; المجتمع الثقافي: (العدد: 1887) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: (العدد: 1887)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 30-يناير-2010

مشاهدات 70

نشر في العدد 1887

نشر في الصفحة 44

السبت 30-يناير-2010

شعر نجيب الكيلاني

بين مقتضيات الرسالة وآفاق التطور الحلقة (٣)

  • ديوان الكيلانى لا يخلو من آيات بارعة في البيان والتصوير على غرار حماسيات العصر العباسي في شعر بشار والمتنبي. 
  • آثار المرشد العام حسن البنا وصالح عشماوي ومحمد الغزالي من مقروءات الكيلانى التي كونت نسيجه الثقافي وغذت تجارية الأدبية والشعرية.
  • تجارب الإخوان المسلمين النقدية لأدب الكيلاني جعلته من أوضح المعالم وأقواها في المدرسة التي تبتعد عن أدب الجنس والتحلل

في بحثه الممتع الذي قدمه لمؤتمر الأدب الإسلامي في خدمة الدعوة يستعرض د. جابر قميحة ملامح الالتزام في شعر الأديب الكبير نجيب الكيلاني – يرحمه الله – مستشهدًا بالعديد من المقطوعات الشعرية التي تبرز هذا الجانب من حياته الشعرية ثم يتابع مسيرة الشاعر الفنية ليضع أيدينا على المراحل التي تطور شعره من خلالها وما وصل إليه من نضج وتألق. وفي الصفحات التالية نعرض لاهم ما جاء في بحث د. قميحة ليكون في متناول الجميع من مرتادي الساحة الأدبية ومتذوقي الشعر الأصيل. 

تناولنا في العددين الماضيين الرسالة الشعرية عند الشاعر نجيب الكيلاني. ثم الشاعر المثالي، واليوم نحاول مواكبة مسيرة الكيلاني الشعرية التي خضعت في درجات متفاوتة لمنطق التفاعل تأثرا وتأثيرا بالمعطيات الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية. 

المرحلة الأولى: مرحلة البداية والترسم: 

بدأ نجيب الكيلاني شاعرًا قبل أن يكون قصاصًا وروائيًا، ففي مستهل حياته الأدبية –وقبل أن يتجه إلى القصة– عاش محبًا للشعر مشغوفًا به يحفظ كثيرًا منه الفحول الشعراء ويحاول تقليد كبارهم. ونظم بعض القصائد في حياته الأدبية الباكرة وهو طالب في المرحلة الثانوية، وكانت منظوماته الشعرية الباكرة تحفل بالموضوعات التاريخية والدينية والمناسبات السياسية، وكان يحلو له يكون شاعر الحفل في المناسبات الشائعة آنذاك (1). 

ولكن هذا الاتجاه الجاد القوي إلى الشعر لم يستمر طويلًا، فاتحه إلى القصة لأنه– على حد قوله استطاع أن يجد فيها مجالًا أرحب لما يريد أن يقوله (2). وهو لم يعط القصة حقها من الوقت والجهد إلا بعد أن حوكم سياسيا، وصدر ضده حكم بالسجن عشر سنوات مع الشغل، فأصبحت القصيدة من وجهة نظهره– أضيق من أن تحمل ما يثور في داخله من براكين، وما يعتمل في نفسه من مشاعر الغضب والضيق والثورة (3).

 أول الدواوين:

 وطبع نجيب أول دواوينه – وهو في أواخر المرحلة الثانوية – سنة ١٣٦٩هـ / ١٩٥٠م، وعنوانه نحو العلا، وفوق العنوان – على الركن الأيمن من الغلاف – كتب الرسالة الأولى، وهذا يوحي بأن «نجيب» كان يتطلع إلى طبع سلسلة من الدواوين بعد هذا الديوان الباكورة، كما يشي بمفهوم نجيب للشعر، وإيمانه بأنه رسالة إنسانية وأخلاقية، وهذا ما التزم به طيلة حياته– كما ذكرنا. 

ولطبع هذا الديوان ونشره -أو توزيعه– قصة طريقة يحكيها الكيلاني نفسه فيقول: كان ثمنه خمسة قروش، وقد تكبدت المتاعب في نشره على نفقتي الخاصة وفي توزيعه، ولم يكن أمامي سوى أن أطبع إيصالات کی انقاصي جزءًا من ثمنه قبل صدوره حتى استطيع الوفاء بالتزامات المطبعة وإني لأتذكر كيف عجزت عن توزيع النسخ القليلة التي طبعتها. ووضعت نفسي في مارق شديد مع صاحب المطبعة لولا أن سخر الله لي أحد زملاء الفصل، إذ أتى إلى وقال أن والده مأمور أحد المراكز القريبة، وأنه قد تبرع بتوزيع مائة نسخة دفعة واحدة على عمد القرى ومشايخها وأعيانها، وتسلمت ثمن المائة نسخة دفعة واحدة والحمد لله، فانتهى الإشكال (4).

 وقد أهدى الشاعر ديوانه إلى المدرسين لأنهم رياحين الدنيا وأزاهير الحياة، وهم ملائكة الرحمة ورسل الخير بين العالمين وهم شموع نضيء لمن عداها، وتحرق نفسها في أن واحد، وهم مع ذلك يلقون الحياة باسمين قانعين».

 تتصدر ديوان نجيب مقدمة كتبها أستاذ اللغة العربية عبد الستار عجور، وكانه في هذه المقدمة كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق فقد حقق الله لنجيب ما رآه الأستاذ بنظرة مستقبلية ثاقبة، وفي هذه المقدمة يقول الأستاذ عجور: وأصدق الرأي فيك يا نجيب –وديوانك هذا باكورة إنتاجك الأدبي- أن سيكون لك على الزمن ديوان شعر ضخم (5)، ويومذاك ينقده الناقدون ويدرسه الدارسون .. ومن حقك علي نجيب أن أقدمك إلى عالم الأدب، وأنا عظيم الثقة بأنه سيكون لك فيه شأن، أي شأن وألمح فيك ثورة التوثب. وتوقد العزم وسطوة السلينة، وتلك صفات توفي بك على مشارف الكمال الأدبي بعد حين صخر وليس ذلك على الله ببعيد». 

وصدقت نظرة الأستاذ في تلميذه، وأصبح نجيب شاعرًا وأديبًا له مكانه ودويه، على مستوى الوطن العربي والوطن الإسلامي، وأصبحت شخصيته وأدبه – بألوانه المختلفة – موضوعات يكتب فيها للحصول على الدرجات الجامعية كالماجستير والدكتوراه، كما ترجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية.

وقصائد هذا الديوان ليست كل القصائد التي كانت في حوزة الشاعر، فقد صرح أنه كان لقصائد الديوان  في حوزته ابداك قصائد عاطفية لم يضمها لقصائد الديوان (6). 

وتعالج قصائد الديوان موضوعات تاريخية ودينية ووطنية، وتسري في أعطافها عاطفة دينية قوية، وتتردد فيها أفكار الإخوان المسلمين وشعاراتهم. 

يقول نجيب: «والواقع أنني في هذه اللقاءات والاحتفالات سمعت ألوانًا من الشعر السياسي والديني لها نكهة خاصة، وكانت تتميز بالقوة والجزالة والحماسة، ويغلب عليها الطابع الخطابي الذي يؤثر فينا –نحن الشباب– تأثيرًا عميقًا» (7). 

وقصائد الديوان كلها من الشعر الخليلي وأغلب القصائد جاء على الكامل، يليه «البسيط»، ثم «الخفيف»، ولم يستخدم «الوافر» إلا مرة واحدة في قصيدة عنوانها «البؤساء» (8). 

ويكاد يكون الديوان بريئًا من الكسور والعيوب العروضية، كما يقطع مستواه الفني والموضوعي بأنه قد سبقته بدايات أقل نضجًا. 

ولغة الديوان سليمة سديدة بعيدة عن التكلف والتصيد إذا استثنينا بعض الكلمات المجلوبة للقافية أو لضرورة الوزن، وفي عباراته قوة وجزالة، ولكنه –في صوره بخاصة– يجنح للتقليد، متأثرًا بالأنماط الخيالية القديمة. كما أن توظيفه للأعلام والوقائع التاريخية غلب عليه الرصد التسجيلي.

 ولكن الديوان لا يخلو من آيات بارعة في البيان والتصوير –على تقليدية الخيال– مما يذكرنا بحماسيات العصر العباسي في شعر بشار والمتنبي. كما نرى في الأبيات التالية من قصيدته «خالد بن الوليد» (9). 

عد يا زمان إلى الوراء لأنني *** للخالدين ونبلهم غيار..

قوم خفاف في الشدائد رغب *** في المجد لو رغبوا النجوم لطاروا

تلك الفيافي الجهم لم تر مثلهم *** في الحادثات إذا دعاهم ثار

 ويخاطب خالد بن الوليد في نهاية القصيدة قائلًا:

تغزو وتفتح والحياة ضحوكة *** والحظ يقبل والرغاب غزار

وإذا بصوت الموت يهتف قائلًا: ***أقبل عليك من الخلود ستار

والمرء يخلد بالصنيع فإن يمت *** ستضم حسن فعاله الأسفار

ذكر جميل والخلود تذكر *** والذكر في شتى العصور منار

وكان نجيب طلعة محبا للقراءة منذ صغره، ومن ثم كان له ثقافته الأدبية الذاتية، فقرأ كثيرًا جدًا في المرحلة الثانوية التي استمرت خمس سنوات انتهت سنة ١٩٥٠م، ومن أهم ما قرأه ودرسه بدقة في هذه الفترة ديوان علي الجارم والشوقيات، ومسرحيات شوقي، وديوان حافظ إبراهيم، وديوان إسماعيل صبري، والجزء الذي صدر من ديوان البارودي، وبعض دواوين الشعراء الصوفيين، وكان ترتيبه الثاني على مستوى مصر كلها في مسابقة التوجيهية للغة العربية التي كانت تعقدها وزارة المعارف المصرية، ولهذه المسابقة درس ديوان المتنبي مشروحًا، وكتاب طه حسين عنه ومسرحية «اليوم خمر» لمحمود تيمور وحديث الأربعاء لطه حسين، ورواية هاتف من الأندلس لعلي الجارم، وكثيرًا من آثار الحكيم، والرافعي، وعلي أحمد باكثير. كما قرأ آثار المرشد العام حسن البنا، وصالح عشماوي، ومحمد الغزالي ومحمد عبدالله السمان (۱۰). 

وكل هذه المقروءات كونت نسيجه الثقافي، وكان لها أثرها الكبير في تغذية تجاربه الأدبية والشعرية، وجعلته يرتاد طريقه بخطى ثابتة لا تعرف التعثر فكان أهم ما يتميز به من ناحية الشكل– سلامة الأسلوب وصحته لغويًا وقاعديًا، وهذا ما يفتقر إليه كثير من الأدباء الذين يعتمدون على مواهبهم الخاصة، ويعقلون عملية التثقيف الذاتي بالقراءة وسعة الاطلاع. 

على أنه كان معجبًا دائمًا بأدب الإخوان المسلمين وذلك لأنه كان متفردًا بطابعه الخاص، كما كان للإخوان تجارب نقدية حول ما يقدم من أدب معاصر وكانت هذه التجارب تنحي باللائمة على أدب الجنس والتحلل (11).

 وقد سار نجيب– في شعره ونقده وإبداعه الرواني في الدرب نفسه، فكان من أوضح المعالم وأقواها تمثيلًا لهذه المدرسة، كما سنرى. 

المراجع:

  1. الكيلاني رحلتي مع الأدب الإسلامي ١٠، وانظر له تجربتي الذاتية في القصة الإسلامية ١٤٥.  
  2. المرجع السابق ٢٢٥ وارجع إلى الحوار الذي أجراه معه محمد عبد الشافي المجلة العربية الرياض ذو القعدة ١٤١٣هـ. 
  3. انظر تجربتي الذاتية في القصة الإسلامية ٢٢ 
  4. رحلتي مع الأدب الإسلامي ۱۰-۱۱
  5.  صدر لنجيب الكيلاني بعد ذلك خمسة دواوين هي «أغاني الغرباء» عصر الشهداء.. كيف القاك ؟.. مدينة الكبائر مهاجر، وله ديوانان مخطوطان هما أغنيات الليل الطويل، «لؤلؤة الخليج» انظر: حوار مع نجيب الكيلاني من إعداد زوجته «مخطوط». 
  6. من حواره مع زوجته «مخطوط».
  7.  لمحات من حياتي ١٢٣/ ١. يقول نجيب وقد حضر حفلًا للإخوان في مدينة ميت عمر وهو طالب في الصف الأول الثانوي – وكان الحفل بمناسبة الهجرة كنت استمع إلى شاعرهم الذي سيطر على لبي وهو يحكي في شعره قصة الهجرة، وعظمة الرسول ووفاء أبي بكر، واستمعت إلى الخطباء، إنه أسلوب جديد في الخطابة والاحتفال بالنسبة لي وتفتح قلبي وعقلي لما أسمع ... اللمحات السابق ١٠/١ 
  8. نحو العلا، ٦١. 
  9. المرجع السابق ١٤ – ٢١.
  10.  رحلتي مع الأدب الإسلامي مرجع سابق ۱۰ 
  11. المرجع السابق ١٢


قصة قصيرة

عصيان..!

محمود حسین عیسی 

لأول مرة تعصى له أمرًا.. ينظر إليها بطرف حتي مستنكرًا... لا تغيره اهتمامًا... يثيره موقفها ۱۰۰ تتعالى درجات انفعاله... فهو لم يعتد رد أمره... يزجرها... لا تحرك ساكنًا... تتوالى إشاراته إليها, يجتهد في تحريكها.. لا فائدة ... إنها ساكنة..! 

  • يتساءل مندهشًا: ماذا حدث لها..؟! لم تجرؤ يومًا على عصيان أمري... 

أماتت.. ؟! 

أتتركني وحيدًا..؟! 

لن أستطع الحياة دونها...!

كيف ألفق..؟! 

كيف أبطش..؟!

يعيد النظر إليها!.. يتحسسها! يتهلل وجهه.. ما زال في عروقها نبض..!

تنتفض..! توجه سهام نظراتها إليه..!

تقول متحررة من سيطرته لا أمر لك اليوم على...! 

تصدمه كلماتها.. يحملق في عينيها..! يردد: نظراتها مرعبة..! 

ينخلع قلبه من مكانه..!  يريد الفرار ...! 

كل الطرق مؤصدة..! 

– تحدثه نفسه: كأنها عدو..! لن تقدر على مواجهتها..!

 يلملم شتاته..! يستعطفها..! يذكرها: ألم تكوني..؟!

تجيبه نعم..! ولكن الآن لا..! 

لا يكاد يصدق ما تسمعه أدناه يتمتم بكلمات مبعثرة..! كيف..؟ كيف..؟ ماذا حدث.؟! 

 تجيبه في حرم ساحرة انتهى دوري معك...!

 – كيف.. وانت؟! 

– هكذا أعماك غرورك عن هذه الحقيقة..! سأكون شاهدة لك وعليك...! 

يصرخ في صمت.. فزعًا. 

– كيف تشهدين علي وانت..؟!

الجزاء من جنس العمل  أنت المسؤول ولست أنا...!

 لا لن أسمح لك..! . فعندي من هو أفصح منك...!

 سيحاجك وينتصر لي ألم يحزني في شهادة قط ... يستصرحه أيأمره..! 

تحدثه نفسه لا محبب أتأمر معها..؟

 يعاجلها: لا هو حليفي قريني الم يجد لني يومًا...!

 يقترب منه ينظر إليه ترتعد فرائصه من حدة نظراته.

 تحدثه نفسه عيناه يتطاير منها الشرر...! 

  • يستجمع قواه.! يحثه! يطلب دفاعه.! يذكره بنصرته في الباطل قبل الحق...! 
  • يجيبه في حسم انتهى دوري معك..! 
  • كيف وأنت ما زلت ملكي..! 
  • هكذا أعماك غرورك.! انظر إلى أقف في مواجهتك لم يعد لك سلطان على أشاهد لك وعليك...! 

يسمع صراخًا.!  يشعر بلهيب يلفح وجهه...!  

يتساءل وقد ملأ الرعب كيانه ما هذا.؟! 

تجيبه نفسه إنها جهنم..!

 ينظر اليها وقد أسودت.! واشتد غيظها..! وتعالت صرخات أهلها...!  يتجه نحوه خطافها..! يقترب منه! يحطمه! يهوى به..!

 يصرخ صرخة مدوية تفرع زوجته..! تلاحقه بالأدعية وهي تناوله كأس الماء يجهش في بكاء مرير! يعلو تجيبه  تربت على يديه.! يقص عليها ما رأى! تسيل دموعها .! 

يردد باكيًا عامًا لن أعود...! لن أعود..! 


واحة الشعر

صرخة أخرى على فلسطين

شعر: عبد الغفور ليوال

ترجمة: حميد الله محمد شاه (*) 

اه بلاد داود وسليمان!

اختلط التراب بالدم فصارت طينًا دمويًا

أخذت الجدران لون صرخات الإنسان المحروقة

الآن نشاهد في صورتك القائمة أشياء جديدة

الرصاص كيف ينهش جسد الطفل؟

كيف يحتضر الشاب؟

ويعض على الأرض!

كيف رفعت أم وجهها إلى السماء صارخة

الوليد الوسيم ذو الأربعة أشهر

يلعب بالدم النافر من قلبه

في زمن الحرب

قرب جدران الأقصى تتعالى

صرخات الشباب عند الحائط المبكي موسى

عيسى

ونبي آخر الزمان

ما رأوا بمنامهم هذا القدر الغزير من الدماء..؟

إنسان!

مثل الذئب الجائع

يشحذ أنيابه بلحوم البشر

هذا الإنسان!

على وجه الأرض

نصبتموه خليفة المخلوقات

على دم الطفل

يكتب أدعية مذهبة بكل فخر واعتزاز

الآن يفتش

عن رضا الإله في غمار الأصوات الثكلى

آه!

بلاد داود وسليمان!

مرة أخرى ارفع يديك الجريحة

نحو السماء

واستنجد بكل الأرواح

اسألها مرة واحدة لماذا يحدث هذا؟ أليست هذه القلوب من لحم؟

أغنية أنياب الذنب على أوتار

لحم الطفل

تجعل الإنسان يتلذذ بأغنيته

کابل– أفغانستان

الرابط المختصر :