العنوان الربيع الأول قراءة سياسية وإستراتيجية في السيرة النبوية
الكاتب د. محمود المنير
تاريخ النشر الأحد 01-أغسطس-2021
مشاهدات 63
نشر في العدد 2158
نشر في الصفحة 52
الأحد 01-أغسطس-2021
قراءة في كتاب
الربيع الأول
قراءة سياسية وإستراتيجية في السيرة النبوية
النهج الإستراتيجي للنبي كان متميزاً في مواجهاته العسكرية وتحالفاته السياسية
باعث الكتاب أن نبني منهجية معرفية تعيننا على تأسيس وعي سياسي وإستراتيجي لواقعنا المعاصر
المؤلف حرص على أن يقدم دروساً تاريخية في فهم الواقع والبناء عليه وفق إستراتيجية محكمة
المنهج النبوي الإستراتيجي كان إصلاحياً أخلاقياً يتفاعل مع الخير الموروث ويزيح حجب الشر المفتعل
الإستراتيجية النبوية كانت مرنة ومتعددة الأوجه استخدم فيها القوة الصلبة والناعمة
النبي لم يكن يسمح لجبهته الداخلية بالتشظي وكان يعتمد المبادرة فيفاجئ الجميع بالخطوة التالية
عرض: محمود المنير
بيانات الكتاب:
عنوان الكتاب: الرَّبيع الأوَّل.. قراءة سياسية وإستراتيجية في السيرة النبوية.
المؤلف: وضاح خنفر.
الناشر: جسور للترجمة والنشر.
الطبعة: الأولى بيروت– 2020.
صفحات الكتاب: 398 من القطع الكبير.
هذا الكتاب:
هذا الكتاب دراسة منهجية للإستراتيجية التي رسمها وخطط لها النبي صلى الله عليه وسلم في السيرة، من خلال النظر في التصرفات الإستراتيجية له، وصولاً إلى فتح مكة، وتلمس بدايات المنهج الإستراتيجي للنبي في السنوات الأولى للبعثة، ثم في محاولته البحث عن سلطان نصير، وصولاً إلى يثرب، وكيف انتقلت من قرية يمزقها الصراع إلى مدينة تحفل بالنظام والمبادرات، وبرؤية إستراتيجية شجاعة، أسست في سنوات قليلة إيلافاً جديداً ينافس إيلاف مكة المتهالك.
ويستعرض المؤلف نظرياً ثم عملياً كيف أن النهج الإستراتيجي للنبي صلى عليه وسلم كان متميزاً في مواجهاته العسكرية وتحالفاته السياسية، وكيف أنه تميز بأولويات واضحة ونسق كلي ناظم وتقدير دقيق لموازين القوة وقدرة عالية في الاستشراف.
الباعث على تأليف الكتاب:
بدأت علاقة المؤلف بالسيرة النبويّة -كحال أغلب المسلمين- في وقتٍ مبكّر، فمنذ نعومة أظفاره حفظ كسائر نظائره في مرحلة الطفولة «طلع البدر علينا»، ومع تقدّمه في العمر رويداً رويداً عرف قصّة فتح مكّة، ومن قبلها الحديبية، وقصة كسرى الذي دعا عليه الرسول: «مزّق الله ملكه» فتمزّق بعدها بشهور، لكن لم يعلم حقيقةً كيف مزّق الله ملكه؟ وما سياق سقوطه؟ علاوة على الكثير من القصص والروايات التي حفظها عن ظهر قلب، التي روت له قصّة الإسلام ورسوله الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وأيّده بنصر من عنده.
ومع مرور الوقت وتعدد قراءات المؤلف في السيرة، أدرك أنّ المعلومات وحدها قد تتحوّل لأكاذيبَ دقيقة؛ لأنّ «المعلومات المنقطعة عن الدوافع والمسببات لا تفيدُ في فهم الواقع»، وكانت تلك إحدى القواعد المنهجيّة التي انطلق منها وضّاح خنفر في كتابه «الرّبيع الأوّل.. قراءة سياسية وإستراتيجيّة في السيرة النبويّة»، الذي نُشر منذ أيّام قليلة عن «دار جسور للترجمة والنشر».
وكان الباعث الأقوى على تأليف الكتاب هو رغبته في التركيز على الجوانب السياسية والإستراتيجية من السيرة النبوية، لا لكي نسكن في الماضي الجميل، ولا لكي نقدس الأفعال والمواقف، بل لكي نبني منهجية معرفية، ونسقاً متكاملاً، يعيننا على تأسيس وعي سياسي وإستراتيجي جديد لواقعنا المعاصر.
مضمون الكتاب:
بدأ المؤلف كتابه بالمشهد الأخير صبيحة 13 رمضان 8هـ/ 629م، وهو يوم فتح مكة، يوم أن قال صلى الله عليه وسلم: «ألا كُلّ مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج».
ثم أردف بمقدمة، ومدخل وعشرين فصلاً تناولت مكة: المكان والمكانة والعالم من حولها، وكيف تحولت من الهامش إلى المركز، ثم الاستثنائية القرشية، وكيف أنها خاصمت المستقبل، ثم هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المستقبل، والإستراتيجية النبوية في المدينة، وأزمة القيادة في مكة، والفرقان، وعهد أبي سفيان، ودروس في إدارة الأزمات من غزوة أحد والاستعداد للمواجهة الأخيرة في غزوة الأحزاب والزلزلة التي واجهها النبي وأصحابه في الغزوة، ثم الانقلاب الإستراتيجي بقوله صلى الله عليه وسلم: «الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم»، ثم انبعاث أمة الإسلام، وفتح خيبر آخر الحصون، وظهور واستكمال إيلاف المدينة، ومخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم للعالم الجديد من خلال مخاطبة الملوك وإرسال السرايا والبعوث واستقبال الوفود، ثم الفتح الأكبر، وختم بالفصل العشرين الذي جاء بعنوان «الخير يسكن المستقبل»، ملخصاً فيه روح الفعل السياسي النبوي ومقاصده، وغاياته ومآلاته، وكيف يمكن أن نستعد للمستقبل؟
منهج المؤلف:
اختط المؤلف لنفسه منهجاً متميزاً في تناوله لأحداث السيرة النبوية، مستخدماً المنهج التاريخي الوصفي إلى جانب المنهج التحليلي للأحداث وبيان الإستراتيجيات النبوية في تبليغ الدعوة وإنشاء الدولة، ولم يلتزم المؤلف بالتقسيم التقليدي الذي اعتاد كُتَّاب السير طرح السيرة من خلاله، كما استخدم المنهج المقارن، فلم يكتف بالتعامل مع الوقائع المدونة في المراجع والمصادر الإسلامية عن السيرة النبوية، بل قارنها بالتاريخ المدون في ذات الفترة لدى الأمم الأخرى كالفرس والروم والحبشة (دولة أكسوم) والحميريين والتاريخ الروماني والبيزنطي، وذلك لفهم المناخ الإقليمي والدولي للفترة المصاحبة للحدث المعين في السيرة.
وحرص المؤلف على أن يقدم للقارئ دروساً تاريخية في فهم الواقع والبناء عليه وفق سياسةٍ وإستراتيجيةٍ محكمة من خلال محددات المنهج الذي اعتمده في تعامله مع نصوص السيرة، وهي:
أولاً: القرآن الكريم كمصدر أساسي قطعي الثبوت والدلالة.
ثانياً: «الروايات العربية» عن السيرة ومقارنتها بما ورد في المصادر التاريخية الأخرى عند الفُرس، والحبشة، والحِميريين، وخصوصاً عند البيزنطيين الذين اهتموا اهتماماً خاصاً بالتأريخ، وعلى هذا عاد المؤلف ليقارن الروايات العربيّة بغيرها عند الرومان والفرس، بل عاد لبعض النصوص المكتوبة بـ»خطّ المُسنَد»، وهو الخط اليمنيّ القديم.
ثالثاً: «قراءة الأحداث المنفردة في سياقٍ عام»، ويشكل هذا الجهد في تناول السيرة النبوية ذروة التقصي للأحداث والوقائع وعدم الاكتفاء بالمنهج التاريخي أو الوصفي القائم على السرد فقط في تناول ورصد الأحداث التاريخيّة المنفردة والمتباعدة، حيث قام بقراءة الصورة الكاملة والكليّة للعالم في تلك الفترة مقارناً بين الروايات المتعدِّدة للحضارات المختلفة عن نفس الحدث، بل وقدم قراءة لتلك الروايات المتعددة في سياقٍ سياسي وإستراتيجي عام ومتكامل.
لكنَّ المؤلف يتلمَّس طريقه بحذر وهو يقارنُ بين هذه الروايات وتلك؛ حتّى يَخرج لنا بالصورة المتكاملة للوضع الجيوسياسي في تلك الفترة التي تحملُ بذور تغيير العالم، وستخرج بالعرب والمسلمين باعتبارهم الإمبراطورية الصاعدة لكي تَرِث الحضارة الإسلاميّة الحضارتين السابقتين منتجةً حضارةً عالمية جديدة.
ورسم المؤلف صورة ممتدة للتفاعل النبوي مع معطيات عصره ومحيطه الإقليمي والدولي في رحلته التي استمرت 23 عاماً حافلة بالصبر الجميل، والتفاؤل العميق، والتطلع الدائم نحو رحابة المستقبل بدل الانغماس في ضيق اللحظة الراهنة، المفعمة بالمحنة، أو الغرق في تفاصيلها، وهو ما زود النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الواقع المرير بالصبر الإستراتيجي المحكم، وما يحتاجه ذلك من أناة وبعد نظر.
الأصالة العلمية والمصادر:
لم يكتف المؤلف بالمصادر التقليدية التراثية المعروفة في السيرة النبوية التي لم تخل من روايات وإخباريّات بعضها مُرسَل، وبعضها ربما خضع للكثير من التصحيف والتأويل في ظل ضعف التدوين والتأريخ عند الكثير من المؤرخين الذين أرخوا للتراث الإسلامي، فضلاً عن الإسرائيليات التي دُست في تراثنا بهدف تحريفه، لذا حاول المؤلف أن يرسم صورة متكاملة للعالم قبيل وفي أثناء عهد النبوة، ولم يقتصر في ذلك على المصادر الإسلامية فقط، بل استعان بمصادر بيزنطية مصحوبة بمصادر حِميَرية وفارسية وحبشية، كلها تُلقي الضوء من زوايا متعددة على الواقع الدولي الذي تعامل معه النبي صلى الله عليه وسلم وتجلت من خلاله الإستراتيجيات التي رسمها لإنشاء الدولة الإسلامية، ومن ثم إظهار الدين للناس كافة وتبليغ الرسالة وإتمامها على النحو الذي أراده الله سبحانه وتعالى من تمام النعمة وكمال المنة المتمثل في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) (المائدة: 3).
قواعد منهجية:
قدم المؤلف رؤية رصينة وقراءة دقيقة لوقائع السيرة، وصاغ جملة من القواعد والخلاصات والإستراتيجيات التي تعيننا على فهم الواقع والعبور إلى المستقبل، ومنها:
- أن الغاية الناظمة لكل فعل النبي صلى الله عليه وسلم إستراتيجياً وسياسياً هي تحرير الإنسان من قيود الشرك والجاهلية والاستبداد، فالتوحيد الذي قامت عليه أصول الرسالة هو انعتاق تام من كل ارتهان لغير الخالق العلي الكبير، وهذه الفكرة تحديداً هي التي صنعت ذلك المد الهائل من الوعي الإنساني، وفجرت طاقات الصحابة، ونقلتهم من جمود الجاهلية إلى حركية الإسلام، ولا أجمل في ذلك من أن آية الكرسي وهي أعظم آية وصفت جلال المقام الإلهي، وإحاطته المطلقة بمقاليد الأمر، والملكوت الوجودي التام والعظمة المطلقة، تلتها آية: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: 256).
- أن المنهج النبوي قدم تعريفاً عالمياً فريداً لطريقة التعامل مع السلطة والثروة، فالسلطة كما تعرفها السياسة تنحو نحو تعظيم القوة، والتحكم بالثروة، والتسيد التام؛ ذلك أن الإنسان المتسيد يقوده طغيانه إلى حدود التأله، فيعتبر نفسه قائماً بذاته، غنياً عن غيره، وفي سعيه لحماية تسيده يقلل من شأن الآخرين، ويلغي ذواتهم، ويجعلهم عبيداً خانعين، أو تابعين مؤيدين.
أما المنهج النبوي فكان على خلاف ذلك؛ إذ جعل السلطة للمجتمع كله، فالناس أمرهم شورى، وهي شورى تلزمه هو شخصياً حتى إن كان له رأي آخر، ثم إن الثروة بيد الناس، فلا يملك النبي صلى الله عليه وسلم أن يتصرف بأموال الناس من دون إذنهم، فالنظم الإسلامية مثل الزكاة ومحاربة الربا وتفتيت الإرث والاحتكار حالت دون تركيز الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية.
- قدم النبي منهجاً جديداً في العلاقات السياسية والإستراتيجية قائماً على التدافع وليس الصراع، فالبشرية عرفت التنافس والتناحر منهجاً رئيساً للغلبة والتسلط، ولذلك كانت الحروب هي المحرك الفعلي للإمبراطوريات، وهي أدوات الهيمنة والثروة، ولا يزال الصراع في منظومتنا الدولية الحديثة مركزياً في النظريات السياسية والعلاقات الدولية، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بمفهوم التدافع بديلاً عن الصراع، والفرق بينهما أن التدافع صيرورة لا تؤدي إلى تدمير الخصم ولا اقتلاع وجوده، بل هي تفاعل وتضاغط وتوجيه إلى مكان يكون فيه الخصم شريكاً في الخير؛ فالصراع الصفري لا يكون الطرف فيه إلا منتصراً أو منهزماً، أما التدافع فإيجابي.. الجميع فيه رابحون.
- شمولية النظر إلى الواقع الإستراتيجي، فموازين القوة الإستراتيجية لا تصنعها الجيوش، والتحالفات فحسب، بل هي نتاج لعملية مركبة متعددة العناصر، يتداخل السياسي فيها بالاقتصادي والاجتماعي والديني، ويتفاعل فيها الإقليمي فيها مع الدولي.
- أن المنهج النبوي الإستراتيجي كان إصلاحياً أخلاقياً، يتفاعل مع الخير الموروث ويزيح حجب الشر المفتعل، يتمم مكارم الأخلاق ويأمر بالمعروف، فهو منهج ليس فيه قطيعة مع تراث الخير، بل هو وارث له متمسك به، سواء أكان خيراً جاء به الرسل والأنبياء من قبله، أم خيراً جاء به الناس في أي زمن وعلى أي ملة كانوا.
- أن المنهج النبوي في الفعل النبوي لم يكن استئصالياً، ولا نجد فيه ما نجد عادة في سير القادة الذين خلد التاريخ ذكرهم، ممن غيَّروا خرائط العالم عبر تحقيق النصر على العدو بأي ثمن، فالفارق الجوهري الذي صنعه النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يغيِّر العالم من أجل رسالة ودعوة، لا من أجل هيمنة وسلطة، فقد حافظ على مبدأ التغيير الرسالي من دون دوافع انتقام ولا نوازع سلطة ولا احتكار ثروة.
- أن إستراتيجيته عليه الصلاة والسلام كانت تقوم على المبادرة والإقدام دون التقوقع في المربع الذي يحدده خصومه، فكان يفاجئ الجميع ويخطو الخطوة التالية، فتربك خطواته المشهد وتضع أعداءه في حالة رد فعل، والأمثلة على ذلك في السيرة كثيرة.
- لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسمح لجبهته الداخلية بالتشظي والانقسام، فقد كان على الدوام حريصاً على تماسك الصف وتوثيق التحالفات وبناء الائتلافات، ليس بين المؤمنين فحسب، بل ومع مجتمع المدينة وشركاء الوطن من غير المسلمين كذلك.
- أن إستراتيجيته كانت مرنة ومتعددة الأوجه، استخدم فيها القوة الصلبة والقوة الناعمة، كلاً منها في موضعه، وعندما يحين أوانها.
- أن قراءته الإستراتيجية للأحداث كانت منهجية موضوعية تتضمن التزاماً دائماً بالأولويات، وقراءة دقيقة لموازين القوى، وتدبراً في المآلات، فكان يقدر لكل أمر قدره، وينزله منزلته، من دون انفعال ولا اندفاع، يضع اللين في موضعه حتى تحسبه لا يعرف الصرامة، ويحسم في موضع الحسم حتى تحسب أنه لا يلين، وهو يصدر في ذلك كله عن قراءة دقيقة للمرحلة وظروفها ووزنها الإستراتيجي.