; سقطت... لأن وزراءها يهود ولأن حماتها نصارى! | مجلة المجتمع

العنوان سقطت... لأن وزراءها يهود ولأن حماتها نصارى!

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1972

مشاهدات 263

نشر في العدد 111

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 01-أغسطس-1972

حين تستعين بعدوك التاريخي وتفقد القدرة على الرؤية الصحيحة، فلا ضير في أن تموت، فأنت ـفي البدء- إنسان منتحر..!! والتسامح قضية كبرى من قضايا حضارتنا، ومبدأ عظيم من مبادئ إسلامنا، لكن هذا التسامح -بترك الناس يحيون وفق معتقداتهم ـ شيء، وتسليمك مقاليد الأمور لهذا الذي ينتمي روحيًا إلى أعدائك، ويشعر بتعاطف نحو من تحارب، وتقل حصانته -مهما یکن- عن أخيك المسلم، تسليمك هذا شيء بعيد عن التسامح؛ إنه نوع من الغفلة والحماقة، وبتعبير آخر نوع من الانتحار!!

• • •

وفي الدولة الفاطمية التي قامت في المغرب العربي سنة ٢٩٦ هجرية، وانتقلت قيادتها إلى مصر سنة ٣٦٢ هجرية، كانت ظاهرة الاعتماد على اليهود والنصارى سمة من سمات الحكم في الدولة، فمن هؤلاء كان كثير من الوزراء وجباة الضرائب والزكاة، والمستشارين في شئون السياسة والاقتصاد والعلم، ومنهم الأطباء والثقات لدى الحكام، وإليهم تحال معظم الأعمال الجسام.

ولقد أحدثت هذه الطوائف انفصامًا بين الفاطميين والشعب -إلى جانب عوامل أخرى هامة- حتى لقد كان الناس يستجيرون من تسلط اليهود والنصارى في البلاد -مصر- فلا يجارون، وقد ظهرت في ذلك أشعار كثيرة معروفة، بل إن الناس قد اضطروا إلى أن يلفتوا نظر العزيز «الحاكم الثاني في مصر» إلى هذه الظاهرة التي كان يبدي تغافلًا عنها، وقد صنعوا له صورة من الورق لرجل يطلب حاجة أثناء مرور موكبه، وقد مد الرجل يده بورقة مكتوب فيها: «يا الذي أعز اليهود بمنشا وأعز النصارى بعيسى، وأذل المسلمين بك إلا ما قضيت ظلامتي»، وقد لمعت في سماء الدولة الفاطمية أسماء كثيرة من هؤلاء؛ فقد لمع يعقوب بن كلس «وسنورد تفصيلات عنه بعد» ومنصور ابن مقشر النصراني الطبيب صاحب الكلمة السامية في قصر العزيز، وعيسى بن نسطورس الكاتب، والمنجم أبي علي عيسى، ويجن بن وشم الكوهي، ومنشا اليهودي الذي كان نائب العزيز في الشام، وغيرهم كثير.

 وعندما وصل الحاكم بأمر الله إلى الحكم، وهو رجل أجمع المؤرخون على اضطراب عقله، حتى أنه كان يأمر بالشيء وينهي عنه -أمر بهدم الكنائس التي بمصر-، لكنه سرعان ما عاد فأمر ببنائها، وأطلق من جديد يد اليهود والنصارى في البلاد، واستمر أمر اليهود والنصارى في عهد الظاهر، وعندما قدر للحاكم الفاطمي السادس في مصر «المستنصر بن علي الظاهر» أن يصل إلى الحكم سنة ٤٢٧ ه‍ كانت الحالة قد بلغت قمتها من التدهور في ظل سياسة اليهود والنصارى، وتحكمهم في مرافق البلاد، فقد أصبح قصر هذا الحاكم زاخرًا بالدسائس التي يحيكها القواد ورجال البلاط والخصيان والنساء، ويقف وراء كل هؤلاء النصارى واليهود يديرون المعارك لصالحهم ويرقبون الفائز ويفسحون في شقة الخلاف.

وقد ذاقت البلاد من الجوع والبؤس والنزاع على السلطة ما أحالها إلى فوضى لم يشهد تاريخ مصر مثلها، وقد صور المقريزي هذه الحالة في قوله: «لم تر البلاد صلاحًا ولا استقام لها أمر وتناقضت عليها أمورها ولم يستقر عليها وزير تحمد طريقته.. «إلى آخر كلامه الطويل الذي قال في آخره بأنه» تلاشت الأمور واضمحل الملك..» وقد فكر ابن حمدان زعيم الأتراك في مصر تغيير الخلافة الفاطمية إلى العباسية، وكانت حال البلاد والفاطميين تسمح بتحقيق كل ذلك، لولا سوء سياسة ابن حمدان لأتباعه وانقلابهم عليه، وفي هذه السنوات أكل الناس بعضهم بعضًا، وبيع الرغيف بمائة دينار، وأكل الناس لحوم الكلاب والحمير، ولم ينته الأمر إلا بسقوط الدولة الفاطمية السقوط الحقيقي حين تركوا السلطة تمامًا وقبعوا في قصورهم، وحمل أمانة الحكم الوزراء العظام الذين كان أولهم وأعظمهم «بدر الجمالي».

وقد أصبح بيد هؤلاء الوزراء كل مقاليد الأمور حتى إنهم لم يدعوا للخلافة ولا للخليفة أغلب الأوقات إلا بالاسم، وكانوا يتحكمون في اختيار الخلفاء وفي عزلهم، والمؤرخون المنصفون يعتبرون سقوط الدولة هو تاريخ تولية بدر الجمالي أمور مصر سنة ٤٦٤ هجرية، ولم يفعل صلاح الدين الأيوبي حين أسقط الخطبة للفاطميين -دون أي معارضة أو مقاومة حقيقية سنة ٥٦٧- إلا إسقاط عهد الوزراء العظام الذين كان آخرهم شاور، أما الفاطميون فقد سقطوا منذ مدة طويلة؛ أي قبل ذلك بقرن.

ومن الغريب أن العزيز الفاطمي بلغ من حبه لوزيره يعقوب بن كلس اليهودي أن ترك له أمر الدعوة إلى المذهب الفاطمي، وكان هذا الأخير يجلس بنفسه يعلم الناس فقه الطائفة الإسماعيلية، وقد ألّف نفسه كتابًا يتضمن الفقه على ما سمعه من المعز والعزيز وقال له: «وددت لو أنك تباع فأبتاعك بملكي»، ولم يدرك العزيز أن ملكه كان قد بيع فعلًا بهذه السياسة التي جعلت عهد الفاطميين في مصر عهد شدة وتناطح وبؤس، ووقف اليهود والنصارى يستثمرون كل هذا و يتملقون الغرائز، وبقيت عبرة التاريخ، عبرة للذين يطلبون النصر من الأعداء، والذين يطلبون الحياة من السم، والذين ينسون «الاستراتيجية الإسلامية العالية»: «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم».

الرابط المختصر :