; سياحة القلب المؤمن: محبة الله: أسبابها.. علاماتها.. نتائجها | مجلة المجتمع

العنوان سياحة القلب المؤمن: محبة الله: أسبابها.. علاماتها.. نتائجها

الكاتب عبد الله الجار الله

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1978

مشاهدات 448

نشر في العدد 384

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 31-يناير-1978

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن من واجبات الإيمان والعمل الصالح بغض ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والمعاصي، وبغض أعداء الله من الكفرة والمشركين والعصاة والملحدين، فالحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله أوثق عرى الإيمان، وأحب الأعمال إلى الله تعالى والمرء مع من أحب يوم القيامة كما وردت السنة بذلك، فمحبة الله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وسلم- مقدمة على محبة الأولاد والأموال والنفوس.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة:24) أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتوعد من أحب أهله وماله وعشيرته وتجارته ومسكنه فآثرها أو بعضها على فعل ما أوجبه الله عليه من الأعمال التي يحبها الله تعالى ويرضاها، كالجهاد والهجرة ونحو ذلك قال ابن كثير- رحمه الله- تعالى أي إن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا: أي انتظروا ماذا يحل بكم من عقابه، والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم وحتم واجب، وفي الصحيح عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، وفي الصحيحين أيضًا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «يا رسول الله: والله لأنت أحب إليَّمن كل شيء إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال: والله لأنت أحب إلى من نفسي فقال: الآن یا عمر»، ومعلوم أن محبة الرسول إنما هي تابعة لمحبة الله جل وعلا لازمة لها، فإن الرسول إنما يُحب موافقة لمحبة الله له ولأمر الله بمحبته وطاعته واتباعه، فمن ادعى محبة النبي بدون متابعته وتقديم قوله على قول غيره فقد كذب كما قال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور:47) فنفى الإيمان عمّن تولى عن طاعة الله ورسوله، فإذا كان لا يحصل الإيمان إلا بتقديم محبته صلى الله عليه وسلم على الأنفس والأولاد والآباء والخلق كلهم فما الظن بمحبة الله عز وجل؟ وقد جعل النبي- صلى الله عليه وسلم- تقديم محبة الله ورسوله على محبة غيرهما من خصال الإيمان ومن علامات وجود حلاوة الإيمان في القلوب، ففي الصحيحين عن أنس عن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار»، قال النووي: معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق، ومحبة العبد لله بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك الرسول- صلى الله عليه وسلم- قال ابن رجب رحمه الله: ومحبة الله سبحانه على درجتين إحداهما: فرض لازم وهي أن يحب الله سبحانه محبة توجب له محبة ما فرضه الله عليه وبغض ما حرمه عليه، ومحبة رسوله المبلغ عنه أمره ونهيه وتقديم محبته على النفوس والأهلين أيضًا كما سبق. والرضا بما بلغه عن الله من الدين، وتلقى ذلك بالرضا والتسليم ومحبة الأنبياء والرسل والمتبعين لهم بإحسان لله عزَّ وجلّ، وهذا القدر لا بد منه في تمام الإيمان الواجب، ومن أخل بشيء منه فقد نقص من إيمانه الواجب بحسب ذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:65) وكذلك ينقص من محبته الواجبة بحسب ما أخل به من ذلك، فإن المحبة الواجبة تقتضي فعل الواجبات وترك المحرمات؛ ولهذا المعنى كان الحب في الله والبغض في الله من أصول الإيمان.

وأخرج الترمذي من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه». وخرجه الإمام أحمد وزاد فيه: وأنكح لله، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «من أحب لله وأبغض الله ووالى في الله بذلك في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك»، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدى على أهله شيئًا أي لا ينفعهم بل يضرهم، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (الزخرف:67) قال في فتح المجيد: فإذا كانت البلوى قد طمت في هذا في زمن ابن عباس خير القرون فما زاد الأمر بعد ذلك إلا شدة حتى وقعت الموالاة على الشرك والبدع والفسوق والعصيان، وقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم بقوله: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ». فلا بد من إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده على ما يحبه العبد ويريده، فيحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه ويوالي فيه ويعادي فيه ويتابع رسوله-صلى الله عليه وسلم- وبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله التي هي من كمال التوحيد،وبين المحبة مع الله التي هي الأنداد من دون الله، لما يتعلق في قلوب المشركين من الإلهية التي لا تجوز إلا لله وحده، قال ابن رجب- رحمه الله- الدرجة الثانية من المحبة لله درجة السابقين المقربين، وهي أن ترتقي المحبة إلى محبة ما يحبه الله من نوافل الطاعات وكراهة ما يكرهه من دقائق المكروهات، وإلى الرضا بما يقدره ويقضيه مما يؤلم النفوس من المصائب إلى أن قال: فقد تبين بما ذكرناه أن محبة الله إذا صدقت أوجبت محبة طاعته وامتثالها وبغض معصيته واجتنابها، وأما الأسباب التي تستجلب بها محبة رب الأرباب، فمن ذلك معرفة نعم الله على عباده، التي لا تعد ولا تحصى، «وقد جبلت القلوب على محبة من أحسن إليها، والحب على النعم من جملة شكر المنعم؛ ولهذا يقال: إن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، ومن الأسباب أيضًا معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله. فمن عرف الله تعالى أحبه ومن أحب الله أطاعه ومن أطاع الله أكرمه ومن أكرمه الله أسكنه في جواره ومن أسكنه في جواره فطوبى له. ومن أعظم أسباب المعرفة الخاصة: التفكر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء، وفي القرآن شيء كثير من التذكير بآيات الله الدالة على عظمته وقدرته وجلاله وكماله وكبريائه ورأفته ورحمته وبطشه وقهره، إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العليا. 

فكلما قويت معرفة العبد بالله قويت محبته له ومحبته لطاعته، وحصلت له لذة العبادة من الصلاة والذكر وغيرهما على قدر ذلك، ومن الأسباب الجالبة لمحبة الله عز وجل معاملة الله بالصدق والإخلاص ومخالفة الهوى، فإن ذلك سبب لفضل الله على عبده وأن يمنحه محبته، ومن أعظم ما تستجلب به المحبة كثرة ذكر الله تعالى، فمن أحب شيئًا أكثر من ذكره وبذكر الله تطمئن القلوب، ومن علاقة المحبة لله دوام الذكر بالقلب واللسان، ومن أسباب محبة الله لعبده كثرة تلاوة القرآن الكريم بالتدبر والتفكر، ولا سيما الآيات المتضمنة لأسماء الله وصفاته وأفعاله الباهرة، ومحبة ذلك يستوجب به العبد محبة الله ومحبة الله له.

 ومن أسباب المحبة تذكر ما ورد في الكتاب والسنة من رؤية أهل الجنة لربهم وزيارتهم له واجتماعهم يوم المزيد، فإن ذلك تستجلب به المحبة الخالصة لله، وذكر ابن القيم- رحمه الله -أن الأسباب الجالبة لمحبة الله لعبده عشرة- أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به.

الثاني: التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض كما في الحديث القدسي: ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه.

الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والمحال فتصيبه من المحبة على قدر هذا.

الرابع: إيثار محآبه على محآبك عند غلبات الهوى. 

الخامس. مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها وتقلبه في رياض هذه المعرفة وميادينها.

السادس: مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة. 

السابع: وهو أعجبها: انكسار القلب بين يديه.

الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي آخر الليل وتلاوة كتابه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

التاسع: مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيدًا لحالك ومنفعة لغيرك.

العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل. فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة ودخلوا على الحبيبب.

اعرف عدوك:

إن المؤمن في انطلاقه لمرضاة الله عز وجل معرض لملاقاة عدو يتربص به الدوائر؛ ليعيق انطلاقته ويقيده بقيود الأسر حتى يحول بينه وبين خالقه جل وعلا، عدو ماكر يستخدم أسلحة عديدة، بعضها فوري الأثر والمفعول وبعضها لا يظهر أثره ومفعوله إلا بعد مدة طويلة في محاولة التلبيس على المؤمن وإعاقة انطلاقته من حيث لا يشعر، ومن هنا وجب علينا- أخي الحبيب- أن نتعرف على عدونا وأن نتفحص الأسلحة التي يكيد لنا بها؛ حتى نتمكن من مواجهته وإعداد العدة لرد كيده ودحره خائبًا يعض أنامله من الغيظ كما فعل أحمد ابن حنبل بعدوه.

ولا جرم- أخي العزيز- أنك توافقنا في أنه لا سبيل لمعرفة عدوك معرفة جيدة إلا بواسطة من سمح لهذا العدو أن يعترض طريقك ويتفنن في الكيد لك حتى يختبر إيمانك ويبتليك فيما تقول، إذن فلتسمع قول الله عز وجل. 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُإِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا (فاطر:5-6)، نعم إنه الشيطان العدو الأول والأخير للمؤمن الصادق الذي دخل الإيمان قلبه، فحرك فيه نوازع المحبة لله فاندفع يتقرب لمن أحب بالعمل الصالح والطاعات.

فانظر- أخي الحبيب- إلى نفسك، فإن عدوك الشيطان يغرُّ ويخدع فلا تمكنه من نفسك ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (فاطر: 5)، والشيطان قد أعلن عداءه لك وإصراره على العداء، ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا (فاطر: 6) ولا تركن إليه ولا تتخذه ناصحًا، ولا تتبع خطاه، فالإنسان العاقل لا يتبع خطى عدوه، كيف وهو لا يدعو إلى خير ولا ينتهي بك إلى نجاة؟ ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (فاطر:6).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

466

الثلاثاء 05-مايو-1970

ركن الأسرة - العدد 8

نشر في العدد 394

503

الثلاثاء 11-أبريل-1978

من شذرات القلم  (394)

نشر في العدد 333

98

الثلاثاء 18-يناير-1977

أوثق عُرَى الإيمان