; أسلوب المستغربين في كتابة السيرة | مجلة المجتمع

العنوان أسلوب المستغربين في كتابة السيرة

عنوان تمهيدي دراسات في السيرة (20)

الكاتب محمد النايف

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1975

مشاهدات 11

نشر في العدد 256

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 01-يوليو-1975


·      
«على هامش السيرة» هو في حقيقته «على هامش الشعر الجاهلي» ومتمم له

حديثه عن الشياطين:

لطه حسين أحاديث مسهبة عن الشياطين، ولقد حاول وهو في حداثة سنه أن يستحضر الجن ويطوعهم لمشيئته، وأعد لهذه المحاولة عدتها من الطلاسم والأسباب لكنه فشل.

وقال في كتابه «الأيام» إنه إذا جن الليل وساد الظلام دب الخوف إلى قلبه، وكثيرًا ما كان يطمر وجهه بالغطاء الذي يتدثر به خوفًا من الشياطين.

ولعله الفهم وألفوه فيما بعد فتوسع في الحديث عنهم في كتابه «على هامش السيرة»، وخصهم في مواقف مخيفة وملفتة لنظر القراء، ومنحهم سمات الأبطال الذين يؤدون دورًا بارزًا في أمور الكون ومجرياته.

يحدثنا في موضع عن الشيطان الذي حضر خلاف قريش على الحجر الأسود، وكان على شكل شيخ نجدي، وعندما قبل الجميع حكم الأمين صلى الله عليه وسلم، وتناول بيديه الشريفتين الحجر ليضعه مكانه، أقبل الشيخ النجدي يناول الأمين حجرًا يثبت به الركن الأسود، فيأبى النبي أخذه منه ويغضب الشيخ فيحاول أن يوقع بين الأمين وقومه، لكنهم سخطوا منه وهموا أن يلحقوا به أذى ونظروا إليه فلم يجدوه. (ص: 337).

ويصف هذا الشيطان فيقول: كان رجلًا شيخًا حسن الطلعة، جميل المنظر، عليه وقار، وله سمت. هكذا يتخيل طه حسين!

حسن الطلعة، وعليه وقار، والحب يعمي قلب صاحبه!

وفي موقف آخر يتصدر إبليس مؤتمرًا للشياطين، فينقل لنا طه وقائع هذا المؤتمر لا تفوته كلمة واحدة: بماذا افتتح إبليس المؤتمر؟ ماذا رد عليه الشياطين؟! ما هو دور إناث الشياطين؟! وتحسب وطه يحدثك عن هذا المؤتمر أنه كان واحدًا من أعضائه، أو أن شيطانه قد عُمِّرَ منذ ذلك العهد ووضع بين يدي صديقه محاضر الجلسة، وصدق الله العظيم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 112).

ويحدثنا في موضع ثالث عن الشيطان الذي صادف عمرو بن هشام على هيئة شيخ أعرابي، فما إن سمع عمرو صوته حتى توقف لا تقوى رجلاه على المشي ولا تطاوعانه على الحركة.

وتكررت اللقاءات بينهما، فعمرو يرى الشيطان ومعه الناس لا يرونه، يسمع كلامه ويتحدث إليه والناس لا يسمعونه ولا يبصرونه وطه يسير معهما، يسمع كلامهما، ويدلف وراءهما إلى حجرة من بيت أبي جهل وينقل لنا كل ما قاله الشيطان، ويحلق في هذه الأكاذيب في أكثر من أربعين صفحة. (ص: 412 - 449).

لماذا اتبع أسلوب نسج القصص؟

أراد طه حسين أن يثبت في أذهان الناس أن النبوة اعتقاد كان معروفًا في مكة وكل فتى من قريش يطمع أن يكون صاحب هذا الفضل.

فكتب القساوسة والرهبان تنبئ بذلك، اليهود في المدينة، بحيرى الراهب، باخوم صاحب الحانة، راهب الإسكندرية الفيلسوف الحائر، نادي الشياطين.. هذه فصول في الكتاب تتحدث عن نبي منتظر.

والحديث عن النبي المنتظر له أصل عند اليهود والنصارى، لكن طه يضفي عليه من الأساطير التي لا يستسيغها عقل ولا نقل، حتى يجعل منها تصورًا مرفوضًا في أذهان من يخدعون ببضاعته المسمومة.

ولا يزال طه يجسم الروايات ويخترع الحكايات منذ ولادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحتى بعثته حتى يخيل للقارئ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكل من في مكة وحول مكة كان يعلم بأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - سيكون نبيًا رسولًا.

وادعاء طه لا يثبت مطلقًا أمام التحقيق العلمي، فعبد المطلب عندما كان يتوقع أن يكون هذا الطفل ذا شأن، ليس ضروريًا أن يكون الشأن هو النبوة، وأغلب ما أورده طه من معجزات قبل البعثة لا صحة لها، والذي ثبت لم يفسره أحد بالنبوة.

ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - خشي من الوحي عند نزوله عليه، ولو كان يستشرف النبوة لما خاف وذهب إلى خديجة يقول لها: «زملوني دثروني».

ويخلط هذه القصص المكذوبة بأن أكثر من قرشي ادعى النبوة ونادى بها، وهذا تلويح للسذج من القراء أن دعوة محمد قد تكون ادعاء كغيره من عرب الجزيرة!

والدعوة نفسها يحيطها طه بالخوارق، ولا يرى فيها إلا معجزات لا دخل للعقل فيها، والمعجزات انتهت بوقتها وليس هذا العصر بعصر المعجزات والخوارق، وهو أسلوب أعداء الإسلام من المستشرقين والملاحدة.

وطه حسين في كل ذلك منسجم مع مقدمته التي تحدث فيها عن الغرض من تأليف الكتاب ليكون أسطورة كأساطير الرومان واليونان، ولا يخاطب به العقل والمنطق، بل العاطفة وليكون أداة للتسلية وقضاء أوقات الفراغ.

حشر الفرعونية في السيرة

حشر طه حسين قصصًا عن المصريين لا علاقة لها بسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم..

يحدثنا عن قيصر وحاكمه أندروكليس، ثم عن الفيلسوف كلكراتيس وأن أخبار القساوسة والرهبان المنتشرين في سائر أصقاع الأرض كانت تأتي لمصر.

وينقل حديث باخوم وإقامته في مكة ليقول أخيرًا: «والعجب أن أكثر المصريين يجهلون أن لهم في بناء الكعبة يدًا، وأنهم قد اشتركوا فيه»! (ص: 338).

وطه حسين يرى أن المصريين أمة واحدة من نسل الفراعنة، والمسلمون مستعمرون كأي مستعمر وليس هناك من صلة بين مصر والبلاد العربية، وقد ورد الكثير من ذلك في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر».

تحريف وتضليل

على ندرة الصفحات التي خصصها طه حسين للرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرته العطرة، جاءت هذه الصفحات محشوة بالمغالطات، والذي سلم من التحريف كان للمتعة والتسلية كما قال في مقدمته.

ونختار مثالًا واحدًا على ما اعتمد من تدليس وتضليل.

ففي قصة زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش يقول طه: «ولكن الله يريد أن يلغي نظام التبني هذا، وأن يرد الناس إلى أنسابهم وأن يدعوا الأبناء لآبائهم، وإذا هو يمتحن في ذلك نبيه، ويمتحن في ذلك زيدًا، ويمتحن في ذلك المؤمنين الصادقين جميعًا.. يلقي في قلب النبي حب زينب زوج زيد، ويلقي في قلب زيد الانصراف عن زينب والنفور منها».

«وهذه نفس محمد مضطربة أشد الاضطراب، ممتنعة أشد الامتناع، واجمة أشد الوجوم، ترفض هذا الحب رفضًا، وتزْورُّ عنه ازورارًا، وإذا هي تنكره حتى على نفسها.. ولكن الله يبدي ما تخفي، ويعرف الناس ما تنكره، وإذا زيد يريد أن يطلق امرأته والنبي ينهاه ويزجره ويحذره. ولكن الله بالغ أمره ومفض إرادته ومتم حكمته، وإذا النبي يتزوج زينب، ويقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض في ذلك ما يقولون، ولكن الحب الخاص بين زيد ومحمد يخرج من هذه المحنة ظافرًا منتصرًا كأنقى وأصفى ما يكون، وإذا الله ينزل في هذه المحنة قرآنًا ويسمي فيه زيدًا فيقول: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب: 37)».

يزعم طه حسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أحب زينب وهي زوجة لزيد!

وهذا بهتان وإثم مبين!

وقد يقول لنا المدافعون عن طه: إن هذا القول أخذه من كلام المفسرين!

فنقول: أين التحقيق العلمي في ذلك الذي يدعي طه أنه أخذه عن الغربيين؟!

والتحقيق هو الذي يطمئن إليه الباحث، فبعض المفسرين يقولون كلامًا لا أصل له، ولا ينقله على علاته إلا صاحب هوى أو مضلل.

وقد ذكر البخاري القصة في كتاب التوحيد وفي موضع آخر، وليس فيهما من أنها (زينب) وقعت في قلبه، وكذلك أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي: أن الله أعلم نبيه أن زينب من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها.

وقال الألوسي: وللقصاص في هذه القصة كلام لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول، ويجب صيانة النبي صلى الله عليه وسلم عن مثله.

وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ): ذكر ابن أبي حاتم والطبري هاهنا آثارًا عن بعض السلف رضي الله عنهم أحببنا أن نضرب عنها صفحًا لعدم صحتها فلا نوردها- يريد بذلك «فوقعت في قلبه» و«سبحان مقلب القلوب».

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وردت آثار أخرى نقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها.. والذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه.

فأين طه حسين عن كلام هؤلاء العلماء المحققين حتى يرمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء رفعه الله عنه؟!
الرابط المختصر :