; أوثق عُرَى الإيمان | مجلة المجتمع

العنوان أوثق عُرَى الإيمان

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-1977

مشاهدات 98

نشر في العدد 333

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 18-يناير-1977

 

• كمَال العبوديَة في مَحبَة الله.

• مَحبة الله تنفيذ أَوامِره واجتنَاب نَواهيه.

• مَحبة الله تجمع مَعَاني الإخلاص وَالطاعة وَالتجرد.

  الإيمان بالله -سبحانه- بطاقة لقبول رضى الله -سبحانه- والفوز بجنته، وقد ذكر لنا سيدنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق»، وفي رواية «والحياء شعبة من الإيمان»، وقد روى الثقات هذا الحديث بألفاظ مختلفة تحمل ذات المعاني نفسها، ووفق الله -سبحانه- الإمام البيهقي صاحب السنن الكبرى إلى جمع هذه الشعب، ومن ثم قام الإمام أبو جعفر عمر القزويني باختصارها في كتاب أسماه «مختصر شعب الإيمان»، والذي يقف عليه المسلم أن أقوى روابط الإيمان والتصديق بكلام الله -سبحانه- واتباع أوامره واجتناب نواهيه، إنما هو في الحب لله- سبحانه- وفي مرضاته -جل وعلا-، وعليه جاء حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الثابت: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (رواه أبو داود بسند حسن)، وهكذا فقد علق ابن تيمية وتلاه ابن القيم -رحمة الله عليهما- بأن أصل تحرك العبد و أساس انشغاله وتصرفاته، متوقفة على مدى حبه لله -سبحانه- أو لسواه، وقد امتلأت كثير من كتبهما بهذه المعاني، فكتاب «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» لابن تيمية -رحمه الله- يذهب متحدثًا فيه عن الولاية لله، وأنها تعني غاية محبته ومتابعة تعاليم نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وأنها ضد العداوة بمعنى البغض والكره، وبين مقامات ومنازل أولياء الله -سبحانه- وطرق التمسك بما يجعل الإنسان موليًا لربه -جل وعلا- محبوبا مذكورًا في الملأ الأعلى، ويحدثنا في كتابه «العبودية» بالذات في الصفحات ١٠٣ - ١٤٣ مؤكدًا لنا أوثق عراه، مبينًا علاماته وأنه متى ما رسخ في القلب، انقلب العبد مطواعًا منقادًا لأمر الله ونهيه في غاية الدقة واللطف، كائنًا بين الخوف والرجاء متأسيًا في كل ذلك بسيد العالمين المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وينتهي من شرح حديث «ثلاث من كن فيه...» بقوله فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حب ما يحب وبغض ما يبغض.

 والله يحب الإيمان والتقوى ويبغض الكفر والفسوق والعصيان، ويشير بالإجمال والتفصيل إلى أن الجهاد في سبيل الله أساس محبته، وأن المحبوبات لا تنال غالبًا إلا باحتمال المكروهات، ويوضح خلاصة معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) بقول: فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادة الله، فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب، ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها، إلا بإخلاص الحب لله، بحيث يكون الله هو غاية مراده ونهاية مقصودة، وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله لا يحب شيئًا لذاته إلا الله ص ۱۰۹، وعلى نفس المنوال نجد ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان» يذهب إلى أن زكاة القلب وأساس صحته هي محبة الله -سبحانه- وابتغاء مرضاته، فمن جملة ما قال قوله ص ۸۳: وكل من عرف الله أحبه وأخلص العبادة له ولا بد، ولم يؤثر عليه شيئًا من المحبوبات، فمن آثر عليه شيئًا من المحبوبات فقلبه مريض، كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث وآثرته على الطيب، سقطت عنها شهوة الطيب وتعوضت بمحبة غيره.

 وبهذه الصورة من العرض تنكشف لنا أوثق روابط الإيمان، وأعمق عراه من الحب في الله -سبحانه- والبغض في الله -جل وعلا-.

•  أحاديث المحبة

 معلوم أن غاية المحبة يجب أن تكون لله -سبحانه-، وعليه فسائر أنواع المحبة في الشرع الحنيف تندرج تحت هذا المفهوم الواسع الكبير، فهناك محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد فصلها القاضي عياض في كتابه القيم «الشفا» لتعريف حقوق المصطفى- بالإضافة إلى كثير من الكتب في هذا الموضوع، وهناك محبة أعمال الخير ومحبة الصحابة ومحبة الصالحين، ومحبة المسلم لأخيه المسلم، وعليه فقد وردت أحاديث سيدنا المصطفى -عليه الصلاة والسلام- حاملة مجموع هذه المعاني كفروع وأغصان لشجرة كبيرة، هي حب الله تبارك وتعالى، ولعلنا نلمس وضوح ذلك بما جاء في «رياض الصالحين» للنووي -رحمه الله- فبعد أن ذكر الآيات الدالة على محبة الله -سبحانه-، ومحبة المؤمنين لبعضهم البعض في باب «فضل الحب في الله»، ذكر الحديث عن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار» متفق عليه.

 وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن: «السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» متفق عليه، وروى مسلم عن أبي هريرة قول النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو «أن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي».

 وهكذا يبين لنا الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- بصور مختلفة محبة الله -سبحانه- ومحبة المؤمنين لربهم ولبعضهم البعض، ذاكرًا كبير الثواب في ذلك وما هو في الدنيا استنباطًا من كلام الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم، إلا الطمأنينة في هذه الحياة والفوز بجنة النعيم في الآخرة.

• علامات المحبة: 

 يذهب ابن تيمية في كتابه العبودية ص ١٠٤ مركزًا علامات محبة الله -سبحانه- من العباد لربهم في علامتين أساسيتين فيقول: «وقد جعل الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول، والجهاد في سبيله، وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ﴾ (التوبة: 24)».. ومع هذا الوعيد الشديد لمن فضل أهله وماله، جاء الحديث الصحيح ينفي الإيمان لمن قدم حب أحد -مهما كان- على الرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».

 وعقد صاحب كتاب «مختصر شعب الإيمان» فصولًا في محبة الله -سبحانه- وبعد أن سرد بالأحاديث وعظات الصالحين نثرًا وشعرًا: الخوف والرجاء من الله -سبحانه- والتوكل عليه، بعد ذلك تحدث عن وجوب محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنها علامة على محبة الله -سبحانه- وجاء في ص ۲۹ نقل محقق ومعلق الكتاب لقول القاضي عياض وهو «أعلم أن من أحب شيئًا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقًا في حبه وكان مدعيًا، فالصادق في حب النبي -صلى الله عليه وسلم- من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره وتجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. (آل عمران: 31)

 الحديث الطيب الذي سرده وتفضل به القاضي عياض -رحمه الله-، مبينًا بأن النفوس جبلت على حب من نفسها، وأن سبب الحب المنفعة، وأعظم منفعة قدمها لنا سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- هي الهداية إلى طريق الخير والرشاد. وتعليق ابن تيمية على أن الجهاد أساس المحبة نابع من كونه شاملًا لجميع أعمال الخير والصلاح، فلا وجود لأي عمل دون بذل جهد واجتهاد، وهذا دافع قوي للمسلم كي يشمر عن ساعد جده، صاعدًا درجات المحبة التي تتضح في نماذج الصحابة، وتفانيهم لإقامة شرع الله وإعلاء راية الحق، خروجًا حتى من حظوظ أنفسهم.

• نماذج تتكلم:

 في حديث عمر -رضي الله عنه- عن النية، والذي صدر به كبار المحدثين كتبهم كالبخاري والنووي وغيرهم، واعتبره علماء الحديث بأنه ثلث أو ربع الإسلام في هذا الحديث الشريف، في هذا الكلم الطيب يفتح لنا سيدنا رسول العالمين صفحة الإخبات والإخلاص والتجرد بقوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله... إلخ».. فهناك فناء في أن تكون الأمور كلها لله -سبحانه- لأنه صاحب الشأن والأمر، وبذلك تنغرس صورة المحبة وتظهر من خلالها نماذج من أناس باعوا نفوسهم وما يملكون لله -سبحانه-، منهم الصحابة ومنهم التابعون، ومنهم صالحو المؤمنين على مر التاريخ حتى يومنا الحاضر، في مختلف بقاع الأرض، وعلى سبيل الذكر كان هناك بلال وصهيب وعمار، وكان هناك خبيب بن عدي الذي رأى أنه شهيد في ذات الإله، ومنهم مع وضوح صورة التجرد ومعايشتها في واقع الناس، كعب بن مالك، من الثلاثة الذين خلفوا -رضي الله عنهم جميعًا- فقد أمر بأن لا يكلم الناس، وأمر بمفارقة زوجه، وجاء به کتاب من ملك غسان يدعوه للحاق به فاعتبره من البلاء، وهكذا أمضى هذا الصحابي الكريم خمسين يومًا بين الناس، ولكن كأنه غريب عنهم، وكان الصيام عن الكلام أصعب بكثير من الصيام عن الطعام والشراب ولكنه صبر.

 وهكذا يجب أن تكون المحبة لله ورسوله، انقيادًا يفوق حظوظ النفس ورغبات الخاطر وتطلعات الأمارة بالسوء.

• في الواقع العملي: للمحبة منازل ومقامات لا تنال بمجرد الضراعة والدعاء، مع أنه مخ العبادة دون عمل واجتهاد نقص في ميزات المحبة، وقد توعد الله -سبحانه- المطففين بالويل كي يتعظ غيرهم بلزوم الطاعة، وواقع الناس اليوم بعد ونأي عن ذكر الله وسائر ما يقرب إليه وحبه -سبحانه-، لكن المسلم عليه أن يدرك بأن المتحابين في الله -سبحانه- والمتجالسين فيه، والمتزاورين فيه على منابر من نور يوم القيامة، كما ذكر سبحانه في الحديث القدسي، وأن ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67)، وأن سلوك المحبة تمسك بأعمال الخير والإكثار منها، ونذكر على سبيل المثال أمورًا كدرجات في سلم المحبة فمن ذلك: 

١- النوافل: حث سيدنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- على النوافل، واصطلح الفقهاء على أن منها الرواتب ومنها السنن غير الرواتب، ومنها صلوات في مختلف الظروف والأحوال كصلاة الكسوف والخسوف، وصلاة الاستسقاء، وهي ليست مجرد كلمة تظهر على اللسان، وإنما ذات مغزى يقدم للمسلم حقيقة ولاية الله -جل وعلا-، فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام قوله عن ربه -عز وجل- قوله: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب» إلى أن قال «وما يزال يتقرب إلي عبدي بالنوافل حتى أحبه... إلخ الحديث» فانظر إلى الترابط الوثيق الذي يؤدي بالعبد بهذا التقرب مع الفرائض، أن يكون وليًا لله -جل وعلا- كذلك «من صلى في اليوم اثنتي عشرة ركعة -غير الفرائض- بنى الله له بيتًا في الجنة»، إلى جانب الأحاديث الكثيرة في ذلك.

٢- المسجد: ويكفي المسلم أن المسجد يسمى اصطلاحًا في شرعنا الحنيف «بيت الله» والله -سبحانه- مالك السماوات والأرض، ولكن سمي المسجد كذلك تشريفًا، ولأنه وقف لإقامة العبادة لمرضاته ولوجهه الكريم -تبارك وتعالى- وأن المسلم في ذهابه للمسجد تمحى سيئاته وتبدل بالحسنات، وأن الله يكتب له نزلًا -رزقًا- في الجنة، هذا بالإضافة إلى الفوائد الدنيوية في المسجد من اجتماع المسلمين وتناصحهم وتشاورهم، وكي يكون المسجد كذلك، فليحاول المسلم أن يجعل جميع فروضه في المسجد ما أمكنه الحال، كي يكون من السبعة في ظل الله يوم القيامة، فيكون قلبه معلقًا بالمساجد.

٣- القرآن: وهو طب النفوس وشفاء الأرواح حيث سماه الله -سبحانه- بأنه نور وشفاء وشفيع يوم القيامة لأصحابه، فليجعله المسلم منهلًا لا يمل من النظر فيه، فالتاجر الخير على دوام هو على علم بأوراقه وحساباته، كثير المراجعة لها، فكذلك المسلم يجب أن يزيد رواؤه من كتاب ربه، ويألم إن فات يوم لم ينظر فيه إلى كلام خالقه -سبحانه- ليعرف أنه على الطريق.

٤- التزاور: وهنا تدخل أحاديث الإخوة والمناصحة والتعاون، وكلها ذات علاقة وثيقة بالمحبة والتزاور فيه تذاكر لأعمال الخير، وهو حرص من المسلم على مجالسة الصالحين، ومع أنه قد كثرت تعقيدات الحياة واضطرابات الأفكار والمذاهب على النفوس والقلوب، إلا أن المسلم يتوجب عليه أن يختار رجال الصدق والمعرفة الصحيحة ومجالسة أهل الخير والاستقامة، كي يحفظ دينه ويصون نفسه ويعيش آمنًا مطمئنًا، وفي التزاور مع أولي الخير دون أن يكون ذلك ديدنًا يتخذه المسلم سببًا في الراحة والتقاعس، في ذلك الخير الكثير الذي من شأنه مراعاة المسلمين لبعضهم البعض، وشعورهم بأنهم الجسد الواحد الذي حدث عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

 هذا وأن في المحبة إلى الله -سبحانه- أبوابًا وطرقًا كثيرة، إلا أن كل عمل يقرب إلى الله من أعمال العبادة، وكل ما من شأنه صيانة وكفالة الوضع الاجتماعي من نزعات الانحراف والإفساد، وكل ذلك يؤكد المحبة ويقويها ويغرس أوثق عرى الإيمان إن شاء الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

466

الثلاثاء 05-مايو-1970

ركن الأسرة - العدد 8

نشر في العدد 394

503

الثلاثاء 11-أبريل-1978

من شذرات القلم  (394)