العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٢٦) علال الفاسي وطنجة «المدينة الدولية» ١٩٤٩م
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1994
مشاهدات 83
نشر في العدد 1128
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 06-ديسمبر-1994
نزلنا في ميناء «طنجة» وكان الجو جميلًا،
والمنظر رائعًا، وكان كل شيء يبشر برحلة ممتعة. ووقفنا طابورًا أمام شرطة
الجوازات، وعندما وصلت وقدمت جواز سفري فوجئت بأن مندوب الجوازات طلب مني أن أنتحي
جانبًا، واحتجز جواز سفري، وقال: انتظر حتى النهاية. فذهبت أنتظر في ركن قصي، وأنا
أتأمل الركاب الآخرين يدخلون المدينة واحدًا بعد الآخر، وأنا لا أعرف ما السبب في
وقوفي دون غيري.
بعد ذلك جاء أحد السياح، وكان يبدو عليه أنه
من دول جنوب أمريكا اللاتينية، وعرفني بنفسه، وأخبرني بأنه حجز جواز سفره كذلك،
وأُمر بالانتظار، ففهمت أن حالته مثل حالتي، ولم يكن هو يعرف السبب، ولا أنا كذلك.
بعد ذلك جاء آخرون حتى بلغ عددنا سبعًا، وانتظرنا بقلق حتى انتهى طابور الركاب
الذين نزلوا من السفينة وأغلبهم من السياح بالطبع. وبعد ذلك استُدعي رفيقي إلى
مكتب الجوازات وبقي هناك يتحاور معهم، ورأيته يحتج عليهم، وهم يهدئونه، وأنا أتأمل
كل ذلك، ولا أفهم شيئًا حتى عاد وعرفني أن سبب حجز جوازه أنه ينقصه الإشارة إلى
أنه صالح لزيارة طنجة أو المغرب، وهذا الشرط من شروط الدخول، وأنهم قالوا له إنهم
سيمنعونه من الدخول؛ لأن جوازه غير صالح. وقال إنه احتج عليهم، وطلب أن يوصلوه
بقنصل بلادهم، وفعلًا اتصل به، وقرر أن يرسل له جوازه ليضيف إليه البيانات
الناقصة، وانتهى الإشكال بالنسبة له، وأنه سيذهب مع حارس إلى القنصلية لإتمام
الإجراءات، وكذلك فعل الآخرون، وكنت أنا الأخير.
ولما استدعوني قالوا لي: إنك ستعود إلى المركب
لترجع إلى إسبانيا. قلت لهم: كيف أعود إلى إسبانيا، وأنا ليس معي تأشيرة، وقد خرجت
من إسبانيا، وانتهت تأشيرتي لدخولها، وما السبب؟ فقالوا لي أن جوازك مكتوب عليه
إنه صالح للدول الأوروبية ويعني ذلك أنه ليس صالحًا للبلاد الإفريقية، وأنت الآن
في إفريقيا، وطنجة من إفريقيا ومن المغرب، فلو كان جوازك صالحًا للمغرب كنا
أدخلناك. قلت: وما العمل؟ وهذا اللاتيني الذي كان في نفس حالتي قد سمحتم له
بالذهاب إلى قنصليته. قالوا: نعم، هذا ذهب إلى قنصليته، ولكن أنتم المصريين ليس
لكم قنصلية هنا، فيجب أن ترجع. فكرت برهة ثم قلت: ولماذا تقولون إنه ليس لي قنصلية
هنا؟ وإذا كانت مصر ليس لها قنصلية في طنجة، فليس معنى هذا أنه لا توجد قنصلية
ترعى شؤون المصريين؛ كما في أي بلد في العالم عندما لا توجد قنصلية أو سفارة مصرية
تكلف إحدى القنصليات أو السفارات الصديقة برعاية شؤون المصريين في ذلك البلد،
وأعتقد أن القنصلية البريطانية هي التي تتولى المسؤولية في الوقت الحاضر، وأطلب
منكم أن توصلوني بالقنصل البريطاني.
عند ذلك ترددوا، وتشاوروا، ثم اتصلوا
بالقنصلية البريطانية، وقيل لهم إن القنصلية البريطانية مغلقة؛ لأن اليوم هو السبت
ولا يوجد أحد بها. وطلبْتُ منهم أن يوصلوني بالقنصل في منزله، وفعلًا بعد تردد
دقوا الهاتف في منزل القنصل، وأجاب أحد الأشخاص أن القنصل غير موجود، وقال هو
غالبًا في النادي الآن يلعب تنس. وأعطوني هاتف النادي، وطلبت من موظف الجوازات أن
يوصلني بهذا الرقم، وأنا عندي احتمال كبير وشك، أنه حتى إن كان موجودًا في النادي،
سيكون بالملعب، ومن الذي سيناديه من الملعب ليكلمني. وفعلًا أجابني أحد العاملين
في النادي، وقلت له: إنني أستاذ مصري وأريد أن أكلم القنصل الإنجليزي في أمر هام
وعاجل؛ لأنني محجوز في الميناء، ولا يمكن أن أنتظر، فأرجوك أن توصلني بالقنصل. ومن
حسن الحظ وبقدر الله، كان القنصل مازال موجودًا في الصالون، فأجابني بسرعة، فشرحت
له الموقف، وقلت له: لابد أنك ترعى شؤون المصريين في هذا البلد. قال: نعم. قلت له:
إذن أنا مصري، جئت لإسبانيا وزرتها، والآن جئت إلى طنجة لأزورها، وأعود إلى فرنسا،
وأنا في بعثة مصرية هناك، وأنا أستاذ مساعد في الجامعة، وقالوا لي إن جواز سفري
ينقصه أن يكون صالحًا للمغرب؛ لأنه مكتوب فيه إنه صالح للدول الأوروبية، فهل يمكنك
أن تضيف عليه هذا البلد؟ قال: نعم يمكنني بكل بساطة أن أضيف لك هذا، بعد أن تدفع
الرسوم، لكنه عاد وقال: اليوم لا يمكن؛ لأن القنصلية مغلقة وغدًا أيضًا غير ممكن،
لأنه عطلة الأحد، فلابد أن تنتظر إلى يوم الاثنين صباحًا. قلت له: ولكنهم يريدون
أن يعيدوني الآن للسفينة التي جئت عليها، فقل لهم حتى يتركوني أدخل، وأحضر لك يوم
الاثنين. وطلبت من رئيس الجوازات أن يكلمه، فكلمه فعلًا، وفهمت من الحديث أنه يقول
له: إن السفينة ستسافر غدًا، ولا يمكنه أن يتركني إلى يوم الاثنين إلا إذا رجع
لمدير الشرطة، وهو الذي يمكنه أن يسمح بذلك. أما هو فكل ما يمكن أن يفعله إرضاء
للقنصل سيتركني أذهب إلى فندق في المدينة على أساس أن يبقى جوازي معهم حتى ميعاد
سفر السفينة غدًا بعد الظهر، وعلي أن أبحث عن مدير الشرطة، وأعرض الأمر عليه، وإذا
لم أحصل منه على الموافقة على بقائي إلى يوم الاثنين بناء على وساطة القنصل لتصحيح
جواز سفري، فلابد أن أعود مع السفينة. وقال لي رئيس الجوازات بلطف وبكل أدب:
إكرامًا لك وللقنصل لن نصر على أنك تعود إلى السفينة، وسوف نتركك تذهب إلى أحد
الفنادق حتى ترجع إلى مدير الشرطة لتعرف رأيه، ولكنا لن نسلم لك جواز سفرك، بل
سنرسله لرئيس الشرطة، فإذا كان يسمح لك بالانتظار إلى يوم الاثنين بناء على وعد
القنصل سوف يسلم لك جواز سفرك وإلا فإنه سوف يعيدك إلى السفينة وشأنك مع الإسبان
عندما تعود إلى الجزيرة «الخضراء».
والآن ستذهب إلى الجمرك لتحمل حقيبتك، وتذهب
إلى أقرب الفنادق للميناء. وفعلًا أرسل معي مندوبًا من الشرطة ومعه جواز السفر،
ومعه تعليمات بعدم تسليمي جواز سفري، وتسليمه لمدير شرطة مدينة طنجة، وهو الذي
يتصرف بما يراه.
وركبنا التاكسي، وذهبنا إلى الجمرك وكان
بعيدًا، ولا أدري السبب في هذا، وهناك نزلت من السيارة إلى الجمرك، ووجدت كل
الحقائب قد أُخذت وبقيت حقيبتي وقالوا لي: لابد أن تنتظر لتفتيش حقيبتك؛ لأن
الموظف غير موجود الآن. لذلك أعطيت التاكسي أجرته وانصرف، وانتظرت مندوب الجمرك
لتفتيش الحقيبة، ولما جاء لم يكن مجاملًا، بل تمادى في التفتيش، وفتح الأشياء
كأنني مهرب، فثرت عليه، وقلت له: أنتم تمنعونني من الدخول والآن تفتشونني كأنني
مجرم، هذا لا يليق ولا يصح. فهدأني وقال لي: هذه إجراءات عادية عندنا ولا مناص
منها. وأثناء هذا التفتيش فوجئت بسائق التاكسي الذي كان مغربيًا، وقد فهم من حديثي
مع مندوب الجوازات الذي ركب معنا أنهم يضايقونني ويمنعونني من دخول البلاد، وكان
قد شارك في هذا الحديث، وعرف مني أنني مصري فقال: إننا نحب مصر والمصريين، ولو كنت
أستطيع المساعدة لساعدتك، لكنني أعطيته أجرته وذهب وتركني.
ثم فوجئت وأنا داخل الجمرك بأنه عاد إلي، وكان
يحمل معه آلة تصوير «الكاميرا» التي كانت معي، وقد نسيتها في التاكسي وذهب بها،
ولما عثر عليها عاد يبحث عني، رغم أنه لا يعرف اسمي ولا أي شيء عني، وكان كل ما
عرف هو أنني في الجمرك. وقد فرحت جدًا بهذه المبادرة من جانب سائق مغربي فقير عثر
على هذه الكاميرا، وكان سبب سروري أكثر أنها ليست لي، بل استعرتها من صديقي
التونسي السيد «محمد الميلي» لأنني لم أكن أملك كاميرا، وكنت سأتألم إن كانت ضاعت
مني. وطلبت منه أن يذهب بي إلى الفندق، وركبت معه بعد انتهاء التفتيش، وذهبت معه
إلى أقرب الفنادق بجوار الشاطئ، وهو فندق «الريف». وطلب مندوب الشرطة أن ينزلوني،
وأن يحتفظوا بالجواز ولا يسلموه لي؛ لأنهم سيحضرون لأخذي لأعود ثانية للسفينة غدًا
ظهرًا، إذا لم يحدث قرار من طرف الشرطة بتسليمي الجواز.
كان ذلك في عصر يوم السبت، ووجدت نفسي في نفس
الحالة التي وجدت نفسي فيها في تونس عندما دخلت بدون تأشيرة، وطلبوا حضوري للشرطة،
وكنت أتوقع أن يقرروا إعادتي من حيث جئت. وأمامي الآن أقل من (24) ساعة فقط،
وفضلاً عن ذلك فقد كنت أفكر فيما سأفعله إذا أعادوني إلى الباخرة؛ فعندما كنت في
تونس كانت الباخرة ستعيدني إلى مرسيليا وأعود إلى فرنسا دون مشاكل، أما الآن
فأمامي مشكلة كبرى إذ إن الباخرة ستعيدني إلى الجزيرة الخضراء وهي ميناء إسباني،
وسوف يقولون لي ليس على جوازك تأشيرة دخول إلى إسبانيا، وليس لي حق الدخول أو
المرور فيها بدون تأشيرة فماذا سأفعل؟
بقيت محتارًا، وقلت على الأقل عندي الوقت
لأزور «علال الفاسي» في منزله إذا وجدته، وكان معي عنوانه، وأعود إلى الفندق أنتظر
ما يقرره مدير الشرطة، وبدأت أعد في ذهني ما أقوله له، ثم توجهت إلى المدينة أبحث
عن منزل السيد «علال». وأذكر أنه كان في طريق «حسنونة» وسرت أسأل، وكان بعيدًا
ولكني كنت أمشي، وفي نفس الوقت أتفرج على المدينة لاعتقادي أن هذه هي فرصتي
الوحيدة، وغالبًا سأغادرها غدًا. وعندما سألت أحد المغاربة في الطريق تطوع أن
يوصلني إلى العنوان، وكان وصولي بعد صلاة المغرب وأرشدني إلى المنزل، وسأل بنفسه
عن الشقة التي يسكنها السيد «علال الفاسي» وطرقت الباب وقالوا لي بكل أسف إن السيد
علال ليس هنا الآن، ولابد أن يكون في المسجد الكبير لصلاة المغرب وصلاة العشاء،
فإذا أحببت أن تعود إليه بعد صلاة العشاء يكون أفضل. فقلت لهذا المغربي الذي دلني
على المنزل إنني أرجوه أن يذهب بي إلى المسجد الكبير، وذهبت إلى هذا المسجد ودخلت،
فوجدت أن حلقة كبيرة من المصلين يستمعون إلى درس، وكان يلقي الدرس «علال الفاسي»،
فجلست جانبًا حتى لا يراني أثناء الدرس ويقطع الدرس وكنت أستمع إليه، وكان يفسر
بعض آيات القرآن الكريم، وأذكر أنه كان يشرح لهم هذه الآيات: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ
* عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ
الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ
الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا
الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (المدثر: 38-48). وذكر
أنه قال لهم: إن وصفهم بأنهم «لم يكونوا من المصلين» يقصد به أنهم لم يكونوا يؤدون
واجباتهم الشرعية في العبادات، أما قولهم «أنهم لم يكونوا يطعمون المسكين» فإشارة
إلى أنهم لم يكونوا يقومون بما يفرضه عليهم التضامن الاجتماعي من واجبات إزاء
شركائنا في الإنسانية والأرض، ومعنى ذلك أن الأساس في الحياة الاجتماعية في
الإسلام هو التكافل والتضامن الاجتماعي، وأن من يقصر فيه كمن يقصر في العبادات
ذاتها.
لقد أعجبني تفسيره، لأنه كان يتكلم كزعيم
سياسي يشرح برنامج حركته الإسلامية، حتى إنني استطردت في شريط من الخواطر عن
مستقبل التيار الإسلامي عندما يجد قادة بهذا الفكر وهذا الفهم.
وقد انتهى بعد أن أُذّن للعشاء، وقمنا جميعًا
للصلاة، وبعد صلاة العشاء خرج السيد «علال الفاسي» وحوله عدد من المصلين المغاربة
يحيطون به ويصحبونه إلى المنزل، وأنا أتبعهم من بعيد حتى لا أقطع حديثه معهم، حتى
وصلوا إلى منزل السيد «علال»، ووقف يودعهم ويسلم عليهم واحدًا بعد الآخر. وعندئذ
كنت قد اقتربت منه فرآني رغم أن الشارع كان مظلمًا، وصرخ: توفيق.. توفيق! ما الذي
جاء بك إلى هنا؟ وأقبل علي معانقًا ومرحبًا، وكان هذا كافيًا لكي أنسى كل الصعوبات
التي لاقيتها، وطلب مني أن أصعد معه إلى شقته، وبدأت أقص عليه القصة، وأفهمته
بأنني مهدد بالخروج غدًا في الصباح بالعودة إلى إسبانيا، ولا أعرف ماذا أفعل، وأنا
ليس معي تأشيرة في إسبانيا وهل يقبلني الإسبان بدون تأشيرة، وغدًا الأحد، ولا يوجد
أحد في القنصلية، ولا أعرف كيف أتصرف، فقال لي نتعشى أولاً. وأثناء العشاء أحضر الجبن
المغربي، وقال لي: أرجوك أن تأكل هذا الجبن المغربي وتذهب وتخبر قريبك «شبانة»
الذي يصنع الجبن في دمياط والذي يزعم أنه يصنع أحسن جبن في العالم، وتقول له إن
جبن المغرب خير من جبن دمياط.. (لأنه عندما كان في مصر كان يزورني في منزلي وكان
في بعض الأحيان يلتقي بالحاج «عبدالرؤوف شبانة» ابن أختي الذي يعتز بمصانع جبنته
في دمياط، ويتندر معه ويقول له: ليس في بلدكم جبن كهذا؛ لأن هذا أحسن جبن في
العالم).
أكلنا والحمد لله، وفي هذه الأثناء أرسل إلى
أحد أعوانه من سكان طنجة وهو الحاج مصطفى خليفة، وكان عضوًا بارزًا بالمجلس البلدي
في المدينة، والمجلس البلدي كانت الإدارة الدولية في طنجة تعتبره المجلس النيابي
للمدينة، وكان يحضره ممثلون منتخبون من سكان المدينة، وكان أغلبهم من المؤيدين
للسيد «علال» وحزب الاستقلال والحركة الوطنية عمومًا، ومن بينهم السيد «خليفة»،
الذي حضر إلينا وحكيت له القصة وقال إنه سيذهب في الصباح إلى مدير الشرطة في
منزله؛ لأن غدًا عطلة الأحد، وهو بلجيكي وله علاقة به بحكم منصبه في المجلس
البلدي، وبينهما ود، وأنه يستطيع أن يجد معه حلاً لهذه القضية، ويحضر إلي قبل
الظهر في الفندق. وسهرنا طويلًا مع السيد «علال» وكنت أطيل السهر على اعتقاد بأنني
لابد أن أغادر طنجة غدًا في الصباح، وهذا احتمال كبير، فقلت أستفيد من الوقت أكثر
استفادة، وحكيت له قصصًا كثيرة عن أخبار مصر، وخصوصًا ما يحدث للإخوان في هذا
الوقت، وعزاني في وفاة الشهيد حسن البنا الذي كان يعرفه، وكان يقدره كثيرًا
ويتعاطف معه باعتباره من علماء القرويين في المغرب، وكان هو أيضًا يتعاطف مع
الإخوان ويتعاون معهم عمومًا. وكنت دائماً على صلة به في مصر وفي المغرب بعد ذلك،
وكانت صداقتنا أخوية وفكرية؛ لأن أفكارنا كانت متشابهة إلى حد كبير.
وانتقلنا في حديثنا من الحالة في مصر إلى
الحالة في فرنسا التي كنت أقيم بها، وكذلك زيارتي لإسبانيا وحافظ إبراهيم الذي ظهر
أنه لم يعرفه ولم يلتق به. وودعته وليس عندي أمل كبير في أن أعود إليه قبل مغادرة
طنجة، وذهبت مع صديقه الذي أصر على أن يرافقني إلى الفندق، وبقيت فيه حتى الصباح،
ولم يكن النوم مريحًا ولا كافيًا. لقد دخلت غرفتي بالفندق بعد منتصف الليل، ولكني
لم أستطع النوم، وزاد في قلقي شدة الريح التي تقرع زجاج النافذة من حين لآخر، لكن
القلق الأكبر كان بسبب ما سألاقيه من مصير مجهول، إذا لم يوافق مدير الشرطة على
بقائي. صحوت في الصباح قلقًا، لكن الجو كان جميلًا، والفندق كان يطل على الخليج
وعلى الشاطئ. فوجدت السيد «خليفة» قادمًا بطربوشه الطويل وعصاه التقليدية في يده،
وحياني وقال لي: لقد اتصلت برئيس الشرطة وقد بعث رسوله ليأخذ جوازك ويطلع عليه،
سنذهب إليه معًا لتعرض عليه القضية، وعندي أمل كبير في أن يستجيب لطلبك.
بعد ذلك مشينا على أقدامنا في الطرقات
الخالية؛ لأن اليوم كان عطلة الأحد، وقد نسيت كل متاعبي لأن رئيس الشرطة قد
استقبلنا بلطف وترحاب، ووافق على طلبي بعد أن قلت له إنني في الواقع أستاذ في
الجامعة، والآن في بعثة دراسية في فرنسا، وقد جئت إلى إسبانيا، وفي نيتي أن أزور
طنجة وهي منطقة دولية ومفتوحة للجميع، وفوجئت بهذا النقص العارض في الجواز، وأعتقد
أن هذه المسألة شكلية لا تحتاج إلى مجهود كبير وأنني اتصلت بالقنصل الإنجليزي،
وأنه مستعد أن يضيف المطلوب، فأرجوك أن تتصل به الآن. وفعلًا اتصل شخصيًا بالقنصل
الإنجليزي في منزله «وكان لا يقل شهامة ولا إنسانية عن مدير الشرطة»، وأكد له
موافقته على تصحيح الجواز، وعند ذلك قال لي: الآن خذ جوازك وأنت حر في طنجة
وتغادرها متى تشاء. وأخذت الجواز وودعته شاكرًا ومسرورًا، وذهبت مع أخي المغربي
الأستاذ «خليفة» نتجول في أنحاء المدينة وصعدنا إلى القصبة، في انتظار صلاة الظهر
لنلتقي في المسجد مع السيد «علال الفاسي» الذي سُرّ بهذه النتيجة، وأصر على أن
أتغدى معه في منزله.
في اليوم الأول من إقامتي بطنجة بعد أن تناولت
طعام الغداء مع «علال الفاسي» وبعض أصدقائه رافقنا علال في جولة بالقصبة، وصعدنا
إلى جبل موسى الذي يشرف على المدينة وعلى المحيط الأطلسي، وذهبنا معًا للمسجد
لصلاة المغرب والاستماع إلى درس آخر من دروسه.
في اليوم التالي كنت أتجول في المدينة ومعي
أحد رفقائي من المغاربة الذين عينهم «علال الفاسي» لهذا الغرض، وأثناء مرورنا على
أحد محلات بيع الكتب والأدوات المكتبية وإذ بنا نرى أمامنا الأستاذ عبدالخالق
الطريس قاعدًا على مقعد أمام هذا المحل، وفوجئ برؤيتي، وأقبل علي يعانقني ويتساءل
مندهشًا: «أنت هنا، أنا والله لا أصدق عيني! من أين جئت؟ وكيف، ولماذا، وماذا
حصل؟» ولم تكن دهشتي لهذه المفاجأة أقل من دهشته لأن آخر لقاء بيننا في القاهرة
كان في عام 1945م، وهكذا وقفنا نتحدث بعض الشيء في الطريق، فقال لي: متى تذهب إلى
تطوان؟ قلت له: أنا بصعوبة دخلت طنجة، وتريدني أن أذهب إلى تطوان! قال: نعم لابد
أن تذهب إلى تطوان. وقلت له: هذا هو ما قسم الله لي؛ فإني استطعت أن أدخل رسميًا
إلى طنجة بأسى وتعب وحصلت على جوازي بعد صعوبات كثيرة، وقد ذكرت له ملخصها، فقال:
ولكن لابد من زيارة المنطقة الخليفية بـ«شمال المغرب» الخاضع للسيطرة الإسبانية.
وقلت له: وكيف أستطيع ذلك؟ قال: أنا مستعد لأن أضعك في الأتوبيس الذاهب إلى تطوان،
وتعود منها ولا يتعرض لك أحد ونحن عندنا وسائل كثيرة لذلك. قلت: لابد أولاً أن
أحصل على تأشيرة للعودة لإسبانيا. قال: إذا حصلت على تأشيرة لكي تعود إلى إسبانيا
فيمكنك أن تعود عن طريق «سبتة» بدلاً عن طريق طنجة. قلت له: هذا مستحيل، فكيف أدخل
منطقة المغرب الشمالي بدون تصريح، ومن يعطيني هذا التصريح؟ إنهم لم يصرحوا لي
بدخول «طنجة» إلا بعد صعوبات كثيرة ومشقة. قال لي: لابد أن تحاول، وعند ما تقرر
الذهاب إلى هناك سأعمل لك كل الترتيبات، ويمكنني إعطاؤك عناوين أصدقائنا، وهناك
تلقاهم، وفكر جيدًا في الموضوع، وأنا مستعد لكي أرتب لك الأمر حتى إذا كنت تريد
الدخول خلسة.. فهذا أمر سهل! فتركته بعد أن عرف مكاني ووعد بزيارتي، ومشيت حتى
أتممنا جولتنا في البلد، وأفكر في هذا الموضوع دون أن أجد له حلاً؛ لأن دعوة عبدالخالق
الطريس أن أذهب خلسة وبدون تصريح، كنت أتردد بشأنها خشية مواجهة مشاكل جديدة، ولكن
إلحاحه كان له أثره.
في يوم الاثنين كان أول ما فكرت فيه هو الذهاب
لقنصلية إسبانيا لأطمئن على تأشيرة العودة إلى إسبانيا، وأول ما يجب عمله هو أن
أطمئن إلى الحصول عليها لكي أعود منها بالقطار إلى فرنسا؛ لأن تأشيرتي التي حصلت
عليها من باريس قد انتهى مفعولها بخروجي من مدينة الجزيرة الخضراء. وذهبت فعلًا
إلى القنصلية الإسبانية لأطمئن على هذه التأشيرة وطلبت منهم إعطائي تأشيرة ترانزيت
فقط للمرور من إسبانيا في طريقي إلى فرنسا، وهذا كان سهلاً طالما أن لي إقامة في
فرنسا، وطلبوا مني الحضور لاستلامها في اليوم التالي، وقالوا إن هذه التأشيرة لا
تعطيك حق البقاء مدة طويلة في إسبانيا، فقلت نعم، وأعطيتهم الجواز، وتعمدت أن أذهب
في اليوم التالي في الساعة الواحدة، وقد أحضر الموظف المختص الجواز وختمه، وقلت له
إنني كنت أريد السفر اليوم ولكن المركب الآن قد فات ميعادها وأريد أن أذهب غدًا،
وقالوا لي: إن هناك سفينة ستذهب غدًا من سبتة، فهل يمكن أن أذهب بالسفينة من سبتة
بدلاً من طنجة؟ قال: نعم. قلت له: إذن أعطني الإذن بذلك، فأضاف إلى التأشيرة «عن
طريق سبتة». قلت له: أنا أذهب اليوم إلى سبتة، وغدًا أركب المركب. قال: نعم، وأخذت
الجواز وفهمت منه أن مدة الترانزيت سبعة أيام من يوم دخولي إلى المنطقة الشمالية
إلى أن أغادر إسبانيا إلى فرنسا، والمهم أنني حصلت على الإذن بدخول المنطقة
الخليفية في شمال المغرب التي تسيطر عليها إسبانيا، ولكن بطريق غير مباشر، وقد سعد
بذلك الأستاذ عبدالخالق الطريس أكثر مني.
ونمت سعيدًا لأول مرة في غرفتي بالفندق، وفي
الصباح خرجت مبكرًا منشرح الصدر متفائلاً، وقد نسيت كل ما لقيته وما شاهدته من
مظاهر الاحتلال والسيطرة الأجنبية.
وقفت على شاطئ البحر أرقب أمواجه تتسابق إلى
الشاطئ في عزم وإصرار وتتابع لا نهاية له، وقلت في نفسي: إن أجيال المجاهدين
الصامدين العاملين لتحرير أوطاننا سوف تتوالى ولن تتوقف عن مسيرتها، وكلما انتهى
جيل سوف يليه جيل آخر، إن هذه الأمة باقية طالما بقي هذا البحر وهذه الأرض، وسوف
تحيا وتجاهد دائمًا، ولن تتوقف أجيالها عن الجهاد. ثم سألت نفسي: هل هذه مجرد أمان
وآمال؟ أم هو يقين المؤمن الصابر الصادق الذي يرى مستقبل أمته كما يريده ويعمل له؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل