العنوان مذكرات مناحم بيجن.. فلسفة القوة أو جذور الصهيونية «الأخيرة»
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 17-فبراير-2007
مشاهدات 65
نشر في العدد 1739
نشر في الصفحة 42
السبت 17-فبراير-2007
التاريخ يعيد نفسه.. ويقوم اليهود الغزاة بأشد مما قام به الإنجليز.. وهاهم الفلسطينيون يسطرون أروع صفحات البطولة ضد النازية الصهيونية
حصل بيجن على أول اعتراف عربي بكيانهم الغاضب ومع تعاظم القوة اليهودية.. هل تحققت مظاهر الإحساس بالسيادة العبرية كما كان يحلم؟!
يستخدم بيجن ثقافته الأدبية في تصوير محاكمة رجلي الأرجون بما جرى في تمثيلية تلميذ الشيطان لبرنارد شو عن حرب الاستقلال الأمريكية التي قضت بشنق الوزير أندرسون بأسرع ما يمكن، وهو ما جرى على الرجلين وإن لم يتم تنفيذ الحكم بسبب تهديد الأرجون.
ويصف بيجن عملية المواجهة القرار الإعدام في إسهاب، ولكنها تتلخص في مواجهة تقليدية بتوكيل محام للدفاع عن الرجلين في المحكمة، ثم مواجهة سياسية من خلال حديث الإرهابيين في أثناء المحاكمة للفت الأنظار إلى قضية الشعب اليهودي، ثم المواجهة الإرهابية بالقبض على ضباط بريطانيين وتنفيذ الإعدام فيهم إذا تم إعدام الإرهابيين اليهوديين.
في المحكمة قال الإرهابي الأول «أشبيل» للقضاة:
«إذا كان حكامكم، رغم عن دروس التاريخ، قد اغتصبوا بلدنا، وأدخلوا قوانين الاستبداد البربرية، فإن ذلك لا يعني إلا أن الله قد حرمهم من إحساسهم وأعمى بصائرهم، وكتب عليهم الذلة والانحطاط. ليكن ما يكون، ولتقضوا ما أنتم قاضون فإنكم لن تحطموا روح الشعب اليهودي، ولن تنتزعوا التعطش إلى الحرية من قلوب أبنائه، وتستطيعون أن تأخذوا قولي هذا شاهدًا على تصميم ستمائة ألف يهودي اتحدوا في نضالهم لتحرير بلدهم من السيطرة الأجنبية.
أما شمشون «الإرهابي اليهودي الثاني» الذي أوضح سبب عدم اعترافه بحق هذه المحكمة في مقاضاته، فقد قال: «قد تستطيعون سجننا ووضعنا في الأغلال، إلا إنكم لن تستطيعوا أن تقاضونا بصفة شرعية. إننا لن نعترف بأنكم أنتم القضاة ونحن المتهمون لا عدالة ما لم يكن هناك قانون. إن قانون القبض واللكم ما هو بقانون، فإذا ما وضع موضع التطبيق فلن يكون هناك قضاة ولن يكون هناك متهمون وإنما طغاة قساة في جانب وضحاياهم الذين يقاومونهم في الجانب الآخر» واختتم شمشون بقوله: «إن شعبنا جاء إلى مسرح التاريخ بحقبة طويلة من الزمان وسيبقى فوقه بعد أن تتركوه أنتم بردح طويل».
وعندما صدر الحكم أنشد أشبيل وشمشون السلام الوطني «هاتيكفاه».. لم يكن سلوك «أشبيل وشمشون» مثالًا يحتذى به في رد فعلهما المبدئي وحسب، بل إنهما في الأيام والليالي الطويلة في غرفة سجنهما، وفي الأسى على عائلتيهما، وفي انتظارهما لجلادهما أو لنبأ تأجيل شنقهما - كانا في ذلك كله يقدمان بيانًا عمليًا عن العظمة الروحية – كما يقول بيجن – وقد صقلهما التدريب الأخلاقي الذي لقنتهما إياه الأرجون.
وها هو التاريخ يعيد نفسه، ويقوم اليهود الغزاة بأشد مما كان يقوم به الإنجليز مع الفلسطينيين، وها هم الفلسطينيون يقاومون الوحشية النازية اليهودية، ويسطرون أروع صفحات البطولة في كفاحهم لتحرير شعبهم وأرضهم من قبضة الجلاد الغاصب، ولكن خلفاء بيجن يستنكرون ذلك!
وكالعادة، يهجو «بيجن»، رؤساء الهاجاناه والمؤسسات الرسمية الذين شهروا – من وجهة نظره – بالقبض على الضباط البريطانيين. ويفلسف سلوك «الأرجون» في العملية، ويقول: عندما حكم على «أشبيل وشمشون» حذرنا الحكومة للمرة الأولى: لا تشنقوا الجنود الأسرى، فإذا فعلتم فسوف نجيب المشائق بالمشائق».
ويكشف «بيجن» عن الاتصالات مع «الهاجاناه»، وخاصة «موشيه سنيح». و «إسرائيل جاليلي»، ومعارضته لهما في إطلاق سراح الضباط الإنجليز المقبوض عليهم، بأنه لا يستطيع أن يترك رجاله يذهبون إلى المشائق، وأن قرار حركة المقاومة «قرا رنهائي»، ولم يكن من أجل إنقاذ حياة «أشبيل وشمشون» فحسب كما يقول، بل ولتجنب أية أحكام بالإعدام شنقًا في المستقبل على المحاربين العبريين!
ويستمر توزيع الأدوار بين المنظمات والعصابات اليهودية لإطلاق سراح الضباط، ولكنهم يتوصلون في النهاية إلى اتفاق يقضي بإلغاء حكم الإعدام على «أشبيل» و«شمشون»، نظير إطلاق سراح الضباط الإنجليز، ويطنب «بيجن»، في وصف قصصي في عملية إطلاق سراح هؤلاء، وكيف اشترط رفع حظر التجول عن تل أبيب، والطريقة الكوميدية التي أطلق بها الأسرى البريطانيون، حتى يصل إلى القول: «إن لهذا النزاع الصغير العظيم أوجهًا كثيرة، فقد قدم «أشبيل وشمشون» بيانًا عمليًا رائعًا في البطولة.
وكان احتجاز الضباط البريطانيين مظهرًا بارزًا من مظاهر الإحساس بالسيادة العبرية، وهي الأساس الجوهري التحقيق السيادة القومية ذاتها. إن احتجاز أولئك الضباط وما جاء في أعقابه من أحداث رفع كله من سمعة الأرجون أكثر من أية عملية أخرى. ولم يكن «أتلي». رئيس وزراء بريطانيا – هو وحده الذي رأها في «أوجها»، فقد شدت الحوادث هنا معظم الانتباه في جميع أنحاء العالم ستة عشر يومًا، وانتهى النزاع بأن حققنا مأربنا كاملًا.
وفوق كل شيء. كانت هناك فيما بين الأحداث ظاهرة نستطيع نحن وحدنا أن ندركها تلك هي الصفة التي غلبت على قلوبنا وامتزجت بدمائنا، إنها صفة جد بسيطة، ولكنها أنبل من أية صفة أخرى إنها صفة «الإخلاص والوفاء»!
ويحرص «بيجن»، حين يتعرض للعرب الفلسطينيين أن يصفهم بالخنوع وقبول الذل وهم في قبضة الإنجليز، أما اليهود فهم دائمًا متمردون ثائرون لكرامتهم وحريتهم. وهو حريص في كل الأحوال أن يبرز وجههم الإنساني، وهم ينفذون عمليات الإجرام والقتل التي تستهدف غيرهم، يقول: «ما أكثر ما أخذنا من الأسرى البريطانيين عشرات منهم، إلا أنهم عندما يرفعون أيديهم مستسلمين حتى يصبحوا أمانة مقدسة في أعناقنا في مأمن من الأذى «؟».
قمنا بإغارة على معسكر بريطاني في أرض المعارض بتل أبيب طلبًا للأسلحة، وأخذنا ما يزيد على أربعين أسيرًا من الجنود البريطانيين الذين التمسوا الراحة بدعوى أنهم كانوا دائمًا في صف اليهود، فقال لهم رجالنا في غلظة «ألا يكونوا حمقى، فإنهم في أيدي جنود عبريين متمدينين لا يؤذون أسيرًا أخذ في معركة»، ولا أحد يدري بالضبط على من يكذب بيجن؟
وقف بيجن في كتابه «التمرد» عند قيام الدولة العبرية، والاعتراف الدولي بها. بعدها تحول إلى حارس المسيرة هذه الدولة– من خلال موقعه في المعارضة، وعندما حان دوره –بعد الضربة التي تلقتها في رمضان ۱۳۹۳هـ - ۱۹۷۳م – تقدم ليؤدي مهمة أخرى هي الحصول على أول اعتراف عربي بدولته، وإقامة أول سفارة لدولته في أرض عربية.. لقد جرت مياه كثيرة في النهر، ومع تعاظم القوة اليهودية وتفوقها إلى درجة الوقوف في صف واحد مع القوى الكبرى فهل تحققت مظاهر الإحساس بالسيادة العبرية كما كان يحلم مناحم بيجن؟ لا شك أن للانتفاضة الفلسطينية –السابقة والراهنة– رأيًا يختلف عن رأي بيجن والمؤسسة العسكرية اليهودية!