العنوان توقف قليلاً أيها التاريخ- إهداء إلى القائد الدكتور: الرنتيسي، وخالد مشعل، وجميع عائلة الثريا
الكاتب عبدالله بن فرحة القرني
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2004
مشاهدات 121
نشر في العدد 1597
نشر في الصفحة 44
السبت 17-أبريل-2004
● بلاغ للمؤمنين بالله ولينذروا به:
من دم القسام نبت القائد العظيم أحمد ياسين، ومن دم ياسين ينبت المحرر المنتظر.
● بيان للعدالة العالمية المغتصبة:
من فوهة البندقية التي قتلت عز الدين القسام انطلق الصاروخ الأمريكي الذي اغتال نبتة القسام الأحمدية.
الآن تسلم حافظ العهد القسامي وسام الشهداء من الدرجة الأولى بعد أن انتظره في الطابور الصباحي ستاً وستين سنة.
عندما نودي بأسماء أبنائه وأحبائه الذين صنعهم على عينه، وتأخر النداء باسمه ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وظن أن العفو الرباني انتبذه للوراء بجنحة أو تفريط، فنادى في الظلمات: أملي أن يرضى الله عنى.
وكان الله قد أمهله حتى تنتظم السرايا وتكتمل الكتائب التي ورثها في العهد القسامي، فقسم تركته بين أبنائه بعد أن قدح لهم زناد الفكر فأشعلوا النار في أوراق الإرهاب الصهيوني.
كما أن الله أحياه حتى فنيت أعضاؤه، ولم يستأثر له من الحياة إلا بكلمات، إذا نطق بواحدة منها أعلنت الجريمة العالمية حالة التأهب القصوى في أوكارها العسكرية.
ولئن قتلته الجريمة العالمية مرة واحدة، فلقد قتلها في إشاراته وكلماته ألف مرة.
نبتة القسام امتحنه الله بالداء العضال - وكان يسعه ما يسع المعذرين - فتجاسر على كل معضلة شاكرًا لأنعم ربه، فلم يختر إحدى الحسنيين، وإنما اختار الحسنيين معًا الصف الأول في الجهاد، والأول في صلاة الفجر، واستهم عليهما بصاروخ أمريكي، وترك المخلفين إلى مغانم كثيرة يأخذونها. فكل إلى ما هاجر إليه.
وإذا كانت الأجساد تتعب في مراد العظماء فإن أجساد الشهداء تفنى في مراد الله، فلقد أراد الله للشيخ أن يسلك الوعر الذي يعطب الجسد فسلك، وأن يهلك روحه في كيد أعداء ربه فهلك.
الآن أراقوا دم ياسين الزكي في التراب المقدس، فالأرض تنبت بالمجاهدين، والشهداء والقنابل، والدهن وصبغ للآكلين.
الآن ترقد النبتة القسامية في التراب المقدس.
والآن تضيء كلماته ومواقفه أرواح المؤمنين بالله من أبنائه وأحبائه في الشرق والغرب. عندما بدأ ياسين العبور من بوابة المستقبل فجر الاثنين غرة صفر من عام ١٤٣٥هـ. استوقفه الحارس الذي يدقق في هويات الزعماء ليعلق على صدره وسام الشرف، وطلب من البقية الانصراف فورًا والعودة إلى أصلاب الزمن.
الآن تحتفل الجريمة العالمية، ويغرد إبليس العالم الصهيوني لاستشهاد ياسين، ولم يعلموا أنهم يحثون سراياه للسير قدمًا، ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار والذي يحدد قيمة السعادة المطلقة والشقاء غير المحدود، إنما هو تباين فلسفة الحياة والموت بين أمتين، في وجهتين مختلفتين قضت نظريات العلم أنهما لا يلتقيان، فلسفة تقوم على حب الحياة الفانية والتترس بها في سبيل الشقاء الأبدي، وتبعًا لهذه وتلك فإن فلسفة الفرح والحزن كفيلة أن تكون متباينة أيضًا، وحتى الشعور بالموت يصبح أشد تباينًا من سابقه، لأنه يتحول إلى لذة في حياة الشهيد يتغنى به، ويبحث عن مظانه، ويستعجل الأيام إليه بين خوف ورجاء، أما في حياة الشقي فإن تذكر الموت يلد موتًا آخر، والفرار منه مطلب سرمدي فهو يفر من موت إلى موت لهذا يطرب السفاح المجرم وتستبشر، ولكن فارق الحقيقة من الوهم كامن في عواقب الأمور لا في عوارضها الظاهرية .
قد يسأل إنسان عن سر الجاذبية في شخصية الشيخ أحمد ياسين، ومع أنها مزيج من طراوة دين وحسن خلق، إلا أن العناية الإلهية أودعت سرًا عظيمًا من الجاذبية في عجزه الجسدي، وبالدقة في التباين الصارخ بين قدرته على القيادة وعجزه عن الحركة، وقوة رأيه وضعف قواه، وفتوة هيبته وشيخوخة لحيته، وأريحيته للناس، وعطائه للأمة وامتناعه عن الأخذ، وفوق ذلك كله حركة الروح الخفيفة وجمود الجسد الكلي، ولم يقف سر الجاذبية في شخصيته على المستوى الأممي عند هذا الحد، ولكنه تعداها إلى التناقض الفاضح بين طبيعة الأشياء وما ينبغي أن تكون عليه، كما هو جمود الواقع عندما تصلبت الكراسي السياسية المثقلة بالأرطال البشرية، وتحرك كرسي الشيخ ياسين السياسي، وكانت جميعها فارهة على حين كان كرسيه طبيًّا من النوع الذي يلقى به للمعاقين ابتغاء الحسنة.
ألم تروا إلى شعبه العظيم كيف أمسك بقايا كرسي الشيخ وانتزع منها القوة الروحية ولوح بها فانجذب لها العالم في أنحاء الدنيا؟ ألم يلفت أنظاركم كم التقط المصورون آلاف الصور في ملايين النسخ الصحفية، وكم كتبوا من التعليقات؟، ألم تزدد جاذبيته أكثر في اللحظات الأخيرة؟، ألم تشعروا بالحزن نحو كرسي الشيخ ؟.
تلك هي القدرة الإلهية التي وهبت العجز الجسدي صفة الجمال الجذاب، حتى إنه كلما ازداد ضعفًا ازداد جاذبية، وتأججت ذروتها عندما حمي الوطيس في ختام التسابيح الأخيرة. فهنيئًا وصبرًا لياسين وآل الثريا.