; ضياع القيم وعصور القهر الإنساني | مجلة المجتمع

العنوان ضياع القيم وعصور القهر الإنساني

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995

مشاهدات 71

نشر في العدد 1146

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 18-أبريل-1995

ضياع القيم هو ضياع لإنسانية الإنسان، وقتل لروحه، وحفز لنفسه الأمارة بالسوء، وتحريض لحيوانيته السبعية، وإثارة لغرائزه الهمجية، وقذف لشهواته البهيمية، وهل يصلح فرد هذا شأنه؟ وهل ينتفع بإنسان هذه طبيعته؟ وهل تسود أمم هذه لبناتها؟ وهل تتقدم شعوب هذا نسيجها؟ وهذا ما دعا الكثير من الساسة غربيين وشرقيين إلى الإيمان العميق بعد تجارب مريرة، إلى طرح سؤال واضح المعالم بَيِّن القسمات وهو: «هل تستطيع قوة عالمية لا تهتدي بمجموعة من القيم المماثلة في عالميتها أن تمارس هيمنتها على نفسها أو غيرها فترة طويلة؟!» وتكون الإجابة بالاستحالة لمعارضتها طبيعة الإنسان نفسه ومخالفتها لسنن الحياة وقانون الاستقرار البشري.

ولهذا كان القرنُ العشرون بتخليه عن القيم وعن الأخلاقيات واتباعه للمذاهب المنحرفة عصر ما يسمى بسياسة الجنون المنظم أو المتفلت.. ولم يقتصر ذلك الجنون على السبق من حيث إراقة الدماء فقط، ولكنه تجاوز ذلك إلى كونه أكثر المحاولات البشرية إجرامًا في السيطرة على النفس البشرية داخليًا وخارجيًا بحجة خلق مدينة فاضلة بديلة عن هداية الله، ولكن بأساليب قهرية دموية متعسفة فاضحة، وبحجة خلق مجتمع فاضل جبري، يقام على أساس من التصفيات الجسدية لمن يُدّعى عليهم بأنهم غير صالحين اجتماعيًا وغير قابلين للإصلاح أو معارضين أو غير متعاونين أو مخالفين عرقيًا أو اجتماعيًا لطبقة الآلهة لتلك المدينة أو المجتمع الفاضل.

وكان لابد لهؤلاء الآلهة البشرية أن يخترعوا من المذاهب والنظم ما يسير عليه البشر، وما يكون دستورًا لتلك المجتمعات، وقد كان، واغتصبت الهتلرية، واللينينية، والاستالينية، دور الوحي الإلهي، ورفضوا الأديان، وأنكروا الروحيات، وأغرقوا أنفسهم في المادة، فصادموا ملكات الإنسان، وغالبوا نواميس الكون، وأرادوا إقرار مذاهبهم وأديانهم الجديدة بالحديد والنار، فماذا كان؟ كان القرن العشرون قرن المذابح المليونية وعصر المجازر الدموية التي تفوق مقدرة التصور البشري، وتعظم عن إدراك التخيل الإنساني، لأن كمية الهول الذي لم يسبق له مثيل جعله غير قابل للفهم أو الاستيعاب، لأن حرب هذا القرن قد حصدت حوالي 87 مليون نسمة، وهذا الرقم يوازيه أو يطغى عليه أخلاقيًا أرقام أخرى مروعة تبرر وصم هذا القرن بأنه قرن المذابح المليونية، إنها أعداد الأفراد العزل بسبب الكراهية المذهبية، وبسبب محاولة فرض مذاهب ونظم مخترعة تلفظها الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية، لأربعة فقط من الدمويين في العصر الحديث.

يقول برجنسكي مستشار الأمن القومي السابق لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية ومستشار مركز الدراسات الإستراتيجية الدولي: «إن مجموع القتلى في أثناء هذا القرن لأسباب دينية وأيديولوجية من الذين ماتوا بعيدًا عن المعارك الحربية يصل إلى ثمانين مليون نسمة، وبالتالي فإن ما لا يقل عن 167 مليون نسمة وربما 175 مليونًا قد لقوا مصرعهم في مجازر وقفت خلفها السياسة، وهذا الرقم أكبر من إجمالي ضحايا كل الحروب والمعارك الأهلية والاضطهادات الدينية عبر التاريخ الإنساني كله.

أفليس جديرًا بهذا القرن أن يسمى بقرن الكوارث والنكبات والفواجع البشرية؟! وأن يسمى بعصر القهر المذهبي والقتل الأيديولوجي للمذاهب والنظم المخترعة التي بعدت عن منهج الله فشقيت وضلت، وسفكت الدماء، وعاشت الضنك الحقيقي في الحياة، وصدق الله: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا﴾ (طه: 124).

إنني -ولإيضاح هذا الضنك- سأتحدث عن ضحايا أربعة فقط من زعماء تلك المذاهب الأيديولوجية على لسان برجنسكي، فباسم المذهب تسبب هتلر في قتل 5,000,000 من أعراق مختلفة يهود وغيرهم، هذا بالإضافة إلى 800,000 من الغجر، و2,000,000 بولندي، وحوالي 6,000,000 سوفيتي، هذا خلاف الملايين الذين قتلوا في الحرب، هذا خلاف من اتهمهم بالخيانة والخروج عليه، وخلاصة القول فإن هتلر وحده قتل 17 مليون نسمة، ومع هذا فقد تفوق عليه ستالين في سبيل إقرار المذهب الشيوعي، فبعد أن قتل لينين حوالي 8 ملايين نسمة، تضاعف هذا الرقم ثلاث مرات على يد ستالين الذي تسبب في قتل ما لا يقل عن 20,000,000 (عشرين مليون نسمة) وقد يصل إلى 25 مليونًا، وتفصيل ذلك كما يلي: مليون رميًا بالرصاص، مليونان في معسكرات العمل من المعارضين، مليون على أعواد المشانق، 7 ملايين من الريفيين نتيجة التأميم، 12 مليونًا منهم في معسكرات العمل، مليون في النفي الجماعي والتهجير، هذا عدا ملايين المعارضين والمتهمين بالخيانة!

وكانت الخسائر البشرية في الصين على يد «ماو» بسبب تنفيذ التجربة الشيوعية مفزعة تفوق سابقتها في الاتحاد السوفيتي، حيث كانت حصيلتها حوالي 29,000,000 (تسعة وعشرين مليون)، مليونان أعدموا لأنهم أعداء الشعب، و27 مليونًا من الفلاحين نتيجة التطبيق الجبري للملكية الجماعية، فكانت هذه الأرقام حصيلة أربعة فقط، هم هتلر، ولينين وستالين، وماو، هذا عدا حساب الأرواح البشرية التي دفعت من أجل محاولة إقامة مدينة فاضلة في أوروبا الشرقية والتي تكلفت 3 ملايين، وهذا عدا كوريا الشمالية وفيتنام وكمبوديا وكوبا وتقدر أعداد الضحايا لذلك بأربعة ملايين.

وباختصار فإن الجهود الفاشلة لبناء مجتمع شيوعي أهلكت أرواح ما يربو على 64 مليون نسمة في هذا العصر، هذا عدا البلاد التي كانت تتشبه بهذا المعسكر كبلاد الشرق الأوسط وغيرها. وبعد هذا الضياع وسفك الدماء انهدمت هذه المذاهب والمبادئ وأصبحت كجيف تزكم الأنوف، ولكن هل صحا المخدوعون بهذه الأباطيل أم باتوا يبحثون عن جيف أخرى وينقبون عن مبادئ شرود تعيد التجربة الدموية وتعمق الضنك الإنساني وتقتل القيم وتقطع الأخوة وتُعَبِّد الناس لآلهة من البشر لا ترحم ولا تهتدي؟ وهل عرفت الإنسانية واهتدى الضالون في هذا العصر إلى الإرهابيين الحقيقيين؟ وهل هدأت الذئاب البشرية وتركت الناس لمنهج ربها ورحمة خالقها؟ أم أنها استنعجت حتى تلاقي فرصة واستنامت حتى تنقض على الفريسة؟!

وإذا الذئاب استنعجت لك مرة                    فحذار منها أن تعود ذئابًا

فالذئب أخبث ما يكون إذا اكتسى              من جلد أولاد النعاج ثيابًا

وهل تصحو العزائم المسلمة وتأتي الأيدي الحانية والمناهج المؤمنة لتنعم البشرية وترتاح؟

ويفرح المؤمنون بنصر الله.

الرابط المختصر :