العنوان دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1973
مشاهدات 76
نشر في العدد 145
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 10-أبريل-1973
دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين
بناء ذاته في الداخل وإشعاع في الخارج
بينما تتجمع السحب حول المسلم من كل واد، وبينما يخيل للمرء أن مكان المسلم المعاصر هو مجرد الدفاع عن الذات بحثًا عن أي بقاء هزيل يضمن له استمرار الوجود في ظل سلام، وعطف القوى المتكالبة عليه، بينما هذا كله يثير الكاتب الجزائري المسلم مالك بن نبي قضية دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين، لكن لماذا الثلث الأخير من القرن العشرين؟
أولًا- لأن القرن الذي تحققت فيه تغيرات جذرية بدت وكأنها ترسم للإنسانية نقطة اللارجوع على محور الزمن، فهو القرن الذي هبت فيه أكبر عواصف التاريخ على مصير الإنسانية.
ثانيًا- لأنه القرن الذي سجل الأحداث الكبرى في مجال العلم أو النفس.
ودور المسلم في هذه الفترة من التاريخ يبدأ من نقطة الفهم للمحور الذي يحاول السيطرة على العالم، وهو محور «واشنطن - موسكو» محور القوة والعلم والحضارة.
وفي الثلث الأخير من هذا القرن سوف يفقد هذا المحور المبررات الروحية التي كانت تدفع رجل القرن التاسع عشر إلى محاولة الإسهام في البناء الحضاري.
إن بعض الإحصاءات التي ظهرت عن مدمني الخمر في محافظة باديس «في تقرير رسمي» تفيد أن نسبة المدمنين بين الشباب للمخدرات تضاعف بنسبة عشرين في المائة في السنتين الأخيرتين، وبالإمكان تصور النسبة بعد عشر سنوات.
إن الهوة قد اتسعت بين الواقع الطبيعي الإنساني والواقع الثقافي اليوم، ولقد أصبح الشباب ممزقًا بين فكرة لا يستطيع التخلص منها تمامًا؛ لأنها مسجلة في طينته البشرية، تلك الطينة التي كرمها الله، وبين واقع ثقافي لا يقدم له مبررات، ولا يعطيه بديلًا عن مبرراته الفطرية.
إن الخجل من إعلان الإفلاس من أكبر العوائق أمام الإنسان المعاصر، ولو أن إعلانا من هذا النوع قد صدر عن هذه الحضارة؛ لأمكن اعتباره بداية البحث عن الطريق الذي ينتظر الإنسان، ربما يكون هذا الطريق هو الذي تعبر عنه هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (سورة التوبة: 33) إن المسلم في وجه محور واشنطن موسكو الذي سوف يعاني من انهيار نفسي وأدبي وخلقي محقق في الثلث الأخيرة من القرن العشرين- يجب عليه أن يقوم بعملية مهمة، هي رسم خريطة أيديلوجية للعالم المعاصر يوضع فيها الإنسان كنقطة صغيرة، مثلما كانت مكة أيام الجاهلية القديمة، ومن هذه النقطة الصغيرة يبدأ التحدي للجاهلية الحديثة بكل أوزارها وإمكاناتها.
وسوف تعيننا -أمام هذا التحدي- اعتبارات، أهمها فقدان الأديان الأخرى مبررات بقائها، المجوسية محاها سعد بن أبي وقاص وعمر بن الخطاب يوم القادسية، البوذية محاها ماوتسي تونج، البرهمية محتها ظروفها الخاصة كدين المسيحية، كما عبرت عنها المجامع المسكونية، فقدت مبرراتها التي يمكن أن تقدمها للقس وللمرأة وللإنسان.
ولم يبق غير الإنسان، وعلى الرغم من كل الضربات للمسلمين، فقد تضاعف عددهم إلى ما يقرب من المليار على امتداد نصف قرن وهم يعيشون في نصف الكرة الأرضية تقريبًا، وسيبدو على الرغم من كل الظواهر الظاهرة للسطح أن سير التاريخ كأنما يستدرج العالم إلى فشل تجاربه وخيبة أمله، ونرى كأنما الله يهيئ الفرصة لتحقيق القاعدة التاريخية الاجتماعية لتحقيق الآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (سورة التوبة: 33) إنه ليخيل إلى أن الله -عز وجل- قد أراد تعطيل دور المسلم حتى تنتهي كل تجارب الآخرين بالفشل، ويستطيع إصلاح أخطائهم، أو حتى تصل تجاربه إلى نهاية فشلها فتكون للمسلم الخبرة لتدارك أخطائه، وليلعب الدور المناط به، ولكن كيف يتحدد هذا الدور؟
إن على المسلم أن يفكر كيف يسير في اتجاه التاريخ، كيف يستغل الظروف السائحة التي تتاح له على المحور «موسكو واشنطن» ذلك المحور الذي فقد المبررات التقليدية لوجوده، إن على المسلم أن يقوم بإنشاء في الداخل وإشعاع في الخارج، إن على المسلم أن يبلغ الإسلام، وعليه كذلك ألا يكون الماء الذي تحت مستوى الأرض، إن عليه أن يرفع مستواه الحضاري ليصبح قادرًا على تعميم ذلك الفضل على مستوى الأرض، بل عليه أن يرتفع فوق مستوى الحضارة كي يرفع الحضارة إلى قداسة الوجود إلى ربانية الوجود، ولا قداسة لهذا الوجود إلا بوجود الله، ولن يكون ذلك بالشطحات الصوفية، وانما بنزاهة «كلمة الحق». بنزاهة الشاهد «لتكونوا شهداء»، الشاهد الصادق الواعي بقيمه وبشهادته.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل