; صفحة من جهاد العلماء.. فلسطين من الشيخ القسام إلى الشيخ أبي طير | مجلة المجتمع

العنوان صفحة من جهاد العلماء.. فلسطين من الشيخ القسام إلى الشيخ أبي طير

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1975

مشاهدات 104

نشر في العدد 249

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 13-مايو-1975

ليس الشيخ محمد محمود أبو طير إلا صفحة من صفحات الجهاد الإسلامي في فلسطين التي سطرها -وما يزال- جنود الإسلام؛ الإسلام الذي علمهم الجهاد وأمرهم به، كما علمهم الصلاة وأمرهم بها.

إن الإسلام الذي دفع المجاهدين إلى القتال غير آبهين بحياة أو مال، أو أي متاع من متاع الدنيا، هو نفسه الذي دفع الشيخ أبا طير إلى جهاد اليهود في فلسطين، فبعد الانتهاء من تلاوة القرار القاضي بالحكم على الشيخ أبي طير بالسجن ٣٧ عامًا، نظر إلى هيئة المحكمة اليهودية، وقد أشرق وجهه وازداد صفاء وانفجرت شفتاه عن ابتسامة عريضة وقال:

لم آبه لوجودكم وما يحمل في طياته من إرهاب وعدوان، فكيف بي سآبه لأحكامكم؟! إن ضميري في غاية الراحة، فقد قمت بواجبي وأنا أحمل الاستعداد لتحمل النتائج. ثم التفت صوب الحضور وقال: أو لم يقل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (البقرة: 190)؟ لقد قمت بتنفيذ فرض الله علي، ولست بنادم.

وكما شهد اليهود بأنفسهم اليوم جهاد الشيخ أبي طير، شهدت فرنسا بالأمس جهاد الشيخ الأشمر، والشيخ كامل القصاب، والشيخ الدقر في سوريا، والشيخ عبد الحميد ابن باديس، والشيخ بشير الإبراهيمي، والشيخ الفضيل الورتلاني في الجزائر، وشهدت إيطاليا أن الذي قهرها في ليبيا هم أبناء الطريقة السنوسية، هي الزوايا التي كانت منتشرة في طرابلس وبني غازي، والبيضاء، وفزان، وجغبوب. 

وشهدت إيطاليا أن الذي قهرها في العراق ولم تنفع معهم دباباتها ولا طياراتها، هم أولئك الذين تخرجوا من جامع الإمام الأعظم في بغداد.

نعم.. ليس الشيخ أبو طير إلا واحدًا من هؤلاء المجاهدين الذين بدءوا الجهاد في فلسطين منذ ثلاثينيات هذا القرن...

الشيخ عز الدين القسام 

كان الشيخ عز الدين القسام داعية من دعاة الإسلام، وبطلًا من أبطاله، اشترك في الثورة العامة التي قامت في سوريا ضد الفرنسيين، وحمل سلاحه حتى قدر لتلك الثورة أن تقف، فجاء إلى حيفا متخذًا منها مقامًا ومستقرًّا، وكان «القسام» رجلًا عالمًا، مؤمنًا، صادقًا، فكان يلتقي بتلاميذه وجنوده تحت ستار الدروس الدينية، وما انتهى يومًا من درسه إلا وختمه بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (المائدة: 51)، وكان الشباب والرجال يلتفون حول الشيخ عز الدين القسام، وبدأت المنطقة تشهد أعمالًا بطولية عظيمة، فمنذ أوائل عام ۱۹٣٥م شهد المثلث العربي «جنين- نابلس- طولكرم» سيلًا من الاغتيالات للضباط الإنكليز، ونسف القطارات، والهجوم على معسكرات الجيش البريطاني. وكانت هذه الأعمال تتم تحت جنح الظلام، وفي فترات متعاقبة غاية في الدقة والتنظيم والسرية، وسرت روح الجهاد بين الشعب، فتتابع تنظيم التشكيلات السرية، وزادت متاعب البريطانيين.

ولقد كان القسام صادق الرأي مخلص العقيدة، فربأ بنفسه أن يدعو إلى الجهاد ولا يجاهد، وأن يشهد تلاميذه يقاتلون ولا يقاتل.

وحاصرت قوات الاحتلال عرين البطل المجاهد، ودارت معركة في غابة «يعبد» بمنطقة جنين، انتهت يوم ٢٥ نوفمبر- تشرين الثاني- ۱۹۳5م باستشهاد القائد وبعض رفاقه، وأسر الباقون من عصبته المؤمنة ليسجنوا ويعذبوا طويلًا في سجون الاستعمار.

وذهب القسام إلى ربه شهيدًا.. بعد أن جدد في النفوس معنى التضحية، وكثر من بعده الشيوخ المجاهدون في فلسطين، فجاء الشيخ فرحات السعدي، والشيخ نمر السعدي، والشيخ معروف الكرخي، والشيخ أبو درة، والشيخ أبو محمود، والشيخ أبو إبراهيم الصغير، والشيخ أبو إبراهيم الكبير، والشيخ محمد أبو قطب، والشيخ حسن سلامة، وغيرهم ممن لا يستطاع عدهم أو حصرهم.

وكانت الدولة البريطانية تخشى هؤلاء الشيوخ وترتعد من مرآهم، وكانت بريطانيا تزج في السجون بكل من كان على رأسه عمامة، أو أرسل في وجهه لحية.

ولا ننسى أن منبر الاستقلال في حيفا، ومنارة الجزار في عكا، ومحاريب الأقصى في القدس، وحرم إبراهيم الخليل، ومرابط الآساد في جبل النار في نابلس ويافا واللد والرملة وغزة وصفوريا وجبع.. كلها كانت لتخريج الأبطال الذين دوخوا بريطانيا وقهروا جيوشها في مدة ثلاثين سنة.

واسمحوا لي أن أنقل إليكم ما رواه الشيخ محمد نمر الخطيب في محاضرة له: «في أوائل سنة ١٩٤٨، حينما فاجأتنا بريطانيا بعزمها على ترك فلسطين، وإنهاء الانتداب، أوقعتنا في ارتباك يا له من ارتباك؛ لأننا لم نكن لنصدق أن بريطانيا ستخرج من فلسطين في مثل هذه السرعة.

ومن نافلة القول أننا لم نكن مهيئين لمثل هذا اليوم، ولم يكن لدينا من السلاح كثير ولا قليل.

كان لا بد من عمل مهما كان ضئيلًا، ليحفظ على الناس شعورهم ومعنوياتهم، وألتفت فإذا حولي من شباب حيفا عصبة مؤمنة من بقايا السيوف، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (الكهف: 13).

وهنا أيها السادة استنجدنا بالله فأنجدنا، وإذا بهذه العصبة التي كنا نسلحها بالعصي صباحًا تأتي مثقلة بالبنادق والرشاشات والمدافع الخفيفة مساء.

لقد أقسم كل فتى من هؤلاء الفتيان ألا يعود إلى عرينه بعصاه الخشبية، بل سيرجع حاملًا آلة، أو يطويه الردى شهيدًا. ولقد كتبت الجرائد آنذاك: إن «فلانًا» يسلح فتيانه بسورة الفاتحة وآية الكرسي».

ولا ننسى -أخيرًا- أن الدور العظيم الذي قام به الإخوان المسلمون في فلسطين؛ إذ بدءوا جهادهم فيها مع قيام دعوتهم في مصر، فقد نجح عدد من شبابهم في التسلل إلى فلسطين والاشتراك في ثورة ١٩٣٦م، وخاصة في مناطق الشمال.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية أخذ الإخوان يعملون للقضية عملًا إيجابيًّا، فأرسلوا وفودًا من دعاتهم وشبابهم يؤلبون العرب ويستحثونهم للكفاح، وتولى نفر منهم تدريب الشباب الفلسطيني تدريبًا سريًّا، ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد حتى أصبحت شعبهم ودورهم مراكز للقيادة وساحات للتدريب. ولا يزال أهل فلسطين يذكرون لدعاة الإخوان المسلمين دورهم الخطير في توجيه الشباب العربي نحو ميادين الجهاد والاستشهاد.

ولقد أدرك اليهود ما ينطوي عليه هذا التدخل من خطر شدید على أهدافهم وخططهم، فقاموا ينشرون المقالات الطوال في صحف أوربية وأمريكية، ويفعمونها بالتهم الخطيرة عن الإخوان المسلمين، وقد كتبت فتاة صهيونية تدعى «روث كاريف» في مطلع عام ١٩٤٨م مقالًا نشرته لها جريدة «الصنداي ميرور» قالت فيه: «إذا كان المدافعون عن فلسطين -أي اليهود- يطالبون الآن مجلس الأمن بإرسال قوة دولية لتنفيذ مشروع التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة، فإنهم لا يطالبون بذلك لأن الدولة اليهودية في حاجة إلى الدفاع عن نفسها، ولكنهم يريدون إرسال هذه القوة الدولية إلى فلسطين لتواجه رجال الإخوان المسلمين وجهًا لوجه، وبذلك يدرك العالم كله الخطر الحقيقي الذي تمثله هذه الحركة.

وإذا لم يدرك العالم هذه الحقيقة في وقت قريب، فإن أوربا ستشهد ما شهدته في العقد الماضي من القرن الحالي؛ إذ واجهتها حركة نازية فاشية، فقد تواجهها في العقد الحالي إمبراطورية إسلامية فاشية، تمتد من شمالي إفريقيا إلى الباكستان، ومن تركيا إلى المحيط الهندي».

هذه مجرد صور قليلة وخواطر تتوارد إلى الذهن بمناسبة سجن شيخنا محمد محمود أبو طير... والصور تتوالى... والجهاد ماض إلى يوم القيامة.

الرابط المختصر :