; نقاط فوق الحروف- هذه حكايتي مع الشهيد سيد قطب بكل تفاصيلها | مجلة المجتمع

العنوان نقاط فوق الحروف- هذه حكايتي مع الشهيد سيد قطب بكل تفاصيلها

الكاتب رشاد محمد البيومي

تاريخ النشر السبت 20-فبراير-2010

مشاهدات 61

نشر في العدد 1890

نشر في الصفحة 36

السبت 20-فبراير-2010

  • انضممت للإخوان قبل استشهاده بسنوات قليلة والتقيت به مرات معدودة
  • لم ألتقه بالسجن على الإطلاق فقد رحل إلى ليمان طره ومنه إلى مستشفى الليمان أما أنا فقد رحلت إلى سجن أسيوط ومنه إلى الواحات وتم إعدامه وأنا ما زلت في المعتقل
  • قبل إعدامه بساعات قال للمستشار مأمون الهضيبي: «بلغ الأستاذ المرشد «حسن الهضيبي» أني لم أكفر أحدًا وأني على العهد مع جماعتي حتى ألقى الله»
  • نفى القول بجاهلية المجتمع أو تكفير مسلم وقال: «لقد حملت أفكاري على حمار أعرج»
  • قال عنه المسجونون الجنائيون:  كان نموذجًا للمسلم العف النبيل الصادق مع نفسه ومع الناس والقدوة الصالحة والمثل الطيب

في عصور القهر والطغيان.. حيث يعم الفساد ويستشري البغي والقهر.. تنقلب الموازين حتى يصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا.. ويعلو أرباب النفاق والآكلين على كل الموائد على حساب الشرفاء المخلصين، وتتكرر الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: 82).

وتزداد الجيوب الممتلئة بالحرام اكتنازًا وتتضخم البطون المتخمة بالسحت، ويصبح البهتان والكذب دليلاً وقائدًا وموجهًا.

وتظهر تعبيرات وتعاريف منبتة تمامًا عن الأصل وعن الحقيقة.. ويكون المثقف هو ذلك الذي سخر قلمه وفكره لهدم القيم ومعاداة الثوابت والأصول.. والخروج على التقاليد، والنيل من كل طيب، والتجميل لكل ما هو خبيث.. لا تحده حدود ولا تقيده ضوابط، وتتسع دائرة هؤلاء ويسيطرون ويهيمنون على مقدرات الثقافة ومنابرها، ويتبوؤون منابر الإعلام والتوجيه.. ومن ثم يصبحون العامل المؤثر في كيان الأمة الثقافي وتاريخها وحضارتها.

وهنا يصبح الفن والإبداع هو الخروج على القيم، ولا يصبح المبدع في نظرهم مبتكراً إلا إذا قدم فنًا رخيصًا هابطًا، يتنافى مع الذوق السليم والقيم السامية.. متجردًا من كل ما هو نبيل.. أو مرتبط بثوابت الدين وأصوله.. ويتبوأ بعضهم منازل أعلى مما يستحقون، فهذا خبير وذاك باحث.. وأتساءل: ما مقومات هذا الخبير؟ ومن أين استقى خبرته؟ 

وأما مؤهلات ذلك الباحث وتجاربه، فقشور من هنا، وترهات وأخبار مغرضة من هناك، وأكاذيب من دهاليز الضغينة والحقد.

إن أولى سمات ومميزات الخبير والباحث كي يتعلمها هؤلاء هي الحيادية، والبحث المتجرد لإظهار الحقائق وإثباتها دونما تحيز أو تطلع لإرضاء صاحب سطوة أو تزلف للحصول على مغنم أو كسب.. 

وفي وسط هذه الظلمة الحالكة تتلألأ نجوم القلة الذين أبوا أن يبيعوا نفوسهم وأقلامهم وإبداعهم لقاء عرض زائل أو لقب مكذوب.. ورغم قلتهم إلا أنهم حافظوا على قيمهم، وآثروا أخراهم على كل زيف وغرض..

ومن أغرب ما أصابني من بعض هؤلاء الذين استهوتهم بعض تصوراتهم المريضة فراحوا يتلمسون الأخطاء، ويوجهون التهم دونما معرفة وبجهل مريض.. أنني «قطبي الفكر».

وقبل أن أرد على هؤلاء وأفند افتراءاتهم أقولها على الأشهاد: إنني يشرفني أن أكون في صحبة هذا الشهيد العظيم في الجنة بإذن الله.. ولكن هؤلاء جهلوا أنني عرفت الإخوان وانضممت لصفوفهم قبل استشهاد الأستاذ سيد قطب بسنوات، وإنني التقيت الأستاذ «سيد» مرات قليلة ومعدودة قبل عام 1954م، أما داخل السجن فهذه هي حكايتي معه..

بعد الحكم على الأستاذ «سيد» رحل إلى ليمان طره، ومنها إلى مستشفى الليمان حيث قضى مدة سجنه كاملة، أما أنا فقد رحلت إلى سجن أسيوط، ومنه إلى الواحات، ولذا لم ألتق بالأستاذ «سيد» على الإطلاق، فقد أفرج عنه وأنا ما زلت في السجن، وتم إعدامه وأنا ما زلت في المعتقل بعد أن قضيت مدة سجني.

ولكني صادفت بعضًا من الذين خالطوا الأستاذ «سيد» وعاشوا معه.. منهم المسجونون العاديون، ومنهم الإخوان، وعرفت الكثير عنه وعن خصاله وأفعاله وسلوكه.

فقد قال المسجونون الذين كانوا من عتاة المجرمين: رحم الله الأستاذ «سيد قطب»، فقد عرفنا بحقيقة أنفسنا وبحق الله علينا، وعلمنا كيف نعبده في السر والعلن، ويكفينا أن نقول: إنه كان نموذجًا للمسلم العف النبيل الصادق مع نفسه ومع الناس والقدوة الصالحة والمثل الطيب.

أما من التقيتهم من الإخوان فهم صنفان.. الأول: وهم الأغلب وهم الذين رحلوا لليمان للعلاج، أو ممن كانوا يترددون عليه.. فقد كانوا يذكرون الرجل بكل خير، ولم يأخذوا على الرجل ما يخرج به عن خط الجماعة الذي أسسه وأرسى قواعده وأصوله إمامنا الشهيد حسن البنا.

والصنف الآخر، وهم قلة، وأشهد أني عايشتهم قبل أن يتعرفوا على الأستاذ «سيد»، وكانوا بطبيعتهم متشددين، وكان لهم من مواقفهم ما يشير إلى هذه الخصال.. فما أن التقوا بالأستاذ «سيد» حتى فسروا أفكاره وآراءه على ما ترتضيه نفوسهم وتوجهاتهم، وقد وصفهم الأستاذ «سيد» بما سيرد في سياق كلامي.

والشاهد على ذلك أنه في ليلة الثالث عشر من رمضان عام 1960م تم ترحيل 62 أخًا من سجن المحاريق إلى سجن القناطر الخيرية حيث تم ترحيل إخوان ليمان طره بعد المذبحة التي حدثت لعدد منهم عام 1957م، وبعد فترة جاءتني رسالة من الأخ جلال عبد العزيز- يرحمه الله- يذكر فيها أن هناك بعض أفراد الإخوان وهم من المتشددين الذين ذكرتهم آنفًا يتحدثون عن فكر الجاهلية والتكفير واعتزال المجتمع، بما يتنافى تمامًا ويتعارض مع فكر الإخوان الذي استقيناه عن قائدنا وقدوتنا رسول الله ﷺ ودرسناه في مدرسة الإمام الشهيد حسن البنا.. وينسبون هذا الكلام للأستاذ «سيد قطب».

 عرضت الرسالة فورًا على الأستاذ عبد العزيز عطية، الذي تدارسها بدوره مع إخوانه أعضاء مكتب الإرشاد الأستاذ عمر التلمساني، والأستاذ الشيخ أحمد شريت، والأستاذ محمد حامد أبو النصر، وانتهى الجميع إلى أنه من الواجب سؤال الأستاذ «سيد قطب» عن صحة ما ورد وحقيقة تلك  الأفكار التي ينادي بها البعض، وأُرسلت له رسالة بهذا المعنى، وجاء الرد من الأستاذ «سيد» منكرًا أن يكون قد ورد على لسانه تصريحًا أو تلميحًا بهذا الذي وصلنا، وختم ذلك بعبارته الشهيرة: «لقد حملت أفكاري على حمار أعرج».

لكن تلك المجموعة بقيت على قناعة بتفسير كلام الأستاذ «سيد» بما يتفق مع طبيعتهم وأهوائهم، حتى كانت محنة 1965م، والتقينا بتلك المجموعة في سجن مزرعة طره، وظلت هذه المجموعة على حالها، وانضم إليهم الأستاذ محمد قطب الذي لم يكن فردًا في الجماعة.. وبعد إذن من الأستاذ المرشد حسن الهضيبي، وكان معنا الأستاذ رفعت الصياد يرحمه الله زوج ابنة أخت الأستاذ «سيد» وعديل رأس هذه المجموعة، حاولنا إثناء هذه المجموعة عن التزام هذا الفكر المدمر والبعيد كل البعد عن منهج الإخوان وصدق توجهاتهم، وبعد صولات وجولات زاد تمسك هؤلاء بفكرهم، فصدر قرار الجماعة بفصلهم،  21 فردًا ومنهم الأستاذ محمد قطب.

وأضيف لما سبق وما تعلمناه في مدرسة الإخوان: إن ولاءنا للفكر الإسلامي الشامل الصحيح قبل أن يكون مرتبطًا وتابعًا لفرد أيًا كان مقامه وكيانه.

حكاية أخرى عن الأستاذ «سيد قطب».. سمعتها بأذني من المستشار «مأمون الهضيبي» المرشد السادس للجماعة- يرحمه الله- وهو أحد الذين ساهموا في كتابة كتاب «دعاة لا قضاة»، وكان ذلك قبل وفاته بأيام.. قال يرحمه الله: إنه قد حوكم عام 1965م، وحكم عليه بالسجن.. كما حكم على الشهيد «سيد قطب» بالإعدام.. وفي أحد الأيام وهم في السجن الحربي حضر أحد المسؤولين بالسجن، ونادى على الأستاذ «سيد» قائلاً: استعد للترحيل، فطلب منه الأستاذ «سيد» إمهاله حتى يجمع الأدوية الخاصة به.. فرد عليه المسؤول: لن تكون في حاجة إلى أدوية.. وهنا أيقن الأستاذ «سيد» أن الأجل قد حان، وكان باب الزنزانة مفتوحًا فاندفع متوجهًا للأستاذ «مأمون» في عجل قائلاً له: «بلغ الأستاذ المرشد حسن الهضيبي أني لم  أكفر أحدًا، وأني على العهد مع جماعتي حتى ألقى الله».

وأحسب أن أغلب من ذكرت في مقالي هذا في دار الحق.. وأعلن ابتغاء مرضاة الله دقة كل حرف في كل كلمة ذكرتها، وهذه شهادتي في حق هذا الرجل الذي ظلم حيًا وميتًا.

 يكفي أن أذكر أنه بذلت محاولات كي يقوم الأستاذ «سيد» بكتابة طلب للعفو عنه مع التأكيد بأنه سوف يستجاب لطلبه.. ولكنه قال: «ما كان لهذه اليد التي كتبت لله أن تكتب للظالم تطلب عفوه».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية