; غيبة الهدف من حياتنا العلمية والعملية (1من2) | مجلة المجتمع

العنوان غيبة الهدف من حياتنا العلمية والعملية (1من2)

الكاتب محمد أبو سيدو

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997

مشاهدات 81

نشر في العدد 1249

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 13-مايو-1997

إننا لتعجب من طائر صغير غادر عشه مع انبلاج فجر يوم جديد نراه وقد فرش جناحيه على بساط النسيم، رافعًا رأسه الصغير ورافعًا معه همته لأعلى بكل عزيمة البشر ينطلق مطلقًا في الأفق البعيد يخترق الغيم السابحات يملأ صدره بأعذب النغمات ثم ينشرها أغاريد عذبة تعطر الأجواء وتملأ الأسماع طربًا وحداء.

 نراه وهو يطير عند الأصيل أو في حد الهجير نراه وهو يسير يلتقط الحب بمنقاره الصغير وقد يغدر به حيوان غادر، أو وهو على الغصن يقطف التمر بجرحه طائر كاسر يستعذب في رحلته لفح السموم باحثًا عن لقمة عيش لصغاره مطعمًا، أو منقبًا عن أعواد صغيرة لعشه بانيًا، يقطع آلاف الأمتار مستميتًا للوصول لما يريد، ثم لا تنظر إلا وقد عاد إلى بيته الصغير عند الغروب راضيًا مسرورًا  أو تراه عندما تتعامد أشعة الشمس على رأسك هاويًا من السماء ساقطًا بين يديك وقد انقطع منه  الوتين بعد أن رمته الشمس بلهيبها.

 لم يكن بإمكان تلك الروح أن تهدأ ساعة قبل أن تصل للهدف المنشود الذي تحيا لأجله، هكذا يهدي الله المخلوقات إلى ملكها الذي تدور فيه وفق سنن محكمة وهكذا فكل مخلوق في هذا الكون لم يخلق أعمى البصيرة.. ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ. (البلد: 8).

إن الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان في أن لكل إنسان هدفًا قد رسمه في حياته يعيش كيما يبلغه ويسعد بنواله.

لذا كان من البديهة أن يسعى المرء ويجتهد في حياته للوصول لما يصبو إليه، فالهدف إذن ضرورة لا بد منها في هذه الحياة، وإلا لتخبط الإنسان وسار سير الأعمى والهدف للإنسان هو بمثابة البوصلة التي تهديك لسلوك الطرق الصحيحة مثل السفينة دونما بوصلة في عرض البحر تكون معرضة للهلاك.

الإنسان دونما هدف يسيره ويوجهه هو زيادة على وجه هذا الكوكب لا حاجة للبشرية لها. إن الله سبحانه وتعالى أراد لهذه الإنسانية الارتقاء والعلو، ولذلك حدد لها الهدف الذي من أجله خلقت وبين لها بالعقل والمنطق لا بالتعسف والإجبار أن الخير كل الخير في السير على هذا الطريق الذي يصل بها إلى الغاية الكبرى، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)الذاريات: ٥٦). 

ولعدم تحديد الهدف من الحياة الناشئ عن خطأ في أصل التصور الصحيح للحياة، نشأت مشاكل عديدة ما زالت البشرية- التي بمنأى عن روح الإسلام- إلى اليوم تجتر آلامها، وعلى رأسها من المشاكل النفسية الناشئة من انعدام التصور الصحيح لهذه الحياة وعدم معرفة سبب وجودنا فيها ومهمتنا الموكولة إلينا في هذا الوجود والمشكلات المعاصرة، ومصيرنا ومصير الكون والغاية من هذا التنظيم الرائع للكون ومن هذا الإبداع العجيب الدقيق المحكم للإنسان ولسائر الأحياء والكائنات لماذا وجد كل هذا بهذه الدقة والإحكام.

ساعات الحياة أمانة في أعناقنا

لذلك كان الإسلام يربي أبناءه دائمًا على أن يكونوا ذوي مسؤولية لأنهم فهموا الغاية الكبرى ووعوا دورهم للوصول إليها، «فجاءت التربية الإسلامية تربي الناشئ على أن ينظر إلى كل ساعات الحياة ولحظاتها على أنها أمانة في عنقه عليه أن يشغلها في الحنو، وتربيه على أن يجد لذة نفسية عظيمة كلما ساهم وسابق في عمل الخير أو منع الشر عن نفسه وأمته، فكل لحظة من حياته يتقرب فيها من إرضاء ربه هي متعة جديدة تشعره بالمزيد من قيمته عند الله الذي أوجده ليبلوه في هذه الحياة، ثم يجزيه الجزاء الأوفى، كما تشعره بأثره الطيب في المجتمع وفي البيئة وفي الكون والإنسانية ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ )الملك: ٢). وقد جعل الله التسابق في الخيرات نابعًا من نية الإنسان وهدفه ووجهته ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ )البقرة: ١٤٩).[1]

ثم أعود فأقول: إذا كان مما لا يختلف على الإقرار به والإيمان به اثنان: ضرورة وجود هدف نحيا لأجله، فإن الواقع الملموس يؤكد على أن هذه الحقيقة لم تتجاوز حدود الإقرار أو الاعتراف اللساني، فنظرة قريبة من بيوتنا ومقار أعمالنا تشير إلى حقيقة خطيرة يكاد أن يقع فيها بعض فئات من الناس، ولعلها مع استمرار إغفال دراستها وآثار أبعادها ستتحول إلى طابع عام يؤخذ على شريحة كبيرة من العاملين في مجالات عديدة، وهي عدم رسم الهدف الكبير وجعله بمثابة ضابط لخط الحياة والتحليق في الأفق الواسع بدلًا من النظر إلى الأفق القريب أو نصب أهداف زائلة ببلوغ الأجل المسمى إن لم تكن هذه الأهداف القصيرة الأمد خسيسة في ذاتها حقيرة في مضمونها ذاتية في روحها وشكلها، ويلاحظ أن هذه الظاهرة موجودة بين اليافعين والراشدين والناضجين ومن فوقهم، ولعل من أسباب انتشار هذه الظاهرة عدم تنشئة الفرد بيننا على أن يحيا لغاية.

 ولعل رؤية الصغير لوالديه وسعيهما في ركاب هذه الحياة دون أن يكون هناك ثمة هدف قوي للسعي أو عدم لفت نظره على الأقل لهذه الفترة التربوية الهامة أو إهمال بنائه الفكري والروحي والانشغال بتوافه الأمور أو إبراز أهداف ذاتية وتكوين الفرد عليها، وشغل اهتماماته بها وربط سیره الحياتي بالوصول إليها، كلها تجعلنا نؤكد على أن البيئة الأسرية هي المسؤول الأول عن غياب هذه الركيزة الأساسية في هذه الحياة ولا أدري ما سبب غياب هذه المسألة لدى الكثير، هل هو زيف الحضارة والمدنية الذي أبعدنا عن نقطة البداية الصحيحة؟ أم هو حب الأنا المتضخم والانشغال بلذائذ مادية حسية قريبة؟ أو هو التفريغ الثقافي من عقولنا وأرواحنا والذي سبب الابتعاد التدريجي عن القرآن كدستور حياة أم كلها مجتمعة؟

 وإن كانت الأسرة المسؤول الأول فهي ليست الأخير، فهناك المؤسسات الإعلامية بشتى صورها يعيش في وسطها الفرد ويتفاعل معها وتتفاعل معه. وقد يتربى عليها وقد ينهل منها الآداب والعلوم، بل أصبحت لا تقل تأثيرًاعن الأسرة في صياغة المفاهيم وتكوين الاتجاهات، فهي بذاتها كافية لأن تكون محضنًا هامًا وعاملًا مؤثرًا في إيجاد مثل هذه الغاية وأبعادها، وصور كثيرة من يومياتنا تشير إلى غياب هذه الفكرة من حياتنا، مثلًا:

خلو الحصون العلمية من أصحابها، بل وسعيهم وراء ماديات الحياة مع ضمور في الطموح العلمي وتحديد للآمال، وأبرز صورة تترجم هذا المعنى قصر المواصلة العلمية العليا على المستزيدين من العلوم والمعارف وتهافت كثير من الشباب على الوظائف المريحة ولعل التأخر العلمي للأفراد من الأسباب التي أدت بالأمة الإسلامية إلى تصنيفها ضمن الدول النامية المتأخرة.

ومن الأمثلة أيضًا عدم صدق بعض الممتهنين للعملية العلمية في تحقيق الأهداف التربوية الإجرائية.

 ومن الأمثلة دلالة تلك النسبة التي لا تكاد تحصى وهي نسبة عدد الحاصلات من الطالبات على الدرجات العلمية العالية فهي لا تأتي علي المائتي طالبة على مستوى منطقة: المتعلمون فيها يمثلون 3 ملايين نسمة.

إننا بحاجة إلى أن نفهم أن الهدف العلمي ضرورة للوصول لغاية كبرى من أجلها خلقنا أو بعبارة أخرى: إن الغاية الكبرى التي من أجلها نعيش تقتضي عدة أهداف في عدة مجالات من أهمها تحديد هدف لحياة علمية أفضل والتأكيد على هذه الفكرة يأتي من عدة أوجه:

- العلم يهدي للإيمان، وقد رأينا كثيرًا من العلماء الراسخين المنصفين هداهم علمهم إلى أن وراء هذا الكون قوة عليا تديره وتنظمه وترعى كل شيء بميزان حساس ومقدار، ذلك أن العالم أقدر من غيره على استبانة ما في هذا الكون من ترابط وتناسق وإحكام، ولنقف قليلًا مع أحد العلماء وموقفه من الحقيقة المذكورة يقول:[2] «العلم الطبيعي لا ينافي الدين، والتوجه إلى العلم الطبيعي عبادة صامتة واعتراف صامت بنفاسة الأشياء التي ندرسها، ثم بقدرة خالقها، فليس ذلك التوجه تسبيحًا شفهيًا، بل هو تسبيح عملي، وليس باحترام مدعى وإنما هو احترام أثمرته تضحية التفكير والوقت والعمل».

ويقول آخر:[3] «نحن نقرر عن رؤية أن أعظم خدمة قام بها العلم أنه قاد الإنسانية إلى فكرة عن الله أنبل وأسمى، ولا نجاوز لمعنى الحر في حين نقول: إن العلم أنشأ للإنسان سماء جديدة وأرضًا جديدة وحفزه من ثم إلى غاية جهده العقلي فإذا به في كثير من الأحيان لا يجد السلام إلا حيث يتخطى مدى الفهم، وذلك في اليقين والاطمئنان إلى الله».

وعلى هذا فإن البحث العلمي يعد ضرورة من ضرورات الحياة الإسلامية مادام يمارس هذه الوظيفة الخطيرة في الكشف عن سر الكون والحياة ويقود إلى خالق الكون والحياة وفق أشد الطرائق إقناعًا، ولأنه يلتقي مع العبادة نفسها في التوجه إلى الله الخلاق العظيم.

أما الوجه الآخر[4]«فإن تنفيذ مهام الاستخلاف ومنحها الضمانات الكافية وإعانتها على تحقيق أهدافها في التقدم الدائم لن يتأتى دون اعتماد طرائق البحث العلمي ومناهجه للكشف عن سنن العالم والطبيعة ونواميس الكون، من أجل الإفادة من طاقاتهما المذخورة وتحقيق قدر أكبر من الوفاق بين الإنسان ومحيطه، وبدون هذا فإن مبدأ الاستخلاف لن يكون أكثر من نظرية أو عقيدة تسبح في الفراغ».

كذلك فإن هناك[5] دعوة ملحة في أكثر من موضع في القرآن إلى اعتماد حقائق العلم وكشوفاته لتطوير الحياة وترقية الحضارة البشرية بمزيد من التطبيقات التقنية والتكنولوجيا على كافة المستويات وهو الآخر موقف  يتميز بالشمولية والديمومة، إذ إنه دعوة للإفادة من الحقائق العلمية الراهنة في مدى كل عصر لإحداث تطبيقات على مستوى العلاقات المدنية وكان بمقدور النداء القرآني أن يمضي لكي يخاطب كل جيل من أجل أن يتحرك.

كلمة إلى الدعاة

المستقبل لهذا الدين

الذي يدرس الواقع في العالم الإسلامي يفاجأ بظاهرة غريبة لا يجد لها نظيرًا في التاريخ، إنه يجد السلوك الإسلامي منعزلًا في أكثر مرافق الحياة، ويجد فاصلًا بين المناهج الإسلامية والواقع فالشعوب الإسلامية حريصة على التمسك بالإسلام والثقافة الإسلامية، وتعميق الأصالة الإسلامية في كل قطاعات الحياة من التفكير إلى التخطيط ومن التعليم إلى الإعلام، ومن العبادة إلى الاقتصاد. ليكون المجتمع نموذجًا للحياة الإسلامية، وتعبيرًا وانعكاسًا لرغبات الإنسان المسلم الذي مارس الإسلام خلال عهود الاستعمار، وذلك ما يشهد له التاريخ والأحداث في العالم الإسلامي.

 وتشهد بذلك التقارير الصحفية على وجود صحوة إسلامية في جميع بلدان العالم الإسلامي ووجود اندفاع في الشعب المسلم في كل مكان وخاصة في الشباب.

وبدأت هذه الصورة تظهر واضحة في بلدان الغرب حيث أنشئت المراكز الإسلامية في الدول الغربية وبدأ السلوك الإسلامي يأخذ مكان العبادة والتوجيه في الحياة.

ولكن بعض الذين تأثروا بما تركه الغزو الفكري يسيطرون على المواقف بقوة السلام ليحدث الصراع بين الناس، ويعاني كل فريق عدم الثقة في الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى تحركات تؤدي إلى المجابهة فيشعر المسلم بالغربة في وطنه لأنه يري من يمثله وينوب عنه لا يدين بدينه ولا يحترم القيم والمثل التي يتمسك بها، ويواجه المسلم في بلاده مشاهد يأباها ضميره فيشعر بالاختناق بما يسمع ويقرأ وبما تتجه بلاده إليه، وقد حمل ذلك كثيرًا من أصحاب الضمير الحر على أن يغادروا فارين بدينهم وشرفهم، وليسوا من عامة الناس، بل من أصحاب التوجيه والكفاءات العالية الذين تفتقر إليهم بلادهم، وقد فعلوا ذلك لأنهم فقدوا حرية الرأي ولا يملكون تغيير المنكر لتستريح ضمائرهم، ولكثرة المسلمين في أوروبا قال أحد الخبراء إنها أصبحت جبهة حديثة للإسلام ومن واجب المسلم أن يدافع عن حقه وأن يرد على الحملات المسعورة التي تشوه تاريخ المسلمين، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ولكن ما يحدث في كثير من بلاد المسلمين من قمع الأصوات الحرة والصراع دائمًا يؤدي إلى ضحايا متعددة، وصدق الشاعر الذي يصور أوضاعنا المأساوية بقوله: 

كل الرذائل ليست عندنا خطرًا              ***        أما الفصائل فهي البعبع الضاري

 إذا رأوا حانة قرت بلابلهم                    ***       وإن رأوا مسجدًا ثاروا بإنذار

ذو الدين في عرفهم تخشى غوائله   ***       فما يُقَرَّب إلا كل خَمَّار

 ومعروف أنه عندما انبثق فجر الإسلام قامت معارك مع الجاهلية، فما أخمدت نار إلا استعرت أخرى وظهرت جاهليات متعددة ووجهت سهامها نحو هذا الدين واستخدمت وسائلها المختلفة اللاذعة لقمع هذا الدين وتصفيته، وواجه الإسلام أزمات وتحديات مختلفة ويشن أعداؤه عليه غارات شعواء ولكنه صمد أمام هذه التحديات صمود الجبال الراسيات ولم تتزعزع أركانه المؤسسة على عقيدة ربانية.

وقد واجه الإسلام حركات باطلة لتحريف الفكر، فتصدى لها علماء المسلمين وكشفوا زيفها وظهر وجه الإسلام نقيًا، وفي أيامنا يواجه هذا الدين حروبًا فكرية واقتصادية وعسكرية تحاول إقصاء الفكر الإسلامي من أذهان الناشئة ورفعت أوروبا هتاف خطر الإسلام على الحضارة الغربية.

ولكن الأيام القادمة ستأتي بأخبار تؤكد أن الزبد سيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فسيمكث في الأرض، وأن دعاة الباطل والمناهج المنافية لطبيعة هذا الدين ستبوء بالفشل والخيبة وسيكون المستقبل لهذا الدين لأنه يوافق طبيعة الإنسان وطبيعة الكون ويحمل نظامًا ومنهجًا للحياة مؤسسًا على الفكر الرباني وموفرًا جميع التسهيلات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته.

فالحرب على الإسلام في أيامنا هذه حروب نفسية تعبر عن فقدان ثقة الأعداء في أفكارهم واعتقادهم بأن أيامهم معدودة، فكل الجهود التي بذلت لزحزحة هذا الدين عن طبيعته ستبوء بالفشل، والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.

محمد أبو سيدو                                                                      

[1]   التربية الإسلامية والمشكلات المعاصرة، إعداد عبد الرحمن نجلاوي.

[2]   الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي.

[3] عالم طبيعي، سير أرثر طومسون ، نقلًا عن المرجع السابق.

[4] إسلامية المعرفة د. عماد الدين خليل. 

[5] المصدر السابق.

الرابط المختصر :