العنوان ذكريات رمضانية (1).. مع الإمام «بداه»
الكاتب سيدي محمود ولد الصغير
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2012
مشاهدات 81
نشر في العدد 2014
نشر في الصفحة 40
السبت 04-أغسطس-2012
يعود بي رمضان إلى ذكريات جميلة مع شيخ القطر الموريتاني الإمام المجدد بداه بن البصيري - يرحمه الله تعالى - قبل عدد من السنين، يتسارع بها ركض الزمن؛ لتجبر من لا يزال يحسب أنه خلق البارحة - تقصيرًا وغفلة – على أن يؤرخ كما كان يسمع الكبار يؤرخون ذات يوم! كان ذلك أوائل عقد التسعينيات, حيث تشكلت كثير من المفاهيم والقناعات لدي في تلك «المحظرة» المباركة التي ترعرع فيها العمل الإسلامي المعاصر في موريتانيا.
وكنت قبل أن أعرف هذه الحقيقة کمسلمة تاريخية يتحدث عنها مؤرخو الحركة الإسلامية, أستغرب كيف تتوارث أجيال محظرة الإمام بداه بن البصيري ذلك الفكر الإسلامي الوسطي الناصع, بدون جهد منظم يُقام به، أو عمل حركي تأطيري يمارس بين الطلبة.
نعم, لقد تشربت تلك المحظرة منهج الشيخ التجديدي المتوازن الجريء, كما تشربت جهد ونشاط طلبة للشيخ كبار مروا بالمحظرة في فترة ماضية، فأبقوا الأثر المشهود؛ تتوارثه الأجيال؛ وضوحًا في الرؤية, ونصاعة في الفكر وانفعالًا بقضايا الأمة، دون أن تعرف بالضرورة, أو يعرف بعضها على الأقل مصدر ذلك التأثير العجيب بشكل دقيق.
ولم تخل في أيامنا من قامات علمية وفكرية من كبار طلبة الشيخ البارزين ممن تتلمذنا على أيديهم في منهج المحظرة, واتسع نطلق التأثر بهم إلى الفكر والسلوك.
كان ما يعيشه الطلبة في جو المحظرة صدى لحياة الشيخ العالم العابد الزاهد المنافح عن الحق بما أوتي من قوة, حتى الذين لم يكونوا على اتصال مباشر به ممن يدرسون على طلبته فحسب «ولست منهم فقد حظيت بقرب خاص من الشيخ وتتلمذ مباشر عليه بحمد الله تعالى».
كان الشيخ بداه بحق مدرسة في العلم, والعمل، والأدب, والخلق, والجرأة في الله تعالى، بل لقد كان كما وصفه الشيخ عدود يرحمه الله في أبياته الطيبة:
الشيخ بداه الإمام دون شك
مصنف مدرس مفت مزك
موئل ذي حاج منير في حلك
شفیع جان مرشد من ارتبك
يجمعه والعذب قدر مشترك
لولاهما لمصرنا هذا هلك
شهادة ليست كتسليم بفك
من باب أسلفني على أن أسلفك
قصدت شيخنا بها أن أنصفك
ومن طريف الإجابات ما علق به الشيخ على هذه الأبيات الجميلة لعلامة العصر الشيخ محمد سالم حيث قال له: والله لا أجلدك في الخمر بعدها! إشارة إلى قصة أبي محجن الثقفي, وأنشأ يقول:
أنصفتني فرمت أن أعرفك
بشيمة الأشراف كي أشرفك
شيمتهم الإنصاف قولة بفك
لم يكن القصد بها أن أسلفك
في الخمر بعد هذه لن أجلدك
والحق أني لم أحفظ الشطر الأخير في أول تداول للأبيات أيام قيلت، ولكني سمعته بعد ذلك من بعض الرواة، ولم أكن حاضرًا للمجلس للأسف الشديد.
ما أجمل شهر رمضان في محظرة الشيخ بداه، وما ألذ صلاة التراويح خلفه!
ولله تلك الدروس البسيطة العميقة المؤثرة المربية التي كان يعقدها الشيخ في مسجده، وخصوصًا في هذا الشهر الكريم, ما أجلّ الفوائد التي كنا نستمع إليها وأبقى تأثيرها في النفوس رغم حداثة السن وقلة الاهتمام!
رحم الله شيخنا المبارك الإمام بداه ولد البصيري، وجزى خيرًا من وصفه فأغنانا عن محلولة استجماع خصاله فيما لا قبل لنا به من تعبير؛ فقال : «كان بداه شحنة من الإيمان ووهجًا من القرآن وقبسًا من السُّنة, تُسر به النفوس وتنتعش به القلوب, وتقتات منه العقول... كان مدرسة إيمانية عملية تتجاوز المنطق بالعرفان وأدوات الخطاب بالإيمان, وتلج النفوس في يسر وسهولة مربيًا ومعلمًا, وداعيا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، كانت فيه بساطة الزاهد وتبسيط المدرس وحنكة المربي، وربانية العارف، وعمق العالم، ومرونة الداعية.. يكلمك فتجد من كل ذلك النصيب الأوفى في وقار ومرح ودعابة تربط بالآخرة وعلم يحيي النفوس».(1)
وليس القصد هنا سرد الذكريات عن الشيخ على ما في ذلك من متعة وإغراء, رحم الله الشيخ وجزاه خيرًا عن الإسلام والمسلمين، بارك الله لنا ولكم في رمضان .
الهامش
1 )) محمد المختار ولد الدمين: «ورحل العالم المصلح بداء»، مقال في تأبين الشيخ منشور بالمواقع الموريتانية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل