العنوان معطيات المدخل السفني.. محاولة للفهم (2)
الكاتب د. سيف الدين عبد الفتاح
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2022
مشاهدات 99
نشر في عدد 2164
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 01-فبراير-2022
مقال
حديث السفينة يشكل رؤية متكاملة وشبكة من المواقف والأحكام التي لا يمكن التغاضي عنها
مفردات المَثَل النبوي ليست مجرد مفردات لغوية مصمتة ولكنها مجموعة من الكلمات الحية يراد بها التأثير
الرابطة السفنية تشير إلى مدخل السنن القاضية التي لا تحابي أحداً ولا تعطي إلا من وعى بها
إذا كان ما تحدثنا عنه في الحلقة الماضية من هذه السلسلة هو المثل طبيعةً وتوظيفاً؛ فماذا عن مَثَلِ «السفينة» الذي تضمنه حديث السفينة للنبي عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا»(1).
الحديث إذن -بنصه القيّم ومشابهاته العميقة ومقايسته الدقيقة التي تشير إلى جملة من المعطيات والمفاهيم- يكوّن بحق منظومة رؤية متكاملة وشبكة من المواقف، والأحكام، والتقييمات، لا يمكن التغاضي عنها أو التوقف عن استكناه إمكانات التأصيل والتفعيل والتشغيل فيها؛ بلوغاً للمقصود المتعلق باستنباط جوهر معانيه، وعمق مغازيه، فضلاً عن بلوغ الغايات الاجتماعية، والتربوية، والحضارية، المتعلقة بحديث السفينة.
مفردات المَثَل النبوي ليست مجرد مفردات لغوية مصمتة، ولكنها مجموعة من الكلمات الحية يراد بها التأثير الضارب للمثل (والغرض من ضرب الأمثال)، واختير لفظ "الضرب له"؛ لأنه يأتي عند إرادة التأثير –على ما يقول الإمام محمد عبده- ويهيج الانفعال، كأن ضاربَ المثلِ يقرعُ به أُذن السامع قرعاً، ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهي إلى أعماق نفسه(2)، فهو إثارة واستنهاض فكرة، وبيان وتدبر مغزى، هذا بعض ما أراده الإمام من قوله في ضرب المثل.
وأقول ما قال الرافعي عن البيان النبوي: ".. ثم تركت الكلام النبوي يتكلم في نفسي ويلهمني ما أفصح به عنه، فلكأني به يقول في صفة نفسه: إني أصنع أمة، وقد كنت أقرؤه وأنا أتمثله مرسلاً بتلك الفصاحة العالية من فم النبي صلى الله عليه وسلم.. يتكلم بكلام إنساني، وأعجب من ذلك أني كثيراً ما أقف عند الحديث الدقيق، أتعرف أسراره، فإذا هو يشرح لي ويهديني بهديه، ثم أحسه كأنما يقول لي ما يقول المعلم لتلميذه: أفهمت؟ فهو كلام كلما زِدته فكراً زادك معنى، فهو معك على قدر ما أنت معه، إن وقفت على حدٍّ وقف، وإن مددت مدَّ، وما أديت به تأدّى، وليس فيه مما يجتلب له منها (أي الألفاظ) ويستكره على أغراضه (أي الكاتب)، إنما هو كلام قيل لتعبر به المعاني إلى حقائقها، ليس له إلا قوة أمر نافذ لا يتخلف، وإن له مع ذلك نسقاً هادئاً هدوء اليقين، مبيناً بيان الحكمة، ليتوجه بها العالم كأنه منه مكان المحور، ولرأس الدنيا نظام أفكاره الصحيحة"(3).
إشارات دالة
وحتى لا يصرفنا تحليل الحديث -على أهميته- عن إمكانات تفعيله وتشغيله، فسنحاول أن نوضح معاني الحديث النبوي في مجموعة وشبكة من الإشارات الدالة في هذا المقام، يطول بنا المقام لو أردنا تقصيها وتفصيلها تحليلاً وتفسيراً من مداخل عدة وزوايا متنوعة.
في أولها: نحاول بيان الإمكانات المعرفية والعملية للسُّنة النبوية، بالإشارة إلى «فقه السفينة»، المستنبط من حديث السفينة، مرتبطاً بذلك الأصل المكين في الشريعة؛ ألا وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وفي ثانيها: نرسم خريطة الفهم لمفردات هذا الحديث النبوي وشبكة علاقات الفهم التي يؤديها لنا على النحو التالي:
القوم، الاستهام، السفينة، الأدنى والأعلى وحديث الدرجات، المرور الارتفاقي، الحاجات الأساسية (الماء)، التفكير الأخرق والمخروق، قوانين التملك (موضعنا) وقوانين العاقبة، وَهْم انتفاء الإيذاء والغفلة عن السُّنن (ولم نؤذ من فوقنا)، ثقافة الخرق والهلاك، وثقافة التنبه والنجاة، متتبعين الأثر الكبير لكل هذه المفردات والعمليات التي ترتبط بها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كحركة أمة، وعملية مجتمعية، ذات امتدادات إنسانية وحضارية.
مفردات يؤديها الحديث ضمن شبكة تشير إلى تكافل مدخل السُّنن(4) في تفسير بعض ما يدلي به إلينا حديث السفينة، كما يشير الأمر إلى العمليات الواجبة في التفكير والتدبير والتسيير كعمليات لا يمكن التهاون بها أو التهوين منها؛ ومن هنا كان من المهم بعد رسم خريطة أفكار الحديث أن نشير إلى مغزى "الرابطة السفنية" على صعيد ثالث؛ بما تشير إليه من عمليات الفعل، والتفاعل، والتفعيل، والفاعلية، وتشير كذلك إلى مدخل السُّنن القاضية التي لا تحابي أحداً، ولا تعطي إلا من وعى بها، وبشروطها، وسعى لها سعيها، وكذلك مدخل المقاصد الكلية العامة الحافظة.
السنة النبوية

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (الأحزاب: 45)







فقه السفينة في أدوار النبوة ووظائف الرسالة في حديث السفينة








إن هذا الشكل الجامع لأدوار النبوة ووظائف الرسالة للنبي عليه الصلاة والسلام إنما يرتبط بهذا الحديث الجليل من جوامع الكلم، حينما يحددها الخطاب القرآني ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (الأحزاب: 45)؛ فتشكل هذه الأدوار والوظائف فقهاً متكاملاً من حديث السفينة في معنى السنن القاضية؛ شهوداً وشهادة، ومعنى البشارة؛ في فعل الإنقاذ والنجاة، ومعنى الإنذار من سوء العاقبة؛ من هلاك أو غرق، ومعاني الدعوة وآثارها؛ في التماسك والفاعلية الجماعية، والمعاني الواردة في إنارة ورشاد الوعي، والسراج الهادي لسداد السعي؛ فيتحقق المقصود من الوعي والسعي السفني.
الهوامش
(1) صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، (3/ 139) برقم (2493).
(2) في مفهوم ضرب المثل ورأي الإمام محمد عبده في ذلك: محمد جابر فياض العلواني، الأمثال في الحديث النبوي الشريف، القاهرة، المركز العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1993م، ص30 وما بعدها.
(3) في كلام بديع يصف مصطفى صادق الرافعي البيان النبوي: مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، بيروت: المكتبة العصرية، 2002، ج3، ص5 وما بعدها
(4) في المدخل السنني انظر: سيف الدين عبدالفتاح، مدخل القيم إطار مرجعي في العلاقات الدولية في الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ج2 مشروع العلاقات الدولية في الإسلام القاهرة، 1999، ص186 وما بعدها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل