; خواطر رمضانية.. من كنوز الصائمين | مجلة المجتمع

العنوان خواطر رمضانية.. من كنوز الصائمين

الكاتب أبو اليزيد العجمي

تاريخ النشر السبت 21-أغسطس-2010

مشاهدات 82

نشر في العدد 1916

نشر في الصفحة 18

السبت 21-أغسطس-2010

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ ﴾ [ سورة البقرة: 185]

*مفاتيح الترغيب في الجزاء العظيم الذي ينتظره الصائم في الدنيا والآخرة تفتح له كنزا عظيما هو كنز الترقي في الدرجات عند الله سبحانه*

*التزام الصائم بالطاعة وهجره للمعصية وممارسته لآداب الصيام وقدرته على تحرير إرادته.. يجعله يحقق الغاية من فريضة الصيام وهي التقوى*

تشتاق نفوس الصائمين إلى كنوز يمنحون منها في حياتهم بعامة، وفي رمضان خاصة، وهي كنوز خير ورحمة يمن الله بها على عباده في رمضان لتظل رصيداً لهم دائماً، وحين تأملت هذا الشوق وجدت أن الكنوز لا بد لها من مفاتيح يُدخل بها إليها، وحقيقة الأمر هي كذلك، فهي «المفاتيح» موجودة في آيات الصيام، من وعاها امتلك المفاتيح، وفتحت له الكنوز يغترف منها كما يشاء ومتى يشاء ولما يشاء، وعليه فإن هذه الخاطرة تلمس أمرين هما:

  1. مفاتيح كنوز الصائمين. 
  2. كنوز الصائمين. 

  المفاتيح:

أولها: أن يدرك الصائم جزاء الصيام وعظم أجره، وأن يعمل على الظفر بهذا الجزاء، وهنا نذكر أنه مع عظيم الأجر تذكر بعض الآداب والميزات: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله عز وجل «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بقطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» « متفق عليه». وهذا لفظ رواية البخاري وفي رواية« مسلم يدع شهواته وطعامه من أجلي».

وفي باب جزاء الصيام:  «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» ،«متفق عليه»« من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»  «رواه مسلم في صحيحه». 

فإذا أضفنا قول النبي ﷺ :« إن في الجنة باباً يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» «متفق عليه».« إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين» «متفق عليه».

 قلت هذا المفتاح يغري الصائم بالعمل والجد فيه طلبا للأجر العظيم، وهو في عمله يضبطه بآداب الشرع، واتباع الرسول الكريم ﷺ. 

المفتاح الثاني: أن يدرك العلاقة بين الصيام والتقوى غاية لهذه العبادة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [ سورة البقرة: 183]

، والتقوى في أيسر معانيها : ألا يراك الله حيث نهاك وألا يفتقدك حيث أمرك، وهذا يعني أن الصائم يتوفى أن يقع فيما يفسد عبادته وخلقه، فالالتزام بضوابط العبادة وآدابها. وقاية من المعصية فيها، وإذا تعود الإنسان هذه الوقاية سارت حياته من حسن إلى أحسن، حتى حين تزل قدمه يتقي الاستمرار في الخطأ بالتوبة النصوح والحرص على تحقيق التقوى غاية للصوم يلزم يفهم الصوم على حقيقته لا على أنه مجرد إمساك عن طعام وشهوة، بل هو تدريب على الالتزام ووقاية النفس من ظلمة المعصية وهنا نذكر إلى جانب ما جاء في الحديث القدسي، ما رواه البخاري «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». 

قلت: هذا مفتاح يأخذ بيد الصائم إلى كنز عظیم  کل دوره تضيء الصحيفة يوم القيامة.

المفتاح الثالث: تأمل لماذا كان الصيام« أياماً معدودات» «شهر رمضان» ولم يكن أقل من هذا التوقيت، وهذا التأمل سيجعل الصائم يفكر في الغاية من هذا الصوم وهو التقوى وسيقف الصائم على حقيقة أن هذه العبادة تتصل بالإرادة أخرى هي الإنسانية أي القدرة على ترك المألوف من العادات والاستطاعة على التغيير بأن يملك الإنسان أن يقول للضروريات لا من الفجر إلى المغرب، ومن المعلوم أن تغيير العادات أمر صعب مما يجعل التدريب عليه يحتاج إلى وقت، والإرادة الإنسانية مستهدف ذو قيمة في التشريع الإسلامي لأن من يفقدها يفقد مسؤولية التكليف

والطاعة تحتاج إلى إرادة كما أن المعصية تؤتى بإرادة، وهنا نذكر بأثر للإمام علي بن أبي طالب يتحدث فيه عن المسؤولية: «إن الله أمر تخييراً ونهى تحذيراً ولم يكلف مجبرا، ولم يرسل الأنبياء عبثًا..

قلت: هذا المفتاح عمدة في باب قدرة الإنسان على التغيير نحو الأفضل وقدرته على هجر ما تعوده من سلوك غير سليم، ونحن نشاهده في تغيير الناس منذ أول يوم في رمضان، وليس هناك ما يمنع أن يستمر هذا التغيير نحو الأفضل لو أصر الإنسان على أن يحمل إرادته وأن يصقلها بتجربة الصوم.

المفتاح الرابع: الصوم والتيسير ومع الجزاء العظيم الذي وعد به الصائم، كان التيسير سمة من سمات التشريع الإسلامي ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾

[ سورة البقرة: 184]، وقوله : إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه متفق عليه، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم» «متفق عليه»، ومما جاء في آيات الصيام ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 187]. 

قلت: مفتاح التيسير يغري ويدل على ضرورة استمرار الطاعة، وفهم حقيقة التشريع، فالصيام ليس عقاب مشقة، ولكنه تربية إرادة، وتعويد على الطاعة وفي التيسير فيه ما يجب أن يتعلمه الصائم في تعامله مع الناس والكون.

المفتاح الخامس: الصائم والقرآن في

آيات الصوم جاء قوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾

[ سورة البقرة: 185] ، فرمضان الوعاء الزمني للقرآن هدى للناس، وفرقان لهم يبين لهم الحق من الباطل، فالصائم الذي يريد أن يترقى عليه أن ينطلق من القرآن، فعن عمر بن الخطاب ة أن النبي قال: إن الله يرفع بهذ الكتاب أقواماً ويضع آخرین »رواه مسلم»، وأن تكثر تلاوته وتدبره، فقراءة كل حرف بها حسنة والحسنة بعشر أمثالها وألف حرف ولام ،حرف، وميم حرف، كما جاء في حديث ابن مسعود، رواه الترمذي. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله  ﷺ خيركم من تعلم القرآن وعلمه «رواه البخاري»، ومثل الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيبة وطعمها طيب «جزء من حديث متفق عليه»، فكتاب هذه صفاته وعمل هذه حسناته، طريق للرقي في الدنيا والآخرة.

ففي حديث عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر

آية تقرؤها ،«رواه الترمذي  وأبو داود حسن صحيح».

قلت: الربط بين القرآن وشهر رمضان رسالة للصائم تحثه على أن يظفر بهدي هذا الكتاب، وأن يرتقي من خلال معايشته قراءة وتعلما وتعليما وتديرا ، وعملا بما جاء فيه من أحكام وآداب.

المفتاح السادس: الصائم وفرصة القرب من الله في آيات الصيام حديث عن فرضية والتيسير فيه وبين الآيات تأتي آية قد يظن البعض أنها غريبة على آيات الصيام، هي قول تعالى: 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [ سورة البقرة: 186]

 والواقع أنها آية في قلب السياق لكنها تحتاج إلى تأمل، ذلك إن الآيات التي سبقتها والتي لحقتها تتحدث – كما قلت – عن الصيام وأحكامه والتيسير فيه ومن القرآن وهدايته للناس، وهذا السياق يوحي بأن من يلتزم بما جاء في أحكام الله للصيام، وينتفع بما جاء في وصف القرآن يصبح مؤهلا للقرب وموضعاً لحب الله سبحانه وبخاصة إذا تذكرنا من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وأن الإكثار من النوافل في رمضان طريق حب الله للعبد، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.... الحديث.

قلت: وهذا المفتاح يأخذ بيد الصائم إلى ضرورة الدعاء الدعاء هو العبادة والإكثار منه بما يقتضيه من طاعة الله واستجابة لأوامره، والدعاء لجوء. إلى الله وذكر له سبحانه، يستجلب ذكر الله للعبد،﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾

[ سورة البقرة: 152] ، ويحث العبد على أن يتأهل لهذا القرب بالفروض والنوافل وكل أعمال الخير التي ترقيه وتجعله أهلا لأن يقربه الله ويستجيب لدعائه.

كنوز الصائمين

المفاتيح التي ذكرنا تفتح للصائم كنوزا مليئة بالدرر، وكل دررها روافد خير للصائم ينعم بها في رمضان، وتظل مفتوحة له بعد رمضان يأخذ منها الصائم لحياته في الدنيا، ويأخذ بيده إلى النعيم المقيم في الآخرة، وكأن رحلة الصائم - بعد استخدامه للمفاتيح – مراحل يرتقي فيها ويستفيد مما فتح الله به عليه من الكنوز وهي:

 كنز التوقي

وهذا يعني أن التزام الصائم بالطاعة وهجره للمعصية، وممارسته الآداب الصيام وقدرته على أن يحرر إرادته، كل هذا جعله يحقق الغاية من فريضة الصيام ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (183) وهو بهذا أصبح قادرا – بعد المران والممارسة – على أن يمتلك قوة التوقي من كل قبيح، ويصبح كنز التوقي بالنسبة له مصدراً يعود إليه كلما أراد أن يحرر سلوكه من الخلل، وقد أصبح متيقنا أن اتقاء النار وتقوى الله، والوقاية من كل قبيح وشر إنما يحدث كل هذا بالإرادة والالتزام، فكان كنز

التوقي دفعة قوية في جانب الثقة : في وفي النفس حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل، وحتى لا يوسوس له بالإغراء فيضعف أمامه إنه يملك رصيداً حيا من سلوكيات

التقوى وهي طريق التوقي من المنكرات والخطايا.

كنز الترقي

إن مفاتيح الترغيب في الجزاء العظيم للصائم في صيامه وقيامه، وإن عظم الجزاء الذي ينتظره بعضه في الدنيا، وبعضه في الآخرة وإن مفاتيح الثواب المرتبط بأعمال مثل قراءة القرآن ومثل الدعاء ومثل القيام ونحو هذا، أقول هذه المفاتيح تفتح للصائم كنزاً عظيماً هو كنز الترقي، لأن من من الله عليه بالتقوى والوقاية فقد ذاق حلاوة الإيمان قصار الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحب الله ورسوله يقضيان بالالتزام والاجتهاد في الطاعات فروضاً ونوافل هذا الكنز مليء بأعمال الحسنات: قراءة القرآن الجود محاكاة للنبي ﷺ الذي كان أجود ما يكون في رمضان إفطار الصائم والأحاديث الواردة فيه، صلة الأرحام، رعاية الأيتام الإكثار من النوافل طريقاً لحب الله ورسوله.

هذه وغيرها تملأ الكنز وقد ترقى الصائم من خلالها، واختزن هذه الأعمال رصيداً يرجع إليه كلما ساورته نفسه إلى ما دون هذا الترقي، فالترقي هنا فتح للصائم بمفاتيح العطاء والحرص على رضا الله سبحانه بالأعمال التي رغب الله فيها وطبقها رسوله ﷺ .

كنز التلقي

من رزق نعمة التوقي، وحرص على الترقي حق له أن يطمع في تلقي عطاءات الكريم، فهو يطمع أن يتلقى جزاء حب الله له كما وعد ربنا، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها، ولتن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. وهو يطمع أن يتلقى ثواب معايشته للقرآن بكل أنواعها وهو يطمع أن يتلقى نور ليلة القدر بعد أن تهيأ لها خلال الشهر، وهو يطمع أن يتلقى ثواب الاعتكاف والتشمير في العشر الأواخر، كما كان يفعل النبي .

وهو يطمع أن يتلقى العتق من النار، وقبول الله سبحانه لصومه، وتلاحظ هنا أن الطمع في فضل الله لم يكن مجرد أمان، بل جاء بعد عمل وجلد واجتهاد، وهذا يعني أن هذا الكنز الذي يتلقى فيه الصائم عطاءات رب كريم يظل هذا الكنز رصيدا له في رجائه في الله في كل حين ورجائه في إجابة دعواته ولكن بالعمل﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وليؤمنوا بي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ ﴾ فاللهم بصرنا بمفاتيح الكنوز، ومن علينا بفتح الكنوز، كي نخرج من رمضان ونحن أغنياء بفضلك ونظل كذلك ما وفقتنا إلى البقاء في هذا المقام وما مننت علينا بالتوفيق والإرشاد كي نأتي رمضان ورمضان، فتدرك المفاتيح بتوفيقك ونفتح الكنوز بهدايتك آمين. 

(*) أستاذ العقيدة بكلية الشريعة – جامعة الكويت

الرابط المختصر :