; بسمة أمل على وجه التاريخ | مجلة المجتمع

العنوان بسمة أمل على وجه التاريخ

الكاتب محمد مصطفي ناصيف

تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2002

مشاهدات 80

نشر في العدد 1496

نشر في الصفحة 56

السبت 13-أبريل-2002

  • الهجرة نقطة تحول كبرى في التاريخ ونقطة البداية في إقامة الدولة الإسلامية

  • الهجرة الروحية غير مرتبطة بزمان ولا مكان لأنها تتجاوز الواقع التاريخي.

  • حادث الهجرة جاء إنقاذًا لمسيرة الدعوة ممن يتربصون بها ولإخراجها إلى حيز التطبيق العملي.

  • أجمل شيء في المستقبل أننا لا نعرف عنه شيئًا، وأجمل شيء في الغد أن نعيشه بلحظته.

في لحظات التأمل تتداعى الخواطر، فكلما رحل عام هجري، وأطل عام جديد، هرعنا إلى المخزون من تاريخنا نقرع الذاكرة كأنما نستلهم إشراقات الماضي، تمر بنا دقائق وساعات وسنوات تتساوى في الوقت بعد انقضائها لأنها تعلن بدء الانطلاق إلى زمن آخر جديد، وهي متسارعة مثل دقات، نهرول خلف الأيام الهاربة، نتلمس في ضوء مصابيح الذكرى معالم الطريق. إن ذكرى الهجرة العطرة في هذا الموضوع لا تحتاج لسرد الأحداث والوقائع إذ من الواجب أن يكون جميع المسلمين على دراية تامة وإلمام محيط بمغازيها وعيًا وحفظًا وفهمًا ولا رفعة لأمة لا تحفظ وتحافظ على تاريخها، وأي تاريخ أرفع وأنقى وأسمى من ذلك الذي أضاء نوره الإسلام، وزرعه رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- في صحراء القلوب يتعهده الجيل القرآني الفريد؟

نحاول إزاحة الغبار عن وجه تلك الأيام التي غطاها بعدنا عن ضيائها، نزيح عن القلوب كل الستائر السوداء، لنعيدها مشرقة بآمال نرسمها بأمانينا ننتشلها من سرابنا، ونقتنصها من الأحلام برسم بسمة على شفاه العام الجديد.

نفتح له القلوب، ونجعل الصدور واحة أمان تتيح لنا القوة على مواجهة الحياة من جديد، إن الزمن ليس له قيمة أو مدلول بحد ذاته ما لم يكن عنصرًا من عناصر الفعل الإنساني وما لم تملأ ذراته وثوانيه ودقائقه بالجهد النابع من عقل الإنسان وفكره وساعده أيضًا، مناسبة خالدة مميزة ليوم استيقظ لأول مرة في التاريخ ليسدل الستار على الأيام المظلمة التي سبقته قبل ألف وأربعمائة واثنين وعشرين عامًا انقضت على ذلك اليوم، الذي ارتأته حكمة الفاروق «رضي الله عنه» بنظرته الثاقبة وبصيرته الإيمانية الصادقة أن يكون تاريخًا للإسلام والمسلمين لفهمه العميق والدقيق لما ينطوي عليه، وأن يكون ذلك اليوم الخالد توقيتًا للزمان كله، مبشرًا بمولد دين جديد يكون هداية للبشرية جمعاء في الحق والعدل والخير لانطلاقة الإسلام كدولة ومنهاج حياة، حيث قام النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- بتأسيس دولة الإسلام فور قدومه، بعدما غرس الإسلام والإيمان في العقول والقلوب المكية طيلة ثلاثة عشر عامًا، لتثمر وعلى أساس متين في توأمها المدينة المنورة، من المسجد الذي أسس على التقوى حين كان العمل الأول الذي قام به حال وصوله لتبقى البشرية مدينة لهذا النبي العظيم -صلى الله عليه وسلم- بتشكيل نظام جديد، ودولة جديدة تحمل مشعل الإيمان والضياء ورسالة الخير والهدى للإنسانية، فكانت عنوانًا للنصر وبداية عهد النجاح. وهذا بعد أن أفرغت قريش كل ما في جعبتها من التنكيل والإيلام والأذى والمطاردة في مكان يحجر فيه على العقيدة ويحاصر فيه الفكر، وتفرض فيه شريعة الوطنية، لم يكن هناك بد من أن يترك محمد ومن كان معه من المسلمين مكة المكرمة رفضًا لمجتمع الخطيئة، ومجتمع الوثنية، مجتمع الإكراه الغارق في أمية الجهالة الذي يصر على ممارسة التخويف والظلم ورفض الدعوة، رمزت فيه قريش إلى القوة بالوثنية والمجد المزعوم بالصنم الأصم، وشكلت فيه الجاهلية كهانة متخلفة تضيق ذرعًا بالإيمان وأهله، لأنه مجتمع يفترش التراكم الفردي والغرور الأجوف، وهنا لابد من الابتلاء بسبب الصدام مع الجاهلية، وأنواعها المتعددة، لأن الحق واحد لا يتعدد، ولأن الباطل مهما اختلفت أشكاله، وتعددت صوره، وتنوعت مشاربه لا يمكن أن يهادن الحق، وليس الواقع المعاصر عنا ببعيد أو غريب. 

في هذا يقول الإمام حسن البنا -يرحمه الله- سيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم، وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال، وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة معتمدين على سلطانهم وقوتهم ومعتدين بأموالهم ونفوذهم ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(التوبة: 32)، جاءت الرسالة الإسلامية استجابة لصرخة الحق.

ولأنين الإنسان عبر القرون، وهو يشكو ظلم الإنسان وصلفه وغروره، حيث كانت مكة تسع جميع الناس من أهلها والوافدين إليها، ولكنها ضاقت يومذاك برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين الذين التفوا حوله ليصوغهم بالقرآن الكريم صياغة إسلامية، يواجهون بها الباطل اليوم وغدًا على كل أرض وتحت كل سماء، بعدما أصبح المجتمع كله في جاهلية مطلية بالمكياج وأدوات التجميل كافة.

بسمة أمل

كان لابد من الهجرة لتكون بسمة أمل علي وجه التاريخ فكانت الهجرة النبوية تطهيرًا للعقول والنفوس مما خلفته الجاهلية وانعطافة كبرى في دواعي الهجرة بالدعوة، ونقطة التحول الكبرى في التاريخ ونقطة البداية في إقامة الدولة الإسلامية، كانت الهجرة النبوية المشرفة من أبرز الأحداث ذكرًا، وأعمقها معنى وأبعدها أثرًا، والهجرة الروحية غير مرتبطة بزمان ولا مكان، لأنها تتجاوز الواقع التاريخي.

جسدت الهجرة الكريمة عبقرية الحدث بإنشاء الدولة والإنسان والزمان والمكان لتتفاعل هذه العناصر وتتمازج جميعها تأثرًا وتأثيرًا أخذًا وعطاء جسدت لتشكل نسيج التاريخ والأمة الواعية التي تخطط لمسيرتها على أساس من بعد النظر وحسن التقدير وقوة الإعداد وسلامة التهيؤ بحيث يكون لكل خطوة حسابها.

وكانت الهجرة رمزًا إيمانيًا للخروج من مجتمع الخطيئة إلى مجتمع الحقيقة، لتكون الرحلة مساحة تتسع لكل المؤمنين والمضطهدين والمظلومين، وانتصارًا للواقعة الإيمانية، إذ شكلت الهجرة المحمدية احتفاء معرفيًا لانتشال الإنسان من هذه الضلالة وذل الوثنية إلى نور الهداية وعز الوحدانية وانتقالًا إلى هذا الدين الحراس، موكبًا لم تسبقه حملات الاستطلاع والتفتيش وأجهزة الرصد والاتصال، وإنما كان الذي ساوى بين الجميع عرقًا ولونًا ولغة في مسيرة الهجرة النبوية الطاهرة، لم يكن الموكب النبوي مدججًا بالسلاح والعتاد، وأصناف التقنية البشرية كافة، موكبًا لم يحظ بعشرات «عبد الله بن أريقط» يقود جملًا وحيدًا يقطع به هول الصحراء المترامية، كأنما يغرس بذور الإسلام على طور الطريق، لتكون رحلة الانتصار لأكرم من أقلته الغبراء، وأظلته الخضراء -صلى الله عليه وسلم-.

انعكاس الزمن على الأمة

إن تعاقب الأيام وتدابر السنين لا يعني شيئًا إلا إذا جاءت منسجمة مع نواميس الصراع الحياتي لتحقق الأفضل والأكمل، لأن أجمل شيء في المستقبل أننا لا نعرف عنه شيئًا، وإن أجمل شيء في الغد هو أننا نعيشه بلحظته وننسى أن الزمان لا يتدحرج إلى الوراء، وأنه لا أحد يستطيع أن يمسك الظل، فسوانا يكون حسابه للعام الجديد بمظاهر الجدة، وتغيير الأرقام، آملين ألا نكون من أمة استعارت أعوام وأزمان الآخرين أو تبيت غافية في ظلها، أحرص ما تكون على حياة، مضى ذاك العام تاركًا خلفه وعودًا بلا تنفيذ، وأحلامًا بلا ألوان، وحل عام ١٤٢٣هـ واحتفالات تعلن عن قدومه لكنها لا تحفل به مضى ذاك العام وخلف وراءه أوراقًا وورودًا عطشى، وحبات زيتون بلا زيت مضى ذاك العام دون أن يوصلنا إلى بر الأمان أو يعطينا شعورًا بالاطمئنان، وحل عام ١٤٢٣، على استحياء يدخل حياتنا بصمت. 

حل عام ١٤٢٣ عامًا جديدًا قد لا تستحق هذه الأمة ولادته فيها لأنها لا تزال تعيش خارج سور الزمن، وعلى هامش التاريخ في زمن الآخرين دون أن تلونه بإرادتها وقيادتها، مضى ذاك العام لنقلب بعده الصفحات، ونبدل الأرقام، لنكبر عامًا ونزداد همومًا، نخجل لقدومه، ويستحي أن يقترب منها، حيث مضى العام الذي قبله تاركًا جرحًا نازفًا لعل العام الجديد يداويها.

قدم العام الجديد ١٤٢٣هـ ونحن مذهولون بأخر مسلسل النوازل والكوارث الذي يصيب هذه الأمة وهي تنظر إلى مأساة العصر في عالمنا الإسلامي ونحن في أشد حالات الاختلاف، للاتفاق على تحديد موقف ثابت واحد. 

هكذا ستظل الهجرة الكريمة رمزًا ودرسًا لكل الذين يمارسون زراعة الخوف في المجتمع الإنساني، لكل الذين يصادرون الحرية جسدًا وقولًا لأن في غربة الإسلام، اغترابًا للروح وابتعادًا عن السمو، وفي غربة الروح نزوحًا عن منابح الذكرى ومناهل الإيمان.

شعوبك في شرق البلاد وغربها

أصحاب كهف في عميق سبات

نعم ستبقى الهجرة انتصارًا للإنسان المسحوق بالإذلال، كما تبقى تحديًا للاستغلال الغاشم لأن الله سبحانه وتعالى قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وهو أعلم حيث يجعل رسالته بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (الأنبياء: 107)، فلا بد أن تكون هجرته ورسالته رحمة للعالمين أيضًا منذ بدايتها، فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (الحجر: 94)، إلى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ (المائدة: 3)، فقد بلغت غايتها، وبهذا بلغ فهم السلف الصالح الروح معانيها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ  (الحج: 41)، أما نحن أبناء أمتي فماذا يجب علينا بعدما خط لنا قائد المسيرة -صلى الله عليه وسلم- الطريق وأناره، وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا ضال، حيث لا يكفي أن يسمع الناس منا الكلام عن الإسلام فقط بل يجب أن يشاهدوه ويحسوه ويلمسوه في أفعالنا، يدًا حانية تمسح جراحات المعذبين ودمعة لاهبة في أعيننا لآلام المصابين، وصرخة مدوية في وجه الظلم والظالمين، وعونًا لكل الإخوة المضطهدين والمهجرين، ورحمة واسعة تغمر الإنسانية وجميع إخواننا المسلمين.

أين نقف؟

فأين يقف المسلمون اليوم من فقه الهجرة ومعطياتها ودوافعها ثم نتائجها؟ وهل يعلمون أن من أهم معانيها التحلي بأخلاق صاحب الهجرة -صلى الله عليه وسلم- له قولًا وعملًا.

لقد جاء حدث الهجرة إنقاذًا لمسيرة الدعوة ممن يتربصون بها، وإخراجها إلى حيز التطبيق العلمي، كما أن من أهم دروس الهجرة الثبات على العقيدة والمبدأ، ونقل أمة الإسلام من أمة الدعوة إلى دولة الدعوة، ومن أمة متفرقة إلى أمة موحدة، فهي بداية أخوة الإيمان الحقيقية، وإن عظمتها تكمن في تأسيس الدولة، ودوامها وسؤددها يتم في الحفاظ والمحافظة على جميع ذلك.

يجب أن نجعل من ذكرى هجرة رسول البشرية -صلى الله عليه وسلم- بداية لهجرة المسلمين إلى ربهم، إلى نبيهم، إلى كتابهم، كي تعيد أمتنا أمجادها، وتسترد ما اغتصب من أرضها، وتقيم حكم ربها على أرضها، وتنبذ وثنية البشر، لأنها كوثنية الحجر. 

قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (المنافقون: 8)

الرابط المختصر :