; ضعف فكري وجهل سياسي وتآمر دولي .. يعني الكارثة! | مجلة المجتمع

العنوان ضعف فكري وجهل سياسي وتآمر دولي .. يعني الكارثة!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2013

مشاهدات 107

نشر في العدد 2060

نشر في الصفحة 39

السبت 06-يوليو-2013

طالت والله الغفوة وامتدت السكرة وتأخرت الإفاقة، وتباطات اليقظة، وامتدت الحيرة الفكرية، وتعمق العجز العقلي وتقاصر الفهم الدعوي، وهذا مما زاد الليل ظلاما، والحياة اغتساقاً، وأفسح المجال الكثير من المسيرات الراعنة، والمواكب الشاردة لتدشين عصر من الشرود، وإضافة حلقة إلى حلقات الصراع المجنون.

وكان يجب على أصحاب الفكر الإسلامي: 

أولاً: أن يضعوا في مخططاتهم قياسات الحجم التخلف الفكري والمنهجي والسياسي في الساحة الإسلامية حتى يمكن التعامل معها بحسابات صحيحة وخطط واضحة المعالم حتى لا يتحول هذا الفكر إلى خناجر مصلتة تغمس في رقاب العمل الإسلامي المؤثر على الساحة، والذي يحارب من جهات كثيرة التأهله للقيام بدور فاعل في الحياة الإسلامية خصوصا والحياة العالمية عموما.

ثانيًا: كان ينبغي رصد هذا الفكر ومواطن خندقته ومواقع رؤوسه ومحركيه وطرق استغلاله وأساليب دفعه باتجاه الصدارة وتزيينه والاستشهاد لله، والتعصب لنهجه وجعله هو القاعدة للتوجه الإسلامي، واتهام ما عداء ووسمه بالخروج عن الدين، أو الشروق من الشريعة مع النيل من المفكرين والسائرين على النهج الصحيح.

ثالثًا: كان يتوجب على العاملين في الحقل الإسلامي أن يرصدوا هذه التوجهات الفكرية اجتماعيا وقوميا وسياسيا لتفعيلها. وتبصيرها بما يجب أن تعلمه من واقع الأمة. وواقع القوى المعادية وواقع العالم من حولنا وواقع التحدي الذي تتعرض له، وما الأدوار التي يجب أن يضطلع بها الجميع في تكامل فكري، وليس استئصالي.

رابعًا: كان يفترض أن يقطن إلى مواطن الضعف وإلى الثغرات التي من الممكن أن تستغل في جدار هذا الفكر الذي يجهز ويفعل اليوم ليكون البديل الوحيد والممثل الذي بعد ليقوم بالدور الإسلامي في الأمة. والتساس الأمة من أفكاره وطروحاته حتى يبقي عليها في غياهب التاريخ قابعة في قاعة متربعة على أطلاله، والغريب في الأمر أن كثيراً من السلطات في الأمة فرحة بهذا الدور، مسرورة بهذا الفكر، وتعمل جاهدة على . ترسيخه وتدشينه والترحيب به لأسباب لا تعود عليها ولا على الأمة ولا على الإسلام بأي نفع، بل بالعكس تعود بالوبال والثبور والضياع الذي يتمناه الأعداء ويفرحون به ويباركون خطواته.

خامساً: كان يجب أن يمثل هذا الوضع تحدياً أساسياً أمام العاملين في الحقل يوضع في بؤرة الاهتمام الدعوي والجهادي، لأنه هو الرصيد الإسلامي، وأن الحقيقي لتخلف الأمة والعون الأساسي الآن ومنذ زمن للاستعمار بشقيه العسكري والثقافي، والعقبة الكؤود أمام العمل الإسلامي الجاد للنهوض بالأمة متوازياً مع عقبات كثيرة ومتنوعة أمام السيادة الإسلامية الحقيقية على الأمة، وقد ظهرت أنواع من هذا الفكر في فترات متعددة في التاريخ الإسلامي، وكان يمثل خطورة على توجهات الأمة المسلمة، وعلى كفاءاتها في مواجهة أعدائها، فظهر الفكر البدعي أيام التتار، وكان سببا في وهن الأمة وضعفها وتهميش دورها الجهادي والعقدي، فتصدى لهذا الفكر الإمام ابن تيمية - يرحمه الله تعالى - واستطاع أن يوقف هذه البدع، وأن يظهر جوهر الدين الصحيح، ويرد الناس إلى قوة العقيدة الصحيحة في الاعتماد على الله وترك الخرافات والضلالات، ثم توارى هذا الفكر وظهر بعد ذلك في أيام الضعف في الأندلس، وكان سببا من أسباب الضياع والوهن واعتمد الناس على شيوخ يقولون فيسمع لقولهم، ويأمرون فينفذ أمرهم لأنهم أولياء لله تبارك وتعالى تظهر على أيديهم الخوارق والكرامات، فالنار لا تؤثر فيهم، والثعابين طوع إرادتهم لا تؤذيهم ولا تعصي لهم أمرا يفعل الرجل منهم ما يفعل فهو مصدق وإن هدم أركان الشريعة أو خالف أوامر الله ونواهيه، مما جعل المسلم لعبة طيعة في أيدي دجاجلة يلفتونه عن أهدافه وعن غاياته في سبيل شهواتهم وهالاتهم الكاذبة بعيداً عن شرع الله ومنهجه، ثم ظهر هذا الفكر ثانية في الشرق، وكان له من الأثر السيئ على تلك الشعوب، خاصة في أيام الاستعمار الذي شجع هذه الحركات وهذا التوجه، وعمل على احتوائه ومناصرته حتى يكرس به جهل الأمة وتخلفها، إلى أن جاءت حركة التجديد الإسلامي الحديث، وكان من أقطابها محمد بن عبد الوهاب، والأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وحسن البنا في المشرق، وابن باديس والإبراهيمي، وغيرهما في المغرب

فاجتهد العلماء في دفع هذا الفكر، وبعد عناء طويل استطاعوا أن ينقذوا الأمة من الهلاك، واستطاعت بعد ذلك أن تقف في وجه الاستعمار وتخرجه، ثم ظهر بعد ذلك فكر إسلام الشعائر وهو حصر الإسلام في الشعائر الدينية، وترك ما عدا ذلك أو تهميشه والاهتمام بالفروع والمظهريات والتدقيق فيها إلى حد التفسيق للمخالف.

ثم برز بعد ذلك الفكر المذهبي، ولاشك أن المذاهب الفقهية ثروات عقلية ومنهجية وحياتية عظيمة لا توجد في أمة من الأمم. تثري العقلية الإسلامية وتفتح أمامها الأفاق ولكنها مع كل ذلك اجتهادات وآراء تحمل في كثير منها طابع العصر الذي عاشته والحوادث التي خالطتها وصاحبتها، والنوازل التي لاحظتها، ونحن اليوم في عصر آخر وقد وجدت من الحوادث والنوازل عندنا ما يقتضي اجتهاداً آخر على الأصول، وهو الكتاب والسنة، وما يحتاج إلى نظر وفقه يجب أن يقوم العلماء فيه بدورهم كما قام الأولون بدورهم، وعندنا كتاب الله وسنة رسوله، وعندنا الطرق التي رسمها لنا فقهاؤنا للاجتهاد والنظر، فلم تتعطل الآلة العقلية الإسلامية، ويراد لها أن تعيش دائما كلاً على غيرها، ولا تفتح عقلا، أو تزكي نفساً أو تسعد حياة أو تقدم حلا لمشكلات كثيرة، ونحن نعلم أن الإسلام جاء للدنيا ليخرجها من الظمات إلى النور ولماذا يجرم هذا الفكر المذهبي كل عمل حضاري لا يتعارض مع النصوص ويبدع ويفسق ويتوعد كل من فكر وتعب ليحكم كتاب الله وسنة رسوله في قضايا الساعة وينهض بالأمة من كبوتها الحضارية والعلمية؟ ولماذا يراد لنا أن نقف بغير فهم ولا استيعاب عند عصر من العصور وتلغي كل تفكير إسلامي حضاري مبهر!

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل