العنوان شِعر نجيب الكيلاني بين مقتضيات الرسالة وآفاق التطور
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 13-فبراير-2010
مشاهدات 76
نشر في العدد 1889
نشر في الصفحة 44
السبت 13-فبراير-2010
- كان لتجربة السجن مكانها الرحب في شعر نجيب الكيلاني ولم تتوقف التجربة عند تصوير المعاناة الذاتية بل امتدت إلى نقد للحكام الذين اختلت في حياتهم المعايير.
«في بحثه الممتع الذي قدمه المؤتمر الأدب الإسلامي في خدمة الدعوة يستعرض د. جابر قميحة ملامح الالتزام في شعر الأديب الكبيرد. نجيب الكيلاني-يرحمه الله-مستشهدًا بالعديد من المقطوعات الشعرية التي تبرز هذا الجانب من حياته الشعرية ثم يتابع مسيرة الشاعر الفنية ليضع أيدينا على المراحل التي تطور شعره من خلالها وما وصل إليه من نضج وتألق.
وفي الصفحات التالية نعرض لأهم ما جاء في بحث د. قميحة ليكون في متناول الجميع من مرتادي الساحة الأدبية ومتذوقي الشعر الأصيل».
مرحلة الامتداد الناضج
والترتيب الزمني لطبع دواوينه بعد ذلك يأتي على النسق التالي:
1. عصر الشهداء.
2. كيف ألقاك.
3. مهاجر.
4. مدينة الكبائر (١).
وهذه الدواوين مضافًا إليها بعض قصائد ديوانه المخطوط «أغنيات الليل الطويل»، تمثل مرحلة فنية في مسيرته الشعرية يمكن أن نطلق عليها مرحلة «الامتداد الناضج».
1. فقد كانت مضامين هذه الدواوين مرتكزة على المضامين الفكرية والموضوعية والفنية لديوان أغاني الغرباء»، وامتدادا لهذه المضامين.
2. كما أن هذه المضامين جاءت في صورة ناضجة، وبعضها-بل كثير منها-أوسع مدى، وأنضج فنا، وأعمق فكرا من مضامين «أغاني الغرباء» وهذا ما نفصل فيه القول فيما يأتي:
كان لتجربة السجن مكانها الرحب في «أغاني الغرباء»، كما عرضنا ببعض التفصيل سابقا-وقد أنجبت هذه التجربة ما أسميناه بالسجنيات أو أدب السجون الشعري، ولم يتوقف هذا النوع من الأدب بخروج نجيب من السجن، بل أخذ طريقه وامتداداته الحميدة إلى قصائد ما بعد أغاني الغرباء، واتسعت دائرته وعمقت معانيه، ولم تتوقف التجربة عند تصوير المعاناة الذاتية، ولكنها أخذت في بعض امتداداتها صورة نقد مر للحكم والحكام الذين اختلت في حياتهم وأنظارهم المعايير؛ فالجلاد لم تعد مهمته محصورة داخل أسوار السجون بل امتدت مهامه واتسعت دوائر هيمنته، وأصبح الأنقياء والأبرياء-خارج الأسوار-في عداد المجرمين الأشقياء:
فالحرف أمسى مشنقة
والرأي إثم سادر
إن تبتسم فأنت ساخر
وقبضة الجلاد قادرة
إن تمتعض فذاك جرم بالغ
وقبضة الجلاد قادرة
وإن تبللت أهدابك السوداء
فأنت حاقد على الأوضاع
حرب على الجياع
ومنجزات الثائرين
وأمنيات المتعبين (۲)
محنة أمة
وصور هذا الأدب كيف أصبحت المحنة محنة أمة بأسرها مزقها بغي الظالم وجوره، كما يقول الكيلاني:
قد أحال البغي اللئيم بلادي
بعد إذلالها بقايا خرائب
أقفر الساح من هتاف شجاع
يرخص الروح لا يهاب العقارب (۳)
والحكام الظالمون ساديون يسعدون بشقاء الأمة، وعذاب الناس على حد قول الشاعر:
من أسانا صاغنا القهر دمي
يتلهى برؤاها الحاكمون
حطموا الكأس على أفواهنا
وبآلام الضحايا يهزؤون
وفي هذه الحال المنكودة يتحول الوطن الكبير إلى مدينة الكبائر» التي تعيش على القيم والمعايير الخسيسة المختلفة، فلا مكانة، ولا «شرف» فيها إلا لكل أثم لص، وداعر حقير:
ما أرخص الإنسان في مدينة الكبائر !!
ما أبشع الإنسان في مدينة الكبائر !!
ما أحقر الإنسان في مدينة الكبائر !!
إذ ليس في لصوصها شريف
النذل حر
اللص حر
وكل من يدمر النقاء والوفاء والصفاء حر
ومن يغلل الأحرار والأصهار حر
فكيف يا مدينتي
أصبحت مأوى العهر والقراصنة؟
وصرت يا مدينتي مستنقعات آسنة ؟ (٤)
نزعة صوفية
وفي «أغاني الغرباء» نزعة صوفية تظهر فيها بصمات «محمد إقبال»، فقد كان نجيب معجبًا به وبفلسفته، وكتب عنه كتابًا فاز بجائزة حكومية، وتظهر هذه النزعة في قصيدة له بعنوان «القلندري الجديد»، والقلندرية طائفة من الصوفية لها بعض انحرافات، وجاء الشاعر الفيلسوف محمد إقبال، وجعل من القلندري نموذجا لفلسفته الجديدة، ونفى عنه انحرافاته وتهويماته، بحيث أصبح تجسيدا لأفكار إقبال وفلسفته الإسلامية، والشاعر نظم هذه القصيدة سنة ١٩٥٦م في ذكرى إقبال، واستوحاها من فلسفته العظيمة(5)، وفيها يقول:
وهبت للحق نفسي ملأت بالصفر كأسي
لله صمتي وهمسي وثورتي. وسكوني
وحـــــــــــــــــاضـرى وتـلادي
ولكن هذه النزعة-بعد أغاني الغرباء-تطورت من «التجردية الروحية» إلى «المعايشة الفعلية» لواقع الأمة العربية والإسلامية: تصويرا شاكيا دامعا ، واستصراخا ، واستنهاضا قويا دافعا ؛ ففي قصيدة في الطريق إلى يثرب (6) ، بعد أن يتحدث الشاعر عن ذوب الجوى»، واهتزازات الشوق»، و«خفقات القلب»، و«نبع الهدى»، و«الحب المكين»، يتجه بحديثه إلى رسول الله ﷺ قائلا:
يا نبي الله جئنا أمة
هدها الخلف وأدماها المجون
وسرى الخوف إلى أربعها
كولوغ الداء في القلب الحزين
نسيت تاريخها وانفلتت.
تسأل الأشباح عن معنى اليقين
وتراث الدين أضحى كومة.
من دمار وضياع وظنون (۷)
ومثل هذا الشاعر لا يعيش وتستقيم حياته إلا على الحب الحب النقي الطاهر العلوي، الذي ينعكس في سلوك الناس وأخلاقياتهم، ومن أجل الحب الذي افتقده في الناس فلم يجده هاجر من وطنه إلى الخليج، فيقول:
ولما رأيت الناس ألقوا زمامهم
لباغ وباؤوا بالأسى والسلاسل
هجرت بلادي وانطلقت منقبًا
عن الحب لا أصغي لقولة عاذل
هو الحب داري وانتسابي وموطني
فهل بعد ذاك الحب قول القائل ؟ (۸)
وتتسع صوفية الشاعر، وأحيانًا ما تسترجع قاعدتها العامة الأولى، ولكن بلا تجريدية أو مثالية نظرية، وذلك حين تمتلئ النفس بالنور الأسمى، فينعكس ذلك في سلوك عملي يحب ويرحم الكائنات الصائتة والصامتة:
يا أهل النظرة والفطنة
املأ قلبك بالنور الأسمى
وانثر صلواتك حبًا قدسيًا
لا تأسر عصفورًا يصدح فوق الغصن
الهدهد يعلم مالم يعلمه نبي الله
من ومضة عشق
وقطرة نور
سجد الكون لرب الكون (9)
ونلاحظ أن كل ديوان من دواوين الكيلاني- باستثناء ديوان «نحو العلا»- يأخذ عنوان إحدى قصائده، وعنوان الديوان أو القصيدة يشي-إلى حد ما بمضمون القصيدة، وبتعبير أدق يشي بجوها أو بصبغتها العامة، وعلى الباحث ألا يسرف في تضخيم هذه الدلالة-كما فعل أحد النقاد (١٠)-وإن عاد فاعترف-في آخر بحثه بأن دراسة العنوان مهما بلغ شأوها فإن متن القصيدة يشكل عمق دلالتها وقواعدها الخلفية، لأن العنوان سطح يجد عمقه في متن القصيدة (11).
من ظواهر التجديد
وثمة ظاهرة من ظواهر التجديد في شعر الكيلاني في هذه المرحلة بصفة خاصة وهي ظاهرة السرد المتتابع تتابعا متلاحقا بدون أدوات الربط وحروف العطف وما شابه ذلك اعتمادا على الربط النفسي، وهي ظاهرة من ظواهر التجديد في القصة الحديثة، ونرى هذه الظاهرة في عدد كبير من قصائد الكيلاني حتى قصائده غير القصصية. مثل قصيدة الأمل الحزين». وفيها يقول:
عصفت ريح السموم
بندى الأشواق والروح العظيمة
خنقوا المصباح في يوم تعس
حيث تجتاح الشياطين الرجيمة
كل خير
زرعوا في أرضهم كل نجس
هتكوا ستر العفاف (۱۲)
وفي شعر هذه المرحلة «مرحلة الامتداد الناضج» غلب الطابع القصصي على أغلب القصائد وتنوعت الأشكال القصصية فمن قصص السجون «زلزال الرفض» (۱۳)، ومن القصص الرمزي قصيدة «الذئب» (14) و«ليلى المريضة» (١٥)، ومن قصص القناع «بين عنتر وعبلة» (١٦)، ومن أقاصيص الأحداث اليومية «أم الخبائث» (١٧).
كما أفاد الكيلاني-إلى حد بعيد-من التقنيات الحديثة في فن التشخيص-فن رسم الشخصيات CHARACTERIZATION بأبعادها الثلاثة الخارجية أو البرانية والداخلية أو الجوانية والاجتماعية، وكذلك من تقنيات الحوار بنوعية الخارجي «الديالوج» والداخلي «المونولوج»، ومن فنون السيناريو والارتداد FLASHBACK، واللقطات المقتطعة CUT AWAY
الهامش
1. ولنجيب الكيلاني ديوانان مخطوطان-كما ذكرنا من قبل. وهما يمثلان مرحلة فنية أخرى في مسيرته الشعرية سنعرض لها فيما بعد إن شاء الله. والدواوين الأربعة السابقة طبعت بعد هجرته لدبي، ولكن قصائدها-أو أغلبها-يشي بأنها نظمت قبل هذه الهجرة.
2. الكيلاني، عصر الشهداء، 38-39
3. الكيلاني، كيف ألقاك ١٠.
4. عصر الشهداء ۲۹
5. أغاني الغرباء، ۲۲.
6. عصر الشهداء، مرجع سابق ۲۹-۳۲
7. المرجع السابق، ۳۱ وانظر كذلك قصيدة «أرض الأنبياء».٤٤، وقصيدة في« رحاب المصطفى»، ۸۳-٨٥
8. من قصيدة «مهاجر»، دیوان مهاجر ۳۰
9. الكيلاني، من قصيدة في ملكوت الله من ديوان« أغنيات الليل الطويل»، مخطوط
10. عبد الوهاب راجي في دراسة له بعنوان «حول ظاهرة العنوان في ديوان عصر الشهداء لنجيب الكيلاني»، ١٤٣-١٥٩، «المشكاة» العدد ٢٣ السنة السادسة.
11. المرجع السابق، ١٥٨
12. عصر الشهداء مرجع سابق، ۲۲ وانظر كذلك: قصيدة «القدس»، ۷۰.
13. دیوان مهاجر ۲۵-۲۷
14. المرجع السابق، ٤٣-٣٩
15. دیوان عصر الشهداء، مرجع سابق، ٦٦-٦٩.
16. المرجع السابق ٥٥-٦٢
17. ديوان كيف ألقاك، مرجع سابق، ۲۲
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل