العنوان صراع الثقافات في أمتنا.. إلى أين؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2013
مشاهدات 75
نشر في العدد 2047
نشر في الصفحة 37
السبت 06-أبريل-2013
طرحت سؤالًا على محدثي المهمش ثقافيًا فقلت له لوتصورنا أن امرأة وضعت طفلًا لا يتمتع بمسحة من الجمال، ومع هذا فهو ناقص ليد أو لرجل، ثم رأينا من عرض عليها طفلًا آخر بدلًا من طفلها الأول، جميل الصورة كامل الخلقة بهي الطلعة، وطلب منها التخلص من طفلها الأول حتى تأخذ الآخر ويصير ابنًا لها فهل تقبل أم ترفض؟ قال محدثي: ترفض طبعًا! قلت لماذا؟ والعرض مغر, ولا هضم ولا غبن فيه، طفل جميل بدلًا عن طفل مشوه، قال صاحبي: المرأة لا تحس معه بعاطفة أو حب أو ارتباط وكذلك أبوه، قلت نعم، ولكن لنفرض أن المرأة قد قبلت ذلك، قال صاحبي: تكون مجنونة أو فاقدة العقل.
فقلت إذا فرضنا أن المرأة لا هذا ولا ذاك، واقترح أن تولى هذه المرأة أو هذا الأب الذي يقبل العرض رئاسة أو منصبًا في المجتمع، هل يؤتمن عليه؟ قال صاحبي: لا، لأنه فاقد القلب, فاقد الحب, فاقد الانتماء, فاقد الشخصية, مريض النفس مختل العقل, قلت: فالإنسان إذن تحكمه اعتزازات وانتماءات, وارتباطات, ونفسيات تكون شخصيته, وتشكل كيانه وقواه وفاعليته، قال: نعم وألف نعم، لأن الإنسان ليس جسدًا فقط، بل هو في الدرجة الأولى مجموعة من الأحاسيس والملكات والإدراكات التي تكون فاعليته وشخصيته، وهذه بدهية لا يمكن أن يجادل فيها عاقل أو سوي، قلت: هذه البدهية التي تقررها ويقررها معك العقلاء والأسوياء غائبة عن الكثيرين في بعض الأزمان والأحوال لأمور: لشطحات عقلية، أو تهميشات فكرية, أو غزوات نفسية, تفرغهم من كل هذه المعاني, وتصبهم في هياكل تجرها خيول التبعية, أو تصنعهم في دمي تحركها خيوط السحرة حتى تجعلهم مسوخًا أمام شعوبهم لا تنتفع بهم تلك الشعوب، أو تستفيد منهم هذه الأمم ولا ينتفعون حتى بأنفسهم.. وقد ضربنا هذا المثل المبسط لك ولغيرك حتى يحس الإنسان المسلم أو العربي مدى فداحة المجرم الذي يستدرجه ليتخلى عن إحساساته واعتزازاته وانتماءاته ليصبح فاقد الشخصية مفرغًا من العناصر الفاعلة لنهضة أمة أو قيام حضارة.
والاختراق الثقافي اليوم هو في حقيقته اختراق للهوية بكل المقاييس, ونقصد بالاختراق الثقافي, اختراق ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والاعتزازات والأمال التي تحفظ لجماعة بشرية تشكل أمة أوما في معناها بهويتها الحضارية في إطار ما تعرفه من تطورات بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والأخذ والعطاء، ولذلك فكل أمة تخشى على نفسها هذا المسخ, وكل شعب يتحسب أن يصيبه هذا البلاء يسارع إلى دق الأجراس استعدادًا لهذا الخطر لتحاشي هذا الوباء.
ومسألة الاستقلال الثقافي اليوم تطرح نفسها حتى على الدول الأوروبية كأحد التحديات الكبرى التي تواجهها حتى غدت مصدرًا للقلق، وهذا ما دعا وزير الثقافة الأسبق في المجموعة الأوروبية «كارلو ريبامينا» إلى إصدار تحذير شديد اللهجة, نبه فيه إلى خطر تعرض الثقافات الأوروبية إلى التهميش بسبب زخم الثقافات الأمريكية الغازية, والتي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على العالم وأصبحت تنعت بثقافة «الهامبرجر أو ثقافة الكوكاكولا», إشارة إلى سطحيتها وطابعها التجاري المحض، وليس معنى هذا عدم تعاون الثقافات المفيدة أو تلاقحها والاستفادة من عطاءاتها أو الانتفاع بالتكنولوجيا العلمية التي هي ميراث للجميع.
ولكن ما نقصده هنا هو ثقافة مسخ الشخصية، أو تبديل القيم والاعتزازات وجر الشعوب إلى التبعية, هذا وشأن استقلال الثقافات في الأمم شأن الاستقلال السياسي والاقتصادي، لا يعني بحال من الأحوال عدم الدخول في تعاون أو في علاقة تواصل وأخذ وعطاء مع الغير، بل يعني عدم التبعية للغير تبعية تنال من السيادة الوطنية أو من استقلال القرار، ولما كانت نسبة الثقافة إلى الهوية الوطنية والقومية كنسبة السياسة والاقتصاد إلى السيادة الوطنية, فإنه يمكن القول إن الاستقلال الثقافي معناه عدم التبعية للغير تبعية ثقافية تنال من الهوية الشخصية والوطنية والقومية, وعلى هذا يمكن القول بدون مواربة إن الاختراق الثقافي اليوم قد حل محل الصراع الأيديولوجي دوليًا وقطريًا والمستهدف في كلا الحالتين هو الإنسان والثقافة الوطنية والقومية والعقدية الفاعلة لأمة من الأمم.
وثقافتنا الإسلامية ليست أشباحًا من الماضي أو أوهامًا أو أحلامًا أو نتاج لوثات عقلية أو إلهابات شهوانية، وإنما هي ثقافة فاعلة وغازية وحضارية مبدعة إذا وجدت رجالًا، ولهذا كله نعرف مقدار الجرم الذي تتعرض له هذه الثقافة وتصاب به أمتنا اليوم, بسبب تعرضنا لغزو ثقافي دخيل وبشع يراد منا أن نستسلم له، ويقوده رموز معينة من المخدوعين والدجالين يريدون أن يكتبوا شهادة وفاة لهذه الأمة, ولكن هيهات هيهات, فالثقافة الربانية قاهرة وغالبة, والله متم نوره ولو كره الجاهلون؛ ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (يوسف: 21).