العنوان رجل.. وزنزانة
الكاتب الطالب مروان محمود حسني
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1974
مشاهدات 84
نشر في العدد 230
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 17-ديسمبر-1974
رجل.. وزنزانة
عمالقة الأشجار تنمو من سجن بذورها في باطن الأرض.. وإلى اللامنتهى يسير العذاب في السجن.. كانت مرارة المجهول منطبعة على كل أجزائه حين أدخلوه إليه كرة دامية من بقايا جسد ممزق.. لقد كان إنسانًا.. ركلوه حتى انزوى في زاوية الزنزانة، وأغلقوا عليه الحائط الحديدي. أصوات صرير الحديد هي نغم الموت الذي يعزف كل لحظة في أعماق الزمن المنتهي، بين أنات الصامدين وأناشيد صمودهم.
في قبور الأحياء يموت كل شيء، حتى الألوان، فلا يبقى سوى الأسود والصمود الحزين، الأسود في كل مكان ينظر إليه حيث الحوائط المتقابلة بتحد شرس لكل ما هو حي، والصمود الحي يرد التحدي دون انتصار أو هزيمة فيكله الحزن.. ويتيه الإنسان.
ومع الزمن تتوقف قدرة الإنسان على الرؤية حيث لا مرئيات، وتصبح الذكريات هي الحياة والماضي والسلوى، والقادم هو الأمل، ولكن الحاضر يبقى الضياع، والضياع يسببه المحيط..
زنزانة وقضبان.. والموت يطاردني مرة وأطارده مرات، لا تخلص من عذاب الحاضر. إلى متى سترافقيني في رحلة عذابي أيتها القضبان؟ كم أنت شرسة، تمامًا كشراسة الأعداء.. عزلتيني عن كل أحبتي.. وأجلستيني مع الموت هنا دون أن يمسسني وهو بقربي.. هل مات الموت؟ سأنشد: فليمت الموت.
أما نحن فلن نموت.. وسأنشد لبلادي مع رعف الدماء، سأنشد مع الصامدين الصابرين، فامنعونا عن نور السماء، سننشد جميعًا للنصر ونزرع الزنازن كبرياء.
حين ينطفئ سراج السماء يشتعل سراج الذكريات وتحل مدن الآلام في كل الزنازن، ويتوقف الزمن ولا يبقى سوى نباح الأعداء يمزق جراح الأحزان، ونطارد النوم أو الموت، لا فرق، إلى حيث الخلاص، دون الوصول..
كنت أركض والكلاب تلاحقني.. وأركض والبنادق تلاحقني.. خرجوا علي من كل الجحور.. وأسابق رصاصهم وبرق السماء ورعودها.. ويلاحقوني.. ثقل وزني من أطيان الأرض، أجري متجرعًا كئوس الأحزان ومرارتها.. وهم لا يكفون عن مطاردتي.. ضاقت الأرض ولم يعد لي مأوى ألتجئ إليه.. ويطاردونني.. ولا أريد أن يمسكوا بي.. وأجري بين الصخور.. أن أمسكوا بي انتهى أمري، وحرمت من قتالهم طويلًا.. وأجري وكأن ملجئي يبتعد عني.. وأتعثر.. وأتعثر.. وتحل نهايتي بقبضة أعدائي.. آه لو كنت أملك قنبلة.. لم يبق شيء سوى يدي المكبلتين..
وطني.. هل سألقاك منتصرًا؟ متى أيها اللقاء؟ فأنا أخاف الوداع أن يطفئ ويفرق.
زنزانة وقضبان وآلام وأحزان... في السجن يصبح المناضل صورة مجسدة للوطن.. فكل منهما بلا حرية تفجعه الأحزان.. ثم يواسيه الأمل..
زنزانة وقضبان.. وكأني رواية حزينة بين ثنايا صفحات كاتب حاذق.. ما أسهل الكتابة عن تجارب الآخرين ومرارتها.. وما أصعب العيش الحسي فيها، فلحظة ألم أعيشها لا تساوي وصف كل كتاب الأرض لها.. فإلى متى سيظل طریق هموم الحتوف المتفجرة ممتدًا؟ وإلى متى سأبقى بين جدران النهاية أنتظر النهاية؟
حتى الربيع لم يأت منذ سنوات، قد أتاني ربيع بلادي مرة وأنا غريق بخريف أحزاني يعصف البعد في أنحائي ويسقط أوراق حياتي.. فبكاني الربيع.. ورحل.. ولم يعد للآن.. متى سيعود الربيع؟
وفي الشتاء الباكي كنت ألتحف همومك وهمومي.. بلادي أحملها دائمًا في عيني، أراها بين الأوراق الصفراء.. تركوها دون غطاء ورحلوا إلى خماراتهم لينسوا مأساتهم، والسلاح مركون يزحف إليه الصدأ بعد أن رحلت حرارة البارود وحلت برودة الصمت، وسكارى يفلسفون الأمور.. فلنركن السلاح.. فخلف الشمس ظلام، لا خلف الظلام شمس.. ونحيد عن الدرب.. وباسم التصحيح نتجه نحو الهاوية.. وبالقرب طفلة تبكي خبز الأرض السليب..
الضوء شديد جدًّا.. يسبر أعماق عيني.. وصوت كريه من وراء الضوء يسألني ويسألني.. لا أعرف.. وتنهال اللكمات.. وتعود الأسئلة.. لا أعرف.. ويمزق جسدي، فلا معنى للجسد ولا للروح.. ها هي أسماؤهم؟ من أين انطلقتم؟ وأرد بنفس الجواب ويأتيني نفس العقاب.. أسمعتهم صوت اللهيب وهو يخترق جسدي بأیدیهم.. ولم أسمعهم أسماء الثوار.. الضوء يذيب نظري.. والأسئلة تتكرر وتتلاحق وتصرخ طالبة الإجابة.. ولا تجد سوى خيبة الأمل.. لا أعرف..
آه يا بلادي.. يقتلني الشوق إليك.. ولكن فراشي الموت، فهل سألقاك قبل الموت؟
زنزانة وقضبان وليل طويل.. كيف تصبح الأرض بدون التين والزيتون؟ على أرضي قتلوا التين والزيتون.. ومن بين ثنايا الظلام دسوا في يدي مالًا.. أصدقة هو؟ أرشوة؟ لا.. لن آخذ المال؛ لأنه لإذلال.. باغية في ليل الدم تطلب منا بيع الوطن.. أندبك وطني وقد باعوك.. باعوك بكأس خمر!! وأنا سجين في عالم النسيان والموت، وملتاعة اسمها «سلاح» تبكي سواعد الرجال المبتورة، والرجال يتصارعون ويقتتلون.. فمتى يتم الوئام في مجتمع اللئام؟ أبكيك عمان كم أبكيتني.. كان أيلول شهرًا فأصبحت كل الأشهر أيلول، وأنت تنتظرين الأحرار والأحرار عنك منحرفون.. زنزانة وقضبان.. وروح تفارق جسدًا.. اكتمل الموت.. لم يبق بين الزوايا سوى صرير الحديد، نغم موت يعزف كل لحظة في أعماق الزمن المنتهي، بين أنات الصامدين.. وأناشيد صمودهم ورغم الظلم والظلمات.. أرى النور من بعيد.. أراه يقترب بأشعته المضيئة.. ويحدد معالم الطريق.
وأرى الأمل -رغم الزنازين- يسقي حياتنا المجدبة، ويحولها رويدًا رويدًا إلى خصب ممرع ينبت الرجال الأقوياء المزدهرين بروح الجهاد.
إنه نور الإيمان بالله، والأمل في تأييده ونصره.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل