العنوان دعوة صفات المنكرين
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1985
مشاهدات 81
نشر في العدد 725
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 16-يوليو-1985
- لا بد للمتصدر لأمر الدعوة أن يفقه أنواع الحكم التكليفي وأنواع أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعرف ما ينكر على الناس وما يغض الطرف عنه.
- حتى يؤدي التأثير حقه عند عملية الإنكار لا بد للمنكر أن يبدأ بنفسه قبل نصيحة الآخرين.
1» الحكمة..
وهي صفة ضرورية فيمن يتصدى لهذا الأمر، لذلك قال تعالى في كتابه الكريم ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ﴾ (سورة النحل: 125)
يقول سيد رحمه الله «إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله لا تشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به لا على الدعوة، ولا على من يهتدون به وأجره بعد ذلك على الله».
والدعوة بالحكمة والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه. «11»
وليس من الحكمة استخدام أسلوب واحد في النهي والأمر مع الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والمثقف والجاهل، والأمير والحقير، والغضوب والهادئ، بل لا بد من تنويع أسلوب المخاطبة بما يناسب السن والثقافة والطبيعة النفسية والمركز الاجتماعي لكل فرد.
ولا شك أن من يؤتى الحكمة في الإنكار على هذا النحو، فقد أوتي خيرًا كثيرًا، يقول تعال ﴿يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ﴾ (سورة البقرة: ٢٦٩) «12».
2» التنقية من الدغل...
إن هذه الحكمة لا يمكن أن تعطي لصاحب قلب غافل عن ذكر الله قد تعلق قلبه بمن دونه من أمراض الدنيا كالنساء والأموال والدواب والأبناء والعقار وغيرها من زينة الحياة الدنيا، ولا يمكن لصاحب قلب لم يتفكر بأسماء الله، وصفاته وعظيم مخلوقاته، ولا يمكن أن تعطى لصاحب قلب قد جعل عمله مخلوطًا، شيئًا لله، وشيئًا لغير الله هذا ما جعل الإمام ابن القيم يقول «إذا غذي القلب بالتذكر، وسقي بالتفكر، ونقي من الدغل رأى العجائب، وألهم الحكمة» «13».
ينقيه من الدغل، ويجعله صافيًا لله وحده حينها يصب الله في هذا القلب الحكمة فإنها لا تستقر في قلب قد عشقت واستقرت فيه شوائب الدنيا.
٣» الصبر...
الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يواجه معارضة ممن يأمرهم أو ينهاهم، ذلك لأنه ينهاهم عن أمر يخالف أهواءهم وما اعتادوا عليه، وصور المعارضة من أصحاب المنكر متعددة، فأما تكون على صورة ضرب وأبناء وأما أن تكون على صورة قتل أو على صورة اتهام باطل، أو على صورة سب وشتيمة، أو على صورة طرد، أو على صورة سلب للمخلفات وغيرها من الصور الكثيرة، ومن عاهد الله على أن يكون جنديًا من جنوده وحزبه، وأخذ عن عائلة دعوة الناس لهذا الخير فلا بد أن يتحمل أذاهم وهذا ما أمر به الله سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له ﴿وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ (سورة المزمل: 10) «14».
وهكذا ربي النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام على الصبر عندما يدعون الناس فهذا أحدهم وهو وهب بن منبه رضي الله عنه يقول: «من خالط الناس فورع وصبر على أذاهم كان أفضل عندي» «15».
وجاء في ترجمة عمير بن حبيب بن حماسة الصحابي الجليل، وصيته لبنيه يعلمهم فيها هذا الأصل الكبير من أصول الدعوة إلى الله إذ يقول لهم:
«إذا أراد أحدكم أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر وعلى الأذى وليوقن بالثواب من الله فإنه من يثق بالثواب من الله لا يجد من الأذى» «16».
فالذي ينسى الأجر العظيم الذي يسوقه الله إليه عند البلاء هو الذي يشعر بألم الأذى أما من وثق بالأجر من عند الله فإن البلاء يتحول عنده إلى شهد يستلذ طعمه الطيب فيقول كما قال بلال والسياط تقطع ظهره «أحد.. أحد»، أو يقول كما قال عثمان بن مظعون عندما قلعوا عينه حينما اعترض على قول لبيد «وكل نعيم لا محالة زائل» عندها نظر إليه الوليد بن المغيرة وكان عثمان في جواره، ثم رده عليه، فقال له الوليد «أما والله! يا ابن أخي! إن كانت عينك عما أصابها الغنية، لقد كنت في ذمة منيعة، فقال عثمان بل والله! إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في الله».
ثم أنشأ يقول:
«فإن تك عيني في رضى الرب نالها
يدا ملحد في الدين ليس بمهتد
فقد عوض الرحمن منها ثوابه
ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد»
بهذا كانوا يستلذون البلاء الذي يلاقونه في سبيل الله وهذا ما أراد الصحابي الجليل عمير بن حبيب أن يوصله في نفوس أبنائه قبل أن يقذفهم في خضم المجتمع يأمرون وينهون.
3» معرفة الله وتعلم العلم...
- الصياد والشبكة.
الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا وهو الذي أمرنا بالقيام بواجب الأمر والنهي، ولا يتم هذا الأمر حتى تتم المحبة بين الخالق والمخلوق، ولا تتم المحبة حتى تزداد المعرفة بهذا الخالق وبالطريق التي دل عليها، المعرفة بأسمائه وصفاته وذكره على كل حال، ومعرفة ما في كتابه الكريم من أوامر ونواهي ومعرفة ما جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم من الهدي والعلم، وبهذا يسهل عليه تعريف الناس بهذا الإله الذي يعرفه، فكلما عرفه وتعمق بمعرفته سهل عليه اجتناب الناس، وعلى مقدار المعرفة بالله تزداد أعداد المهتدين أو تنقص على يديه هذا ما بينه الإمام الجيلاني حين قال: «من كملت معرفته لله عز وجل، صار دالاً عليه يصير شبكة يصطاد بها الخلق من بحر الدنيا» «18».
أما من جهله، فيصعب عليه أن يجذب الخلق إليه ويكون شبكة يصطادهم فيها فتنعدم وسيلةالإنقاذ عنده وهو يرى الغرقى في بحر الدنيا، يريد إنقاذهم فلا يستطيع لأنه جاهل بالله فهو كالأعمى الذي يريد أن يكون قائدًا لمن ضلوا الطريق فأنى يوصلهم إلى بر الأمان؟!
هذا الصنف من الدعاة تجعل الإمام الجيلاني يغضب، وتجعله يقول لأحدهم دون مداراة «أنت أعمى كيف تقود غيرك إنما يقود الناس البصيرة، إنما يخلصهم من البحر السامج المحمود، إنما يرد الناس إلى الله عز وجل من عرفه، أما من جهله كيف يدل عليه؟» «19».
علم لا بد منه...
وهناك ألوان من العلم لا بد لمن تصدى لعملية الأمر والإنكار أن يلم بها يوجزها الإمام ابن الجوزي فيقول «فينبغي للمواعظ أن يكون حافظًا لحديث رسول الله عارفًا لأخبار الزهاد، فقيهًا في دين الله عالمًا بالعربية واللغة، فصيح اللسان.
ومدار ذلك كله على تقوى الله عز وجل- وأنه بقدر تقواه يقع كلامه في القلوب» «20».
ولا يعني هذا أن من لا يملك هذه العلوم أو جزءًا منها، فإنه يتوقف عن الإنكار، بل أن الأمر كما ذكره الإمام النووي «يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن العوام مدخل فيه، ولا لهم إنكار بل ذلك العلماء» «21».
والأصل في كل هذه العلوم، التقوى والإخلاص فلعله لا يملك بعض هذه العلوم، فلم يكن فصيحًا أو عالمًا بالتواريخ أو بالفقه، لكنه كان تقيًا مختصًا، فإن كلماته تنصب من فمه إلى قلوب المستمعين، وذلك ما أكده ابن الجوزي في موضع آخر حين قال: «ثم يصحح قصده، فإنه إذا صح قصده صرف الله القلوب إليه» «22».
ضرورة معرفة أنواع الحكم التكليفي..
وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم
إن مما يؤلم أن يرى المرء أعراضًا من قطاع كبير من الناس في الدعوة إلى الله ومن الاستماع إلى كلمة الحق، ويرى كراهية منهم لاتباع هذا الحق، تشعر بها من خلال مواقفهم، وأحاديثهم، وإذا تتبعنا السب لعرفنا أن تلك الكراهية وذلك الإعراض والنفور كان بسبب مصادفتهم لبعض النوعيات من الدعاة المتحمسين لدينهم، والمشفقين على حال الأمة وما وصلت إليه من التردي، ولكنهم لا يعرفون إلا الحلال والحرام، أو أنهم يخلطون أقوال الرسول وأفعاله، ولا يفرقون بين أنواع الأقوال والأفعال. فكل من ترك مباحًا أو مستحبًا كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم يجعلونه من المنكر الذي يجادلون الناس عليه، وترتفع الأصوات وتحمر الأوجه، وتنتفخ الأوداج، وربما تدخلت الأيادي بسبب ما يعتقدونه أن ذلك من المنكر الواجب إنكاره ومن المعروف الذي يجب مخاصمة الناس من أجل نشره.
فلا بد للمتصدر لأمر الدعوة أن يفقه أنواع الحكم التكليفي وأنواع أفعال الرسول صلى الله وسلم، حتى يعرف ما ينكر على الناس وما يغض الطرف عنه، وحتى لا يشق على الناس. ويحملهم أكثر مما يطيقون فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوصى الصحابة رضي الله عنهم بقوله «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا...» «23».
أولًا: أنواع الحكم التكليفي...
1- الإيجاب
وهو طلب الفعل على وجه الحتم والإلزام، كقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ (سورة البقرة: ١٨٣) «24» وقوله تعالى ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ (سورة البقرة: 43) «25» ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم «خمس صلوات افترضهن الله على العباد» «36» وغيرها من أدلة الإيجاب.
2- التحريم
هو طلب الكف عن الفعل على وجه الحتم والإلزام، كقوله تعالى ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ﴾ (سورة الإسراء: 32) «27» وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ﴾ (سورة البقرة: 173) «28» وقوله تعالى﴿فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ﴾ (سورة الحج: 30) «29».
3- الاستحباب
طلب الفعل لا على سبيل الحتم والإلزام، ولا يأثم تارکه مطلقًا.
4- الكراهة
هي طلب الترك لا على سبيل الحتم والإلزام، ومن علاماتها أن يضع الشرع ثوابًا للترك ولا يضع عقابًا على الفعل كقول النبي صلى الله عليه وسلم «أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا...» «30».
أو أن يكون مع النهي قرينة تعرفه عن الوجوب، ومثاله الحديث الذي ينهى عن الحديث بعد العشاء، ثم الحديث الذي يذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم بعد العشاء.
5» الإباحة...
هي التخيير بين الفعل والترك، ومن علاماتها ورود الدليل برفع الإثم والثواب في كلتا الحالتين الفعل والترك، وكالإتيان بلفظ «لا جناح عليكم». وقد ينقلب المباح إلى مستحبًا أو واجبًا أو حرامًا أو غير ذلك باختلاف النيات.
ثانيًا- أفعال النبي صلى الله عليه وسلم.
فلا بد من معرفة دقيقة لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة حكم كل منها، فما كان في دائرة المباح أو المستحب فلا إنكار في تركه، وما كان في دائرة المكروه فلا إنكار في فعله، ولا مانع من الترغيب في تركه نظرًا لما يترتب على تركه من الأجر، وعدم ترتب شيئًا من الإثم في فعله.
فليس من فقه الإنكار، وليس مما طلبه الشرع منا النهي عن نوع أو طريقة في اللباس ما لم يثبت تحريمه بدليل صحيح، كالإنكار على لابس البنطال أو كإلزام الناس بلبس الإزاء والقميص التي كان يلبسها الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ليس العمامة فهذه الأمور هي من «الأفعال العادية» التي فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم جريًا على عادة قومه ومألوفهم، وحكمها الإباحة، ما لم تقترن بقرينة قولية تصفها في الإباحة، فليس لأحد أن ينكر على من لا يعمل بها.
وكذلك الذي ينكر على الآخرين لبسهم للساعات في اليد اليسرى، ويستشهد بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يتخذ خاتمًا في يمينه، ومع أن الخاتم يختلف عن الساعة، ووضع الساعة بالشمال لأسباب لا تخفى على الكثير منها مداومة استخدام اليمين في الأعمال فيكون من الأسهل وضعها في الشمال، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لبس الخاتم باليمين فإنه لم يأمر به، ولم يدل الفعل على كونه مقصودًا في العبادة، فيخرج بذلك من الوجوب، وأقرب ما يكون من «الفعل العادي»، أما التيامن فيعني به تقديم اليمين على الشمال. كتقديم الرجل اليمين على الشمال في دخول البيوت والمساجد والأماكن الطيبة، وكاللبس يبدأ اليد اليمنى قبل اليسرى، وكالأكل باليمين لورود الدليل القولي بذلك، وبسبب ما تسببه اليد اليسرى عند الأكل من مضار، ذلك لأنها تستخدم في الاستنجاء وإذن لم يكن المقصود بالتيامن عدم استخدام الشمال في شيء وإلا لتعطلت بسبب هذا الفهم الخاطئ.
6» الإخلاص...
وليس ابن الجوزي هو وحده الذي انتبه إلى أن الإخلاص هو أحد أكبر الأسباب لإقبال الناس على من يدعو إلى الله، بل أدرك هذا الأمر الشيخ ابن النحاس عندما قال:
«من أخلص لله النية أثر كلامه في القلوب القاسية فلينها، وفي الألسن الذربة فقيدها وفي أيدي السلطة فعقلها» «31».
النائحة الثكلى والمستأجرة...
ويتعجب ذر لظاهرة قد لاحظها في مجالس أبيه الزاهد عمرو بن ذر ولم يجد لها تفسيرًا، والذي زاد من عجبه أنه إذا حضر مجالس الشيوخ الآخرين تتلاشى هذه الظاهرة، مما دفعه لأن يسأل أباه عنها «ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، فإذا تكلمت أنت سمع البكاء من ها هنا وها هنا؟! قال: يا بني ليس النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلي» «32».
فالواعظ الذي يأخذ أجرًا مقابل موعظته وأمره وإنكاره لا يمكن أن يتساوى مع من اتخذ هذا الأمر واجبًا من واجباته وجزءًا من حياته لا يستطيع العيش بغيره وهو يرى الجهل المتفشي في أمته ویری تسلط الشيطان في رقاب قومه، وتجبر الطغاة واتباعهم على أهل الحق، ومحاربتهم لمنهج الله وأتباعه وهو يرى الدماء الزكية تراق في كل بقاع الإسلام على أيدي الطغاة فنرى قلبه يغلي كالمرجل ودموعه تنهمر كالشلال كمدًا على ما يرى مما يصنع بدين الله وأتباعه، فتخرج كلماته من أعماق قلبه ومن زفرات صدره ومن دموع عينيه لتصل إلى قلوب السامعين فتهزها هذًا عنيفًا، تجعل السامع مشدوها لروعة العبارات الخارجة من ذلك الداعي.
وصدق عمرو بن ذر عندما قال «ليس النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلي»، وقد ورد عن سفيان الثوري قوله «وإني لأرى الشيء يجب علي أن آمر فيه وأنهى فأبول دمًا» «23».
من أخلاق المنافقين...
وإذا لم يكن السبب الذي ذكره عمرو بن ذر لابنه عن تلك الظاهرة التي لاحظها في مجالس وعظه كافية لفهمها، فإن الزاهد عوف الأعرابي يذكر سببًا آخر يزيد هذه الظاهرة وضوحًا، سببًا يتصل بصاحب الإنكار عندما يتسلل الشيطان إلى نفسه فيجعله يعجب بمنطقه وعباراته وبمواقفه في الإنكار على أهل المنكر، وبتجمع الناس وكثرتهم في مجالس وعظه فيغريه بحب الثناء والمدح وكراهية الانتقاد، لأنه يحسب أنه قد وصل إلى مرتبة الكمال.
هذا الشعور الشيطاني هو أحد أكبر العوائق لعدم تأثر السامع للمتكلم ذلك لأنه شعور شيطاني ويصنفه عوف الأعرابي من أخلاق المنافقين عندما قال: «من أخلاق المنافق أن يحب الحمد، ويكرهالذم» «34».
اجتماع الماء والنار...
والإمام ابن القيم يجعل اجتماع الإخلاص وحب المدح والثناء من المستحيل، ويشبهه كاجتماع الماء والنار إذ يقول «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت. فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك، لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص «35».
الشهيد المزور..
ومن بعد ابن القيم يأتي ابن النحاس ليؤكد على خطورة هذا المرض بين صفوف الدعاة إلى الله، خاصة لمن أنكر على أصحاب السلطان، فيقول:
«الداخل على الأمير أو السلطان يقصد الإنكار والموعظة يجب أن يكون قصده في ذلك خالصًا لله تعال فإنه قد يقدم على هذا وإنما قصده أن يكون كلامه سببًا لتعرفه بالسلطان، وطلب المنزلة عنده أو يكون قصده طلب المحمدة من الناس وإطلاق ألسنتهم بالثناء عليه، والشكر لصنيعه، وتعمير قلوبهم بتوقيره عندهم وتعظيمه، وأن يقال عنه أنه أغلط السلطان، وأقدم عليه بالكلام، ولم يبال فيصير معظمًا بين الناس ويخشاه أبناء جنسه إلى غير ذلك من المقاصد التي لا تتحمر لتنوع الأغراض، وهذه مزلة عظيمة، يجب التفطن لها، والتنبيه عليها، وتحقيق القصد قبل الوقوع فيها، وإلا فربما ناله مكروه في الدنيا، وهو فيه غير مأجور بل آثم مأزور، وربما أفضى ذلك إلى قتله فقتل عاصيًا، وهو يظن أنه أفضل الشهداء» «36» فلا بد من تصحيح القصد، وإخلاص النية قبل أي عملية من عمليات الإنكار، وأمر آخر يجب التنبيه عليه وهو ألا يسيطر هذا الشعور على بعض الدعاة ليمنعهم من إنكار المنكر، فيكونون بذلك فريسة سهلة لخدمة جديدة من حيل إبليس.
5» القدوة...
وهو ركن لا تتم عملية الإنكار، ولا تؤتي ثمارها إلا به، وقد تكون الأفعال أكثر أثرًا من الأقوال في كثير من الحالات، وإنكار وموعظة لا يلتزم صاحبها بها تؤدي إلى شر عظيم، وتؤدي إلى فتنة السامع وعدم اقتناعه بصحة ما يقوله ذلك الداعية، لذلك يقول الحسن البصري «عظ الناس بفعلك، ولا تعظهم بقولك» «37».
وحتى يؤدي التأثير حقه عند عملية الإنكار لا بد للمنكر أن يبدأ بنفسه قبل نصيحته للآخرين، هذا ما يبينه الحسن البصري في موضع آخر أن يقول: «الواعظ من وعظ الناس بعمله لا بقوله، وكان ذلك شأنه إذا أراد أن يأمر بشيء بدأ بنفسه ففعله، وإذا أراد أن ينهى في شيء انتهى عنه» «38».
ولا يكفي الأخذ اليسير بالأمر الذي يريد أن يأمر به أو ينهى عنه، ولكنه مطلوب منه أن يكون أكثر الناس أخذًا بالأمر الذي يدعو إليه، حتى لا يدخل ضمن من مقتهم الله سبحانه وتعالى عند قوله: ﴿كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ﴾ (سورة الصف: 3) «39» وربما هذا هو الهلاك الذي أشار إليه الحسن عندما قال: «إذا كنت آمرًا بالمعروف فكن من آخذ الناس به وإلا هلكت، وإذا كنت ممن ينهى عن المنكر فكن من أذكر الناس له وإلا هلكت» «40».
إن قدرة الداعية على تربية نفسه هي التي تؤهله على تربية الآخرين، وإن قدرته على الإنكار على نفسه هي التي تزيد من قدرته بالإنكار على الآخرين، وصدق الجيلاني عندما قال: «إذا كنت منكرًا على نفسك قدرت على الإنكار على غيرك».«41»
فمن أسرته نفسه، وأصبح عبدًا لهواه فلا يمكن أن ينكر على الآخرين..»
٦» التواضع...
فكما أن لزيادة المال تأثيرًا على بعض النفوس يجعلها تطغى، وتتعالى على الخلق، وتسبب في بعض الحالات سقوط بعض الدعاة ممن ابتلوا بهذه الفتنة، كذلك للعلم تأثير على بعض النفوس تجعلها تتكبر وتتعالى على الخلق إعجابًا بما يرى ما لديه من علم يتميز به في قرنائه في الدعوة، أو يتميز به عمن يأمرهم وينكر عليهم، لذلك حذر وهب بن منبه من هذا الأمر عندما ذكر «أن للعلم طغيانًا كطغيان المال» «42»
والتواضع قد يختلف في تعريفه ومعناه الكثير.
فمنهم من يرى أن التواضع يختص في اللباس، وآخر يرى أنه يختص في ما يركب المرء من الدواب، وآخر يرى هذا ويضيف إليه كثير وهكذا....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«11» الظلال 4/ 2202
«البقرة» 269
«13» الفوائد 128 النفائس
«14» المزمل 10
«15» الزهد لأحمد 372
«16» الزهد لأحمد 186
«17» الحلبة ج1 ص103
«18» الفتح الرباني ص95
«19» لفتح الرباني ص11
«20» كتاب القصص ص 180
«21» شرح مسلم للنووي 2/ 23
«22» كتاب القصاص ص 180
«23» متفق عليه
«24» البقرة 183
«25» البقرة 43
«26» صحيح أبو داود 451
«27» الإسراء 22
«28» المائدة 3
«29» الحج 30
«30» أبو داود «4800» وحسنه الألباني 5ج ص 1477
«31» تنبيه الغافلين 56
«32» الزهد لأحمد 357
«33» الجرح والتعديل 6/ 134
«34» الزهد لأحمد 373
«35» الفوائد 195، 196
«36» تنبيه الغافلين 62
«37» الزهد لأحمد 273
«38» الحسن البصري 87
«39» الصف 3
«40» الزهد لأحمد 260
«41» الفتح الرباني 43
«42» الزهد لأحمد 372
- لقد أفردت لهذا الموضوع فصلًا كاملًا في كتاب المصفى في صفات الدعاة- الكتاب الأول.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل