت إلى صالة المطار تأكد لدي المفهوم السابق أن الروس لم يتركوا في هذا البلد إلا الخراب العقدي والدمار الأخلاقي، فالنساء القزقيات لا يختلفن عن نساء الروس في لباس أو عادة. والمحزن حقًا أن بعض الإخوة من القزق أخبرني أنه لا تكاد توجد بنت عذراء في هذا البلد، وذلك لما أحدثه الروس من بلاء على الناس والخمور في البلد -العاصمة- وفي القرى منتشرة انتشارًا عجيبًا لافتًا للنظر، فهي تشرب كالماء، ويقبل عليها الرجال والنساء، والكبار والصغار، وثمنها زهيد، فإذا اجتمع على القوم الخمر، وتهتك النساء وقلة الدين، وضعف الإيمان، وتواتر الشهوات، وكثرت الشبهات، إذا اجتمع عليهم كل ذلك فلا غرابة إذا أن تشاهد البلاد وقد غرقت في مستنقع آسن من الفساد والتخلف والضعف. والبلاد كانت مشهورة بأنها معقل الصناعات النووية في الاتحاد السوفيتي السابق، فلما خرجوا عنها إذ بالقوى الدولية تجتمع عليهم وتفاوضهم، حتى استطاعت أن تدمر القنابل النووية وتترك البلاد ولا أهمية لها ولا خوف منها، هذا عدا عن المصانع الكثيرة التي كانت تحفل بها البلاد لكنها امتلأت بالعمال الروس فقط، أما القزق فليس لهم إلا الرعي والصناعات اليدوية، فلما رحل الروس تعطلت المصانع تمامًا وأصبحت مهجورة. أرأيت كيف يفعل الاستخراب «الاستعمار» بالبلاد الإسلامية ويورث أهلها الشقاء والعناء والتخلف والبعد عن الإسلام، فإذا علمت أن قزاقستان أكبر دولة إسلامية من حيث المساحة طال عجبك واشتد همك. وهناك خطر كبير يتهدد المسلمين ألا وهو التنصير الذي شرع في العمل بقوة في هذه البلاد، أغرى أهلها بشتى أنواع الإغراء، ولما كان القوم في خواء تام من الناحية الإيمانية وجهل كامل بالشريعة الإسلامية وضعف اقتصادي كبير لما كانوا كذلك استجاب كثيرون لدعوات التنصير وتنصر مئات الآلاف من أهل البلاد الذين يصعب جدًا أن نقول إنهم كانوا مسلمين، فأكثر من تنصر لا يعرف حتى الشهادتين. جهود الدعوة أما الصورة المشرقة فهي الجهود المبذولة لعودة الناس لدينهم من جديد، وهي ممثلة في مؤسسات إسلامية تعمل وتجند رجالًا دعاة أخيارًا تفرغوا لنشر الإسلام من جديد في هذه الديار التي يفترض أن تكون جزءًا مهمًا من العالم الإسلامي، لكن الواقع المرير يرفض ذلك، والمؤسسات العاملة مثل «طيبة الخيرية العالمية» وجهودها مبذولة متميزة، وخيرها ظاهر، وعملها مبارك إن شاء الله تعالى، ومؤسسة أخرى وهي «الندوة العالمية للشباب الإسلامي»، وتبذل جهودًا جيدة في هذا المجال، ومؤسسة «الوقف الإسلامي» وهي من المؤسسات التي دخلت مبكرًا نسبيًا إلى بلاد القزق، لكن لم يتح لي أن أقابل مسؤوليها إلا دقائق معدودة في بيت الأخ الكريم الملحق الثقافي بالسفارة السعودية الأستاذ محمد الغيلان، فلم أستطع أن أطلع على نشاطهم وما يصنعون، لكني أحسبه منصبًا يصب في وعاء الدعوة الإسلامية. ولنعد مرة أخرى إلى سبب دعوة «مؤسسة طيبة الخيرية العالمية» لي ألا وهو إقامة دورة شرعية متنوعة مكثفة لمجموعة من الطلاب الجيدين الذين يفهمون العربية وهم خلاصة مخيم سبق الدورة، وشارك فيه طلاب عدد من الجامعات، وكانت الدورة في علوم متنوعة مثل العقيدة والتفسير والحديث ومصطلحه ومبادئ الفقه والتاريخ وإعجاز القرآن وغير ذلك. وهذه الدورة أرجو أن يكون الله قد نفع بها في تثبيت بعض المفاهيم الشرعية والتصورات الإيمانية، ولمست بنفسي مدى تعطش الطلبة لفهم الإسلام، ورغبتهم الجامحة في إنقاذ أهلهم، ودعوتهم إلى الالتزام بالإسلام، لذلك كان لا بد من إعطاء بعض المحاضرات التي بينت لهم فيها شمول الإسلام وعالميته، وأهمية الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة وهدى، ويمكن لهؤلاء الطلبة وأمثالهم -إن أحسن تعهدهم- أن يكونوا طلائع العمل الإسلامي الصالح الذي يبني الأنفس والعقول والأبدان، ويرتقي بالبلاد إلى سدة الفلاح والرشاد، وكنت دائمًا أذكرهم بأجدادهم العظماء الذين ملأوا الدنيا علمًا وعملًا كأئمة الحديث والفقه واللغة والطب والفلك وغير ذلك من العلوم. والعجيب أني عندما سألتهم عن تاريخهم والكتب التي تحدثت عن حال أبطالهم وعلمائهم وكبارهم أجابوني بأن الروس لم يبقوا شيئًا، وأنهم دمروا كل تراث هذه الجمهورية وغيرها من الجمهوريات التي تأتي أوزبكستان في مقدمتها، لأن فيها «ترمذ» و«بخاری» و«طشقند» و«سمرقند» أي أن فيها جزءًا كبيرًا من تاريخ الإسلام. فلكم أن تتصورا حجم الجريمة التي ارتكبها الروس حين ضيعوا عمدًا تاريخ الجمهوريات الإسلامية ليتمكنوا من محو معالم الإسلام والثقافة الإسلامية والعلوم الإسلامية محوًا تامًا وقد نجحوا في ذلك نجاحًا بعيدًا. وأنا أدعو كل التجار وأهل الخير والثراء أن يشاركوا المؤسسات الإسلامية في إقامة مشروعها الكبير الضخم المتمثل في طباعة الكتب الإسلامية باللغات المحلية المختلفة، حتى يصير الخير إلى كل المسلمين، خاصة أن كثيرًا من أهل البلاد لا يكادون يعرفون شيئًا عن الإسلام ويحتاجون إلى طباعة ملايين الكتب بلغاتهم حتى يصح إيمانهم ويعظم تصورهم عن الإسلام وشرعه المطهر، وأدعوهم كذلك أن يتقدموا لكفالة الدعاة الذين يتخرجون في المعاهد الإسلامية، وتفريغهم تمامًا للدعوة والإرشاد، وكفالتهم لا تكاد تكلف شيئًا وهذا أقل ما يجب علينا تجاه إخواننا هؤلاء حتى يقوموا بواجبهم. مناظرة الوفد الحكومي الروسي وكانت الدورة قد عقدت في نزل محاط بحدائق غناء جميلة، وكان معنا في النزل أشخاص كثيرون من الرجال والنساء وظننتهم من الوفود السياحية، ثم تبين لي أنهم وفد روسي حكومي مكون من كل شباب الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق مع شباب روس، وكانت إحدى النساء المسؤولات عن الوفد امرأة مسلمة، فطلبت هذه المرأة من مسؤول الدورة الشرعية أن يأتي الشباب إلى أماكن إقامة الوفد الروسي ليختلطوا بهم وليراقصوا فتياتهم! انظروا إلى هذا الطلب الغريب الذي يدل على جهل كامل بالدين لدى هذه المرأة المسلمة! ثم إنهم -وأكثرهم مسلمون- تعجبوا منا وقالوا: أنتم تكثرون من الصلاة!! وتعزلون الشباب عنا! وبعد ذلك طلبوا أن يجتمعوا بنا لأن لديهم أسئلة حول الإسلام، فرحبنا بذلك؛ رجاء هدايتهم أو تخفيف حدة وكثرة الشبهات في أذهانهم، فجئنا بشبابنا في الدورة الشرعية وأجلسناهم في ناحية منفردة عن الوفد الروسي، خشية عليهم من الافتتان بنسائهم فعجبوا وقالوا: هذه أصولية، كيف تفعلون هذا؟ ثم تساءلوا: لماذا ليس معكم فتيات، ولماذا تقتصرون على الذكور؟! ثم طلبوا مني مقدمة عن حال المرأة في الإسلام فتكلمت بما فتح الله تعالى لمدة عشرين دقيقة تقريبًا، ثم انهالت الأسئلة الكثيرة على لمدة ساعتين وكان هناك مترجمان من إخواننا: مترجم إلى اللغة القزقية وآخر للروسية، وتنوعت الأسئلة من المسلمات والكافرات وقليل من الرجال المسلمين والكافرين، فهذه امرأة تسأل عن حكم تنظيم النسل وتحديده وثانية تسأل عن سبب الحجاب، وروسية تسأل عن حد الزنا للمحصن وغيره ورابعة -وكانت روسية- سألت عن المرأة العقيم ماذا يصنع معها زوجها، ثم قالت بأنها لا تصدق ما قدمته في بداية الحديث عن أوضاع المرأة في الغرب وسوء حالها، وأن المرأة المسلمة أحسن منها بكثير، فقلت لها: إني لا أستطيع أن أقول سوى الحقيقة وأنا مسؤول عما قلته فصدقتني وشكرتني وقالت: إنها لم تكن تعرف أن الإسلام عظيم هكذا. ثم سألني رئيس الوفد الروسي عن الشيشان والأفغان، وأنهم إرهابيون يزرعون المخدرات، ويريد أن يعرف موقفي منهم، فقلت له: نعم إن بعض الأفغان يزرعون المخدرات، لكن هل هذه قضية النزاع؟ إن قضية النزاع بيننا وبينكم هي أنكم غزوتم -بغير وجه حق- بلدين مسلمين آمنين وروعتم الأهالي وقتلتم مئات الآلاف، أليس ذلك إرهابًا؟ فنكس الروس من الوفد رؤوسهم خجلًا! ثم سألني شاب طاجيكي عن الموقف من العمليات الاستشهادية في فلسطين، فبينت له أهميتها وضرورتها وهدفها فصدقني، وصفق الوفد الروسي وإخواننا أيضًا، ثم سألتني إحدى النساء عن حكم الإسلام في مهربي المخدرات ومستعمليها فبينت أن العقوبة للأول واجبة أما الثاني فهناك مستشفيات تعنى به، وهكذا عشرات من الأسئلة التي انتهت بتصفيق حار من الوفد الروسي وشكر. وتركوني حيران لا أدري كيف أعمل لأوصل لهم رسالة الإسلام، روسًا كانوا أو مسلمين، وتألمت لانشغال الدعاة وطلبة العلم عن أمثال هؤلاء بخلافات لا تقدم ولا تؤخر، وينفقون فيها أوقاتهم وجهودهم التي لو صرفوها لأمثال هؤلاء لأغنت كثيرًا ولقضت على كثير من الشبهات، ولعجلت بعودة أهل الجمهوريات إلى دينهم من جديد. حفل تخرج ودعاني المسؤولون عن معهد طيبة في أكبر مدن قزقستان لحضور حفل تخريج طلاب دبلوم علوم اللغة العربية والحضارة القزقية، وسعدت بحضور اللقاء الذي أثلج صدري، وعلمت أن الله تعالى غالب على أمره، وأنه ينجد المسلمين كل حين برجال عاملين ودعاة مؤثرين فاعلين يقيمون المؤسسات ويوظفون الدعاة وينشرون رسالة الإسلام في بلاد أريد لها أن تكون ملحدة منقطعة الصلة بالله تعالى، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في وجوههم بأولئك الدعاة العاملين، نسأل الله تعالى أن يوفقهم أجمعين. ابتدأ الحفل بآيات من كتاب الله تعالى، ثم كلمة لمدير المعهد بين فيها جهود العاملين من المدرسين وفائدة ما حصل عليه الطلاب من العلم والشهادة لهم بما علموه. ثم قام العالم العامل -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا- د. صالح بن عمر بادحدح بتوزيع الشهادات على الخريجين، وهذا الرجل هو مدير عام مؤسسة طيبة الخيرية العالمية، وله جهود في أنحاء العالم مشكورة مأجورة، إن شاء الله تعالى، ثم ألقى كلمة حث فيها الطلاب على العمل بعلمهم، وأنهم إن لم يصنعوا فقد ضاعوا وضيعوا ، ولم يقوموا بالواجب الملقى على كواهلهم. ثم شرفوني بكلمة بينت فيها ما يمكن أن يعمله الطلاب المتخرجون في مجتمعهم، وكيف يستطيعون أن يكونوا روادًا ينشرون الخير والصلاح، وكان في الحفل بعض أهالي الطلاب، فلا تسأل عن فرحتهم بأولادهم وسرورهم البالغ بما حصلوا عليه من علم. وأتساءل في هذا المقام: أليس في أغنياء المسلمين رجل يقوم ببناء سلسلة معاهد على هذه الشاكلة في كل الجمهوريات الإسلامية، خاصة أن المعهد بحديقته وطوابقه الثلاثة قد يشرى بحدود المائة ألف ريال فقط! ألا يمكن عمل سلسلة من المعاهد الكثيرة المنتشرة في المدن والبلدات لتعلم المسلمين وترجعهم إلى دينهم؟ إن اليهود يعملون بقوة في الجمهوريات والنصارى يعملون دائبين وينشئون المنشآت الكثيرة فأين أغنياؤنا ورجالنا؟! ثم توالت كلمة الطلاب وكلمة الأهالي التي ألقتها امرأة عجوز طاعنة في السن شكرت فيها رجال المعهد على ما قاموا به، ثم قام الطلاب بتمثيل مشهد عن كيفية عمل الشيطان في تفريق المسلمين، ثم أنشد بعض الطلاب أنشودتين مؤثرتين وألقى أحد شعرائهم المشهورين قصيدة، ثم ختم الحفل بدعوة كريمة من الدكتور صالح بادحدح للطلاب جميعًا مع المدرسين ومسؤولي المعهد لحفل غداء. وألقيت كلمة في حفل الغداء دعوت فيها طلاب المعهد إلى الزواج بفتياته الصالحات المحجبات، وألا يتركن لضغط الأهل والمجتمع، وطلبت من الطالبات المتخرجات القيام بمهمتهن الشاقة الصعبة في دعوة بنات جنسهن إلى الإسلام والحجاب وتعليم اللغة العربية وعدة نصائح أخرى. وبختام هذا الحفل اختتمت رحلتي إلى قزاقستان، وكلي أمل في أن يعود الإسلام -إن شاء الله تعالى- قريبًا إلى هذه الديار، إذ هم يعيشون البدايات الأولى المبكرة للصحوة كما عشناها نحن، في البلاد العربية في أوائل التسعينيات الهجرية، فهل يتحقق هذا الأمل ويعود المسلمون هناك إلى دينهم من جديد؟! أرجو هذا وآمله وإن كان دونه عقبات كثيرة، لكن توفيق الله تعالى مع جهد العاملين سيكون له أكبر الأثر في تحقيق هذا الأمل، والله ولي ذلك وأهله جل جلاله. • بالحديد والنار، نجحت الثورة الشيوعية في مسخ هوية الشعب القزاقي المسلم • الخمور منتشرة انتشارًا عجيبًا بثمن زهيد، ويقبل عليها الرجال والنساء والكبار والصغار بنهم كبير • نساء قرغيزيا لا يختلفن عن نساء الروس في لباس أو عادة • منظمات «التنصير» استطاعت تنصير الآلاف، مستغلة حاجتهم الاقتصادية وخواءهم الإيماني! • ناظرت وفد شباب روسي حول الإسلام، وبعد سماعهم لتعاليم ديننا صفقوا كثيرًا من شدة الإعجاب
الرابط المختصر :