; الفاتيكان والماسونية (الحلقة الثانية) | مجلة المجتمع

العنوان الفاتيكان والماسونية (الحلقة الثانية)

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الخميس 01-يونيو-1978

مشاهدات 182

نشر في العدد 398

نشر في الصفحة 26

الخميس 01-يونيو-1978

▪    ديجول قبل موته: لن يوجد من أحد يوقف المسلمين عند بوابته

في رحلتنا العلمية لتبيان العلاقة الخبيثة بين الماسونية ربيبة الصهيونية وبين النصرانية، نتابع معك أخي القارئ اليوم أبعاد هذه العلاقة وواجبنا تجاهها.

وبعد: لقد نسي النصارى في سبيل عداوة الإسلام إن بيت المقدس كان موطنًا للسيد المسيح- عليه السلام- وإن اليهودية هي التي حكمت عليه بالموت.. وأنكرت رسالته... واتهمته بالكذب والمروق.. ومع ذلك.. فما إن ظهر اليهود في الميدان حتى أيدتهم دول الغرب النصرانية بكل ما تستطيع واحتملت منهم كل إجرام واعتداء بل جاوزت الاحتمال إلى المكافأة بالمعونة، وبذل القروض والتزويد بالسلاح سرًا وعلانية عدا ما تبذله لها من المعونة السياسية والدبلوماسية كلما اجتمعت على قرار..

ولأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة.. تم الاتفاق بينها على استخدام المادة التاسعة والثلاثين.. لحماية السلام العالمي.. أو على الأصح.. لحماية (إسرائيل).

نعم.. إن الواقع الذي لا شك فيه أن الحماسة في تأييد اليهود إنما هي حماسة في عداوة الإسلام.

فقد نشرت صحيفة- سندي تايمس- في عدد قديم تحقيقًا مطولًا بعنوان- الأضواء الكشافة على (إسرائيل)- فقال الكاتب بغير حياء.. (إن (إسرائيل) أصغر من ويلز في الجزر البريطانية.. ولكنها مقحمة على العالم الإسلامي الذي يمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي.. وإن (إسرائيل) ليست كجارتها لبنان.. تصحيحًا لوضع سياسي.. ولكنها إغارة مقتحمة على العالم العربي.. وتبدو له كراس الحربة في جنبه).

ثم قال: إن اليهود مجتمع كامل وليسوا مجرد طبقة واحدة من جملة الطبقات التي كانت تتولى الحكم في البلاد العربية.. هذا هو وصف الموقف في فلسطين بغير مواربة ولا اكتراث.. (إسرائيل) عدو مقتحم للبلاد الإسلامية.. «(إسرائيل) ليست طبقة حاكمة تكتفي بالسيطرة ووظائف الدولة.. بل هي مجتمع كامل يهدد العالم الإسلامي كله.. ولا: يقبل فيه إلا من ينظرون إلى العالم الإسلامي نظرة العداء!».

ولكن من الذي أنسى النصارى عداء اليهود التاريخي لهم.. إنها الماسونية اليهودية المتغلغلة في أعماق وفكر وعقيدة الغرب النصراني.. والموجهة له.. والخبيرة بمكنونات الرأي العام الغربي.. والتي تدرك مدى عمق الصليبية في النفسية الغربية.. لذلك كان أروج الشعارات التي رفعتها الصهيونية في الأيام الأولى من حرب حزيران.. ذلك الشعار الذي نقش على اللافتات وحمله المتظاهرون في شوارع باريس وغيرها من العواصم.. ووضعوه على صناديق التبرعات (لإسرائيل).. ذلك الشعار المكون من كلمتين.

▪    ليخدع اليهود إخوانهم النصارى رفعوا شعار قاتلوا المسلمين!!

▪    قاتلوا المسلمين!

فالعداوة بين الاستعمار- بجميع أشكاله وصوره- وبين الإسلام عداوة تاريخية جغرافية.. نفسية.. لا تزيلها زيارة أو زيارتان للقدس، بل هي من أصعب العداوات وأعمقها أثرًا وأعصاها على التوفيق والنسيان.

ولو كان المسلمون قوة سياسية ليس إلا.. لهان خطبهم على الاستعمار ولكنهم قوة روحية تندفع كالسيل إذا اندفعت.. وتستقر كالصخر إذا سكنت.. وقد تفارقها قدرتها على الغلبة والسيادة حينًا ولكن لا تفارقها قوتها على الصمود والثبات..

وقد عبر عن ذلك- لورنس براون- في كتابه- طوالع الإسلام- فقال:
«لا يهمنا الخطر الأصفر الياباني أو الصيني.. ولا روسيا البلشفية.. ولكن الخطر الحق.. هو خطر الإسلام.. لما فيه من الحيوية الكامنة والقدرة على الانتشار والتسلط فهو السور المنيع أمام الاستعمار».

وروى المرحوم العلامة المغربي -علال الفاسي- مثل هذا القول.. في محاضرة له بعنان: (نشاط التبشير ودوره الاستعماري التخريبي بالأمس واليوم) فقال:

«لقد قرأت في كتاب (ما لم يقل عن ديجول) خبرًا طريفًا نروي ملخصة هنا.. ذلك إن مؤلف هذا الكتاب يقول: إن ديجول بعد الهزيمة الفرنسية.. حاول الانتحار وأرسل يطلب الراهب الذي يعترف عادة لديه..

فقال له معللًا ما عزم عليه: إن أوروبا الغربية تنهار إزاء النازية.. ومعنى ذلك: انهيار الحضارة النصرانية بصفة نهائية.. إن أمريكا أختنا في الدين وفي الحضارة.. سوف تعمل ما تستطيعه لإنقاذ الموقف شيئًا ما.. ولكن مع ذلك سننتهي..

وهنالك في الصين شعب قوي نسميه تارة الخطر الأصفر.. ولكنني لا أعتقد أنه سيكون البديل الصحيح.. فالحضارة الصينية لا تبلغ درجة حضارتنا المسيحية.. ولكن الذي أخاف منه.. هو هذا الخط الذي يمتد من طنجة إلى كراتشي..

إن الإسلام ذو حضارة وثقافة، وهو جدير بأن يكون الوارث لنا.. فإذا تحالف مع الصين.. فإنه لن يوجد أحد يوقف المسلمين عند بوابته!».

ذكر مثل ذلك أيضًا المستشرق عجب- في كتابه- وجهة الإسلام-
حيث قال:

(إن الحركات الإسلامية تتطور بسرعة مذهلة تدعو إلى الدهشة.. فهي تنفجر انفجارًا مفاجئًا قبل أن يتبين المراقبون! من إماراتها ما يدعوهم إلى الاسترابة من أمرها، ولذلك.. فعلى الإسلام.. وعلى بلاد المسلمين تتألب القوى الظاهرة والخفية وتتسمى بمختلف الأسماء في كل حقبة وبدايتها: في  القرن العاشر كنهايتها في القرن العشرين..

إن الأغرار منا توهموا إن الحروب الصليبية أثر من آثار الزمن القديم فلينظروا جيدًا بعد اليوم.. ولا يفوتهم أن يلمسوها ويبصروها مائلة للعيان في كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي، ولعل الحرب اللبنانية.. التي فجرتها الكتائب المارونية ضد المسلمين من فلسطينيين ولبنانيين.. خير مثال على الزواج السفاح الذي تم بين اليهودية العالمية والصليبية الحاقدة.. والذي أطلق إشارة البدء هو- إسحق رابين- رئيس وزراء العدو اليهودي -الأسبق- وذلك عندما سئل في الكنيست (بعد أن نفذ الفدائيون عملية «فندق سافوي» في قلب تل ابيب) لماذا لم تردوا على اعتداءات المخربين؟؟

فأجابهم بقوله: لن نرد عليهم.. ولكننا سنترك المهمة لبعض اللبنانيين كي يردوا!

وبالفعل.. كان النصارى... وأحفاد القرامطة عند حسن ظنه فبدأوا بتنفيذ مخططهم الإجرامي.. والذي ستكون فيه نهايتهم بإذن الله، فهل يتنبه المسلمون- غفاة البشر- لما يراد بهم؟

وهل يوحدون كلمتهم.. ويجتمعون على عمل بناء لدرء الخطر؟ لقد سبق وأن مرت أمتنا العربية المسلمة بحالات من مثل هذه الحالة.. التي تمر بها الآن.. فعرفت كيف تجتث الداء.. وتبقى سليمة معافاة..

فعندما اجتاح التتار العالم الإسلامي.. ووضعوا في المسلمين السيف.. وأجروا من دمائهم سيولًا وأنهارًا..

وأقاموا من رؤوسهم صروحًا وتلالًا.. تمكن الوهن من قلوبهم حتى أصبحوا لا يصدقون بهزيمة التتار..

قال ابن الأثير في تاريخه: إنه سمع من بعض الأكابر؟!

إنه قال:- من حدثك إن التتار ينهزمون فلا تصدقه، إلى أن قال ابن الأثير: ووقع رعبهم في قلوب الناس حتى كان أحدهم.. (أي التتار) إذا لقي جماعة قتلهم واحدًا واحدًا وهم دهشون.. ودخلت امرأة من التتار دارًا فقتلت جماعة من أهلها وهم يظنونها رجلًا...؟!

ودخل واحد منهم دربًا فيه مائة رجل.. فما زال يقتلهم واحدًا واحدًا حتى أفناهم.. ولم يمدد أحد يده إليه بسوء: إلى أن قال: وأمثال.. ذلك كثيرة.

ثم قال: لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها... كارهًا لذكرها فأنا أقدم إليه رجلًا وأؤخر أخرى.. فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين.. ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك.. فيا ليت أمي لم تلدني.. ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا».

ومع ذلك لم يتنبه المسلمون ولم يفيقوا من سكرتهم ولم يغيروا ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم.. فحق عليهم قول ربهم ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ (المؤمنون: 76) واستمروا على ما هم فيه من غفلة.. ولهو.. وظلم.. قال ابن الأثير: (فما ترى في ملوك الإسلام من له رغبة في الجهاد: ولا في نصرة الدين! بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه وظلم رعيته.. (وكان ابن الأثير يصف قادة المسلمين هذه الأيام).. وهذا أخوف عندي من العدو.. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ﴾ (الأنفال: 25) ولكن المسلمين عندما أفاقوا من سكرتهم.. وأصلحوا شأنهم وأعدوا النصر عدته وصمدوا في وجه العدو.. هزموا التتار.. هزموا الذين لم يكونوا- في رأيهم- يعرفون الهزيمة هزمهم المسلمون في عدة مواقع.. كانت خاتمتها في موقعة (عين جالوت) على مقربة من مدينة بيسان.. شمالي فلسطين المحتلة.

ووصف الحافظ السيوطي موقعة عين جالوت في كتاب (تاريخ الخلفاء) بقوله: «فهزم التتار شر هزيمة وانتصر المسلمون ولله الحمد... وقتل من التتار مقتلة عظيمة.. وولوا الأدبار.. وطمع الناس فيهم يخطفونهم وينهبونهم».

وجاء الصليبيون من بعدهم.. على حين غفلة من المسلمين ولكن سرعان ما هب المسلمون من رقادهم ووحدوا صفوفهم وطهروا البلاد الإسلامية من شرهم ورجسهم.. وألقوا بآخر جندي صليبي في البحر من على أسوار عكا..

وبكل يقين وتأكيد.. لن يكون مصير اليهود بأفضل من مصير أسلاهم التتار والصليبيين.. طال الزمان أم قصر.. لقد جرب العرب جميع الأسلحة في حربهم مع اليهود.. أكثر من نصف قرن من الزمان.. ولكنهم لم يستعملوا سلاح الدين.. ولكنهم إن فعلوا ذلك.. واستعدوا للقاء عدوهم.. بعد أن يعدوا له كل ما يستطيعون من قوة.. فإنهم سيتحولون إلى قوة خارقة لا يغلبها العالم.. ويصيرون قضاء الله الغالب.. وقدره المحتوم.. وكلمته العليا.. ويدكون حصون اليهود.. كما دك أسلافهم حصون الفرس والروم والتتار والصليبيين.

أيها المسلمون: إن أمتنا أشبه بسفينة في عرض البحر.. والبحر هائج مضطرب والرياح شديدة عاتية ولكنها ليست أول سفينة ومن ادعاء كل سفيه يدعي أن له واجهت في سيرها رياحًا هوجاء... فلم يقنط ركابها من رحمة الله... فضاعفوا الجهد.. وواصلوا السير إلى الثغر الذي قصدوه.. فبلغوه فرحين مستبشرين.. فعليكم أن تعملوا بجد وإخلاص.

وحزم وتعاون وإن تصونوا السفينة من العطب.. أنفسكم لمحاربة عدو شديد المراس حقًا في ثقب الجزء الذي يملكه منها! حتى تعود السفينة إلى شاطئ السلامة.. باسم الله مجراها ومرساها.

وعليكم أن تجندوا أنفسكم لمحاربة عدو شديد المراس منظم.. محتال.. وألا تنخدعوا بالدعايات الجوفاء.. التي تريدكم أن تستسلموا إلى الدعة والسلام الكاذبين.. إنكم تخوضون معركة بقاء أو فناء..

فالعدو يقظ حذر.. يعد لكم مستقبلًا أسودًا.. فلتكونوا على أتم الحذر لتردوا كيده إلى نحره... ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ (آل عمران: 139) نظموا صفوفكم.. وطهروا مجتمعاتكم من الأفكار الغريبة عن معتقداتكم وضمير أمتكم.. ومن الأخلاق الفاسدة التي نمت في غيبة الإيمان وتقاليده وشمائله..

أزيلوا بقايا الماسونيين وذيولهم عن المسرح السياسي والثقافي والاقتصادي والعسكري.. كي لا تمتد أيديهم إلي ظهوركم أثناء مجابهتكم لأعدائكم..

والتاريخ مستعد لإعادة صفحاته.. بشرط واحد.. وهو أن تكونوا مستعدين اليوم لإعادة ما سجله تاريخكم المجيد بالأمس..

▪    تنويه

في الدراسة المنشورة عن صلة الفاتيكان بالماسونية في العدد الماضي وقع خطأ في الصفحة- 34- حيث إن السطر الحادي والعشرين إلى نهاية السطر الثلاثين في العمود الثاني هو هامش وتعليق وليس من صلب الكلام.

وكذلك من السطر الثالث إلى نهاية السطر الثالث والثلاثين من العمود الثالث يعد هامشًا أيضًا.

لذا اقتضى التنويه والمعذرة لهذا الخطأ.
 

الرابط المختصر :