; الفارق بين الدعوة والتنصير (2) صنع الكوارث | مجلة المجتمع

العنوان الفارق بين الدعوة والتنصير (2) صنع الكوارث

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2008

مشاهدات 64

نشر في العدد 1820

نشر في الصفحة 66

السبت 20-سبتمبر-2008

نواصل الرد على تساؤل الغربيين لكثير من المسلمين: لماذا تمنعون حرية التنصير في بلادكم الإسلامية؟ في الوقت الذي تدعون فيه إلى الإسلام في البلاد الغربية وتنشرون فيها دينكم؟

نقول: إن الاجتياح التنصيري لا يخفى أنه يعمل بالاعتماد المتبادل مع قوى أخرى عاتية، ففي مؤتمر كولورادو الذي عقدته الكنائس الأمريكية سنة ١٩٧٨م، لرسم الخطة الجديدة لتنصير المسلمين، أعلنوا أنهم إنما يعملون على تنصير المسلمين بالاعتماد المتبادل مع الكنائس المحلية، وبنص توصيات هذا المؤتمر يجب أن يتم كسب المسلمين عن طريق منصرين مقبولين داخل مجتمعاتهم، ويفضل النصارى العرب في عملية التنصير.

كما يعمل هذا الاجتياح التنصيري بالاعتماد المتبادل مع المد الاستعماري الغربي في ديار الإسلام، فالجيوش التي زحفت على العراق في مارس سنة ٢٠٠٣م قد دخل في ركابها (۸۰۰) منصِّر من عتاة قساوسة اليمين الديني الأمريكي، معلنين -كما جاء في نيويورك الأمريكية- أنهم قد جاءوا لنشر المسيحية في بغداد!!

وفي هذه البلاد التي ابتُليت بالغزو الاستعماري، يصنع الاحتلال الكوارث التي تخل بتوازن الضحايا، ليأتي المنصِّرون يقدمون المعونات لهؤلاء الضحايا في مقابل تحولهم عن الإسلام. وبنص وثائق: «مؤتمر كولورادو»: 

«فإنه لكي يكون هناك تحول إلى النصرانية، فلا بد من وجود أزمات ومشكلات وعوامل تدفع الناس خارج حالة التوازن التي اعتادوها، كالفقر والمرض والكوارث والحروب والتفرقة العنصرية والوضع الاجتماعي المتدني، وإن إحدى معجزات عصرنا أن احتياجات كثير من المجتمعات الإسلامية قد جعلت حكوماتها أكثر تقبلًا للنصارى والمنصرين». 

فالاستعمار يصنع الكوارث في البلاد الإسلامية، والتنصير يستغل هذه الكوارث التي يعدها المنصِّرون «معجزة العصر»، كي يبيع الضحايا إسلامهم لقاء كسرة خبز أو جرعة دواء. وعلى أرض كثير من البلاد الإسلامية التي اجتاحتها الجيوش الاستعمارية، وفي معسكرات ومخيمات اللاجئين المسلمين الذين يمثلون أغلبية اللاجئين على نطاق العالم، يتم هذا المخطط للتنصير في أفغانستان والعراق والسودان والصومال والشيشان وداغستان وإندونيسيا والفلبين... إلخ. 

كذلك يعمل هذا الاجتياح التنصيري بالاعتماد المتبادل مع ركائزه التي أقامها في البلاد التي احتلتها جيوش بلاده الاستعمارية. وكنموذج لذلك كوريا الجنوبية؛ فلقد احتلتها الجيوش الأمريكية عقب الحرب العالمية الثانية، وحولتها إلى قاعدة عسكرية أمريكية. ثم جاءت الكنيسة الأمريكية لتنصِّر ربع سكان كوريا الجنوبية ولتجعل كنيسة «صايمل» التابعة لليمين الديني الأمريكي قاعدة دينية تزامل القاعدة العسكرية، وليعمل المنصرون الكوريون مع المنصرين الأمريكيين جنبًا إلى جنب وبتمويل أمريكي، حتى لقد بلغ عدد المنصرين الكوريين الرقم التالي -على النطاق العالمي- لعدد المنصرين الأمريكيين! 

ولقد أرسلت هذه الكنيسة الكورية إلى البلاد الآسيوية وحدها «١٦,٠٠٠منصر»، كان نصيب البلاد الإسلامية منهم «٢٥%» من هؤلاء المنصرين الكوريين. بل لقد امتد نشاطهم إلى القارة الإفريقية، وإلى مصر بلد الأزهر الشريف، فنشرت صحيفة «الأهرام» في 10/٩/2007م أن هؤلاء المنصرين يعملون تحت لافتات أخرى في عشر محافظات مصرية!! 

كذلك يعمل هذا الجيش التنصيري العالمي -باعتراف وثائق مؤتمر كولورادو- بالاعتماد المتبادل مع العمالة المدنية الغربية المنتشرة في مختلف بلاد الإسلام، وهي العمالة التي يفوق عددها عدد المنصرين الرسميين مائة ضعف!! فيدربها المنصِّرون الرسميون على التنصير في معسكرات منظمة، ويوجهونها إلى تنصير المسلمين وخاصة في البلاد الإسلامية التي لا تفتح أبوابها للمنصرين الرسميين!

فهل بعد هذه الإشارات وهي مجرد إشارات إلى حقائق الاجتياح التنصيري، يكون هناك وَهْم عن وجود تكافؤ في موازين القوى بين الدعوة إلى الإسلام وبين التنصير، حتى يكون هناك تساؤل: لماذا يمنع المسلمون في بلادهم حرية التنصير لقاء حريتهم في الدعوة إلى الإسلام؟

 بل إن هذا المخطط التنصيري يعترف بأنه في سبيل تنصير المسلمين يلجأ إلى «الميكيافيلية» وتنحية القيم والأخلاق، فهم يعلنون عزمهم على اختراق القرآن بدلًا من مواجهته، وصب المضامين النصرانية في مصطلحاته وتأويلاته، وكذلك العمل من خلال الثقافة الإسلامية! وفي ذلك يقولون: «من الممكن في بعض الأحوال الذهاب أبعد فيما يتعلق باستعمال المصطلحات القرآنية، مع اهتمام خاص إلى الثقافات الإسلامية، وتكييف اللغة لحروف خاصة، واستعمال الألقاب التبجيلية والتعبيرات القرآنية؛ وذلك مثل استخدام «بولس الرسول» للإله الإغريقي المجهول!».

وكذلك إيقاع الأطفال غير المميزين في حبائلهم، وفي ذلك يقولون: «وتسعى «رابطة تنصير الأطفال» و«إرسالية الخدمات الخاصة» لاستمالة الأطفال إلى جانب المسيح عن طريق تنظيم اجتماعات الأطفال وتجمعاتهم في مدرسة يوم الأحد، وتقديم الوسائل السمعية والبصرية لتشجيع الأطفال على تسليم أرواحهم للمسيح». 

فبعد اصطياد الضحايا الذين أخلت الكوارث بتوازنهم، يصطادون الأطفال قبل سن التمييز، بل إن هذه المنظمات التنصيرية تمارس -تحت لافتات المنظمات الخيرية والإغاثية- عمليات خطف الأطفال لتنصيرهم. حدث ذلك إبان حرب البوسنة والهرسك «۱۹۹۲- ۱۹۹5م»، وأثناء كارثة «سونامي» الذي أصاب إندونيسيا المسلمة سنة ٢٠٠٦م، وأطفال دارفور السودانيين، وأطفال تشاد. ولقد تفجرت أحدث فضائح اختطاف الأطفال المسلمين التشاديين في نوفمبر سنة ۲۰۰۷م، وأحدثت أزمة مكتومة بين تشاد وفرنسا. كما اشتكى من هذه النخاسة التنصيرية الرئيس السوداني عمر البشير يوم ١٤ نوفمبر سنة ٢٠٠٧م، وأذاعت ذلك كله أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.

(*) كاتب ومفكر إسلامي

الرابط المختصر :