; المجتمع التربوي (1432) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1432)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

مشاهدات 70

نشر في العدد 1432

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

وقفة تربوية

تجربة دعوية جديدة

 منذ أن قرأت مذكرات الدعوة والداعية، للإمام حسن البنا -رحمة الله عليه- وأنا في العشرين من عمري، وأنا معجب أشد الإعجاب بهذه الشخصية الفذة، وخاصة اختياره لبدء العمل الدعوي مع أصعب شريحة في المجتمع ألا وهي شريحة رواد المقاهي، والذين يتفننون في تضييع أوقاتهم، ولا يتورع بعضهم عن تعاطي المحرمات.

كنت أقول في نفسي هل يوجد داعية أو جماعة إسلامية تعمل مثل هذا العمل أم أن الجميع أصبح يؤثر العمل السهل حتى جاءت اللحظة التي التقيت فيها مع بعض الإخوة الأفاضل في الكويت، وبالتحديد بعد تحرير الكويت، لأفاتحهم بمشروع يهدف للعمل بين مدمني المخدرات، وإنقاذهم مما هم فيه بالطريق الإيمانية، ووافق الجميع وبدأنا بالعمل منذ عام ۱۹۹۳م، وبارك الله في خطواتنا، واليوم وبعد مرور ثمانية أعوام تبلور العمل، وأصبح مؤسسة كبيرة ومتميزة يطلق عليها اسم «لجنة بشائر الخير»، وقد هدى الله على أيدي هؤلاء الشباب عشرات المدمنين، ويعتبر رجال «بشائر الخير» هم أصحاب اكتشاف هذه النظرية الجديدة في العالم لمعالجة المدمنين بالطريقة الإيمانية.

 وللمزيد من الاطلاع على هذه التجربة الرائدة يمكن زيارة موقعها على إنترنت www.Bashaer.org

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

يوم الجائزة

د. فتحي يكن

 مما أكرم الله به شهر رمضان أن جعله شهر الجائزة، التي تمنح لكل صائم قام إيمانًا واحتسابًا، وذلك في صبيحة أول يوم من أيام عيد الفطر المبارك، مصداقًا لقوله الله فيما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنه- مرفوعًا: «إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك ينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والإنس يقولون يا أمة محمد، اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله عز وجل لملائكته: يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله فيقولون: إلهنا وسيدنا توفيه أجره، فيقول: إني أشهدكم أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي، انصرفوا مغفورًا لكم»..

إن تخصيص رمضان بجائزة ربانية تمنح للذين أحسنوا الصيام والقيام، لدليل على أهمية ومكانة هذا الشهر، وعظيم فضل الصيام والقيام عند الله عز وجل.

أما عن الجائزة فلا شك أنها ثمينة لا تضارعها جائزة أخرى، وقد تكون بشارة بالعتق من النار.. إنها في كل الأحوال عطاء جزيل من الله لا يقل عن محبته ورضاه، والخطاب النبوي يؤيد ذلك، بل يؤكده قوله: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فمه أطيب عند الله من ريح المسك (رواه ابن ماجه).

يا فوز من اكتسى حلة رمضان

اعتاد المسلمون أن يثبتوا دخول شهر رمضان وإطلالة هلاله بالمدافع التي تدوي في سماء بلاد الإسلام قاطبة، وفي جميع أقطار المسلمين كأنهم يعلنون أعلى درجات الاستعداد لمقارعة النفس ومجاهدة الشيطان ومحاربة أعداء الإسلام.

تذكرني هذه المدافع بأن أهم معارك الإسلام الخالدة التي سطرها المسلمون بدمائهم الزكية كانت في رمضان، بدءاً بمعركة بدر الكبرى  مرورا بمعركة حطين التي حرر فيها صلاح الدين الأيوبي المسجد الأقصى من رجس الصليبيين، وانتهاء بحرب رمضان المجيدة في رمضان ۱۳۹۳هـ التي انتصر فيها المسلمون وحطموا خط بارليف بأرض الكنانة وعلوا ذُرا جبل الشيخ في الجولان، ولن تكون تلك آخرها بإذن الله، إذ لا يزال للمسلمين جولات وجولات وإن غدًا لناظره قريب.

أجل ما أكرم رمضان ودورة الهلال فيه حيث يكتمل بدرًا ويعم الأرجاء بنوره وضيائه ليجود عليهم بالعفو والمغفرة بعد أن كساهم بحلة الطاعة.

يا الله .. ما أعظمك.. حلة عفو وبردة غفران تكسوها للصائمين المخلصين لك.. يا فوز من اكتسى بها، ولباس التقوى ذلك خير ومع تناقص هلاله منذرًا بدنو غيابه تزداد عند المسلمين درجة اليقظة والاستعداد حزنًا على فراقه، وخوفًا أن يفوتهم قطار الخير فيه، متهيبين قدومه ابتداء تعظيمًا، ووداع أيامه ولياليه تفريطًا ليتوجهوا إليه سبحانه في عشره الأخير بصلاة التهجد، وكان ما كان في أوله وأوسطه قد ألبسهم حللاً نورانية بصيامهم وصلاتهم، وقرباتهم ليلجئوا بقلوبهم ومشاعرهم لله العظيم الجليل رغبة ورهبة طالبين العفو والغفران والعتق من النار، سائلين المولى الكريم أيضًا أن يمن عليهم بقيام ليلة القدر عظيمة الشرف والقدر، التي هي خير من ألف شهر حيث تتنزل الملائكة وجبريل عليه السلام بإذن مولاها الكريم العفو الغفور بالعفو والغفران والفوز والرضوان.. تلك المنحة الربانية يمنحها الله سبحانه للمؤمنين الصائمين الذين أقبلوا عليه مخلصين وصاموا له طائعين، فطوبى لهم وعقبى الدار.

د. محمد إياد العكاري السعودية

مع بعض ما يلقى من أخبار

لا يكن ظنك إلا سيئًا

لا أجد نفسي مبالغًا إن قلت إننا نعيش وسط اجتياح إعلامي واسع، موجه إلينا من كل جانب وأمسى يؤرق بال كثيرين، في ظل واقع يفرض على الجميع الاكتفاء بما يلقى إليهم من أخبار جاهزة على أنها حقائق مسلمة لا يجوز استخدام أي من أدوات النقد أو التشكيك تجاهها، إما لاعتمادهم  على الثقة بمصادرها أو هكذا نشأوا أو أريد لهم أن يفهموها على غير حقيقتها، ويفسرون الأحداث والوقائع على غير وجهها.

هذا التفسير لا شك أنه صادر عن فهم ناقص لذلك الحادث، أو تلك الواقعة، ولهذا السبب فكثيرون يتلقفون هذا الخبر أو ذاك من غير تمحيص أو تدقيق بل لمجرد التقليد حتى لو كان الخبر لا يمت إلى الواقع بصلة كأن يتصادم مع القناعات العقلية.

ومما يحزن أن ناقله يقف منافحًا عنه وربما جرح كل من يخالفه بالجهل، ورماه بسقم الضمير، ونسي هذا المنافح أننا قوم أمرنا بالعدل حتى مع المخالف في الدين، إذ قال تعالى ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ۸). هذا مع المخالف في الدين فكيف مع المخالف في الرأي.

الواقع أن سبب ذلك راجع إلى عدم الإلمام بآداب الخلاف، ولقد أحسن المتنبي عندما قال:

وكم من عائب قولاً صحيحًا    وآفته من الفهم السقيم

 وهذا الأسلوب -مع ما فيه من المحاذير الشرعية- مناف لأبسط قواعد الأدب، ثم إن التطرف لهذا الرأي أو ذاك ونبذ ما سواه يعتبر جريمة بحق المخالف؛ لأن صاحب الرأي إذا ما سُفِّه رأيه فقد أصيب بمقتل فهو والحالة هذه يريد إثبات رأيه -الذي يعلم أنه ما نبذ إلا لمجرد مخالفته غيره- ولو أدى ذلك إلى أمر غير محمود.

إن التوسط والاعتدال في كل الأمور مطلوبان شرعًا وعرفًا، فقد قال النبي «خير الأمور أوسطها»؛ فالوسطية في كل شيء أمر محمود، ومندوب إليه، أما الركون إلى أحد الأطراف ونبذ ما سواه، فلا يعدو كونه ارتجالاً بالرأي مع أن هذا الرأي المقبول في هذه الحالة غالبًا ما يكون مبنيًا على أسس غير صحيحة، أو معتبرة يمكن الاستئناس بها، بل ربما لا يكون له من الأسس إلا هو متبع، أو ناشئ عن قصور في الفهم.

يضاف إلى ما سبق وجود شريحة من الناس جعلت همها الوحيد التقاط الأخبار، ونقلها دون تحقق -على أي وجه كانت- لا لشيء سوى الظهور بمظهر المتابع، والمطلع على كل شيء.

وثمة فريق آخر لا يقل خطرًا عن سابقه يضم فئة أخذت على عاتقها تلقف أخبار أقل ما يقال عنها إنها مشكوك في صحتها، ويكلفون أنفسهم اصطناع الأدلة لإثباتها، بينما قد تكون -في الحقيقة- كذبًا لا أساس له ولا أدري هل غاب عن هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).

والأمر هكذا لا بد من التجرد من العاطفة عند تداول الأخبار، لأن كل خبر صحبته العاطفة، فإنما اعتمد على الهوى -وهو آفة الآفات- ولم يستند إلى دليل وبني على أسس واهية، بل قد يكون أساسه الوحيد محض التقليد أو الهوى مع زيد أو عمرو ولا شيء سوى ذلك مما يعطل بدوره استخدام العقول ويسهل -بعد ذلك- شيوع الأضاليل ولعل ابن دريد محق في مقصورته عندما قال:

وآفة العقل الهوى ومن علا    على هواه عقله فقد نجا

 والطريق السليم -في نظري- لإزالة القناع عما نريد ليس مفروشًا بالورود، صحيح أنه لا يحتاج إلى مؤهلات، لكنه لا بد له من الاستعداد، ولست أقصد به الاستعداد الفطري، بل هو استعداد مكتسب لا يتم دون الاطلاع والاسترشاد بالقرآن الذي حذر من كثير من الخطط والمؤامرات التي تحاك ضد الأمة، وكذلك بينت السيرة جانبًا كبيرًا لا يستهان به منها، مع الاطلاع على التاريخ القديم والحديث، وقراءة الواقع قراءة دقيقة ومعرفة للثابت والمتغير لفهم ما يدور في الساحة ولعل الواقع يعتبر دليلاً عمليًّا على ذلك.

لقد عاب ابن خلدون -رحمه الله- في مقدمته عندما نقد منهج المؤرخين القدامى، عاب عليهم عدم الاسترشاد بالواقع واكتفاءهم بالتلقي، مما أوقعهم في أخطاء كانوا في غنى عنها ولو استخدموا واقعهم لأنار لهم ماضيهم.

على أنه لا بد من الانتباه إلى شيء آخر، هو مصادر هذه الأخبار التي نتلقاها غالبًا عن أعدائنا؛ فالتوجس وسوء الظن أمران مطلوبان في كل ما يصدر عنهم تجاهنا، وربما يصدق علينا والحالة هذه قول الشافعي:

لا يكن ظنك إلا سيئًا     إن سوء الظن من أقوى الفطن

 ذلك أن أعداءنا يسيطرون على معظم شبكات الإعلام العالمية، فمن الطبيعي أنهم سيقدمون ما يخدم أغراضهم كما أنهم إذا أرادوا التعمية - يستعملون ألفاظًا مطاطة ليس لها مدلول معين -خوفًا من أن ينجلي مرادهم- فيفصلون هذه الألفاظ على من يريدون كالإرهاب والتطرف والأصولية وإذا ما ألقى في روعهم خبر مخالف للفطرة، قاموا بتوطئته لتسهيل قبوله.

لهذا يجب التثبت من الخبر من جهة مستقلة مع مقايسته، وتمحيصه، أو عرضه على المتخصصين والمهتمين بما يدور على الساحة وتصوره تصورًا صحيحًا قبل إصدار الحكم عليه؛ لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره، كما أن بعض الأحداث يكون غامضًا ثم يتضح أن له خيوطاً تربطه بوقائع واضحة تسفر لنا عن حقيقتها  فيما بعد.

عبد الله عبد العزيز أبا الخيل

 

لا تنس «ست» شوال

أخي الحبيب..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ها نحن نودع شهر التوبة والغفران، ولكن ما زال هذا الحب الشامل الذي يغدقه الرحمن علينا يغمرنا صباح مساء، وما زال لنا متانة العاطفة الحصينة عبر تلك المناجاة الروحية المتدفقة الساطعة.

ها نحن نتحرى ليلة القدر، وهي ليلة خير من ألف شهر ها نحن نعيش شموخ الإيقاع الصادق الخالد الله أكبر، منذ روت دماء شهدائنا رياض البطولات والمجد، وأحيينا النفوس بعدل السماء.. لنا هذا النداء الرحب القوي الشاهق -أيها الحبيب في الله- حيث تنشده الأنداء، مقدسًا ساميًا، فتصغي إليه في اليوم ثلاثين مرة، لنا أن نكون صفوة الإنسانية البكر في تحليقها لفضاء المثل الحية، والأخلاق النبيلة.

وعلينا أن نخر لله ساجدين شاكرين حيث بلغنا رمضان صائمين قائمين مؤمنين محتسبين ومرحومين إن شاء الله، فقد أخبرنا المصطفى ﷺ فقال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).

ومن موجبات هذا الشكر –أخي-  أن نتبع صوم رمضان ستًا من شوال؛ إذ قال عليه السلام: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر» (رواه مسلم).

وحسبنا أن الصوم لله وهو الذي يجزي به، فهل هناك من مقام أعظم من هذا المقام؟

محمد شلال الحناحنة

 

فقه الاتفاق

 على أي شيء نتفق وكيف يكون اتفاقنا دافعا للعمل؟

  • لا بد من سلامة الصدور وحسن الظن وسماع الرأي الآخر والنزول على الصواب

  • إذا كممت الأفواه قست القلوب، وإذا قست القلوب ضلت العقول، وإذا ضلت العقول فقدت الحياة معناها

وليد شلبي

تحدث الكثيرون عن فقه الخلاف وأثره البالغ في العمل الإسلامي، وموازيا لذلك أحسب أننا في حاجة ماسة لما يمكن تسميته بـ فقه الاتفاق لتعرف كيف نتفق وعلى أي شيء نتفق وكيف يكون اتفاقنا صحيا ودافعا للعمل بل وكيف نفهم ونعي ما ننفق بشأنه.

البعض يتصور أن عدم اتفاق جميع أفراد العمل الإسلامي على رأي واحد في جميع القضايا هو نوع من سوء الفهم وعدم التربية وتضاد الرؤي، بل قد يتصوره البعض على أنه جهل بثوابت العمل كله، مع أن الاتفاق المطلوب قد يكون في فرع من الفروع أو جزئية من الجزئيات أو وسيلة لتحقيق الهدف.

بداية ينبغي أن نعي أن عدم الاتفاق في موضوع ما ليس مرادفًا للشقاق والقطيعة والخلاف المذموم، فقد يكون عدم اتفاق الآراء -في مرحلة ما- مدعاة لإعادة تقويم بعض الآراء، وقد يكون عدم الاتفاق في قرار ما فيه خير كثير لأنه سيعيد الموضوع برمته للبحث والتحليل والدراسة المتأنية بهدف الخروج بأفضل النتائج.

لكننا ينبغي أن نبحث عن الاتفاق الصحي البناء، لا العقيم الذي يئد الطاقات ويذكي الفردية، ويطغى على روح الجماعة، نريد اتفاقًا يثري العمل ويدفعه للأمام ويطوره، لا اتفاقًا يكرر نفسه ويدور في حلقات مفرغة لعدم قدرته على تفريخ قيادات جديدة.

لا نريد، إذن، اتفاق استنساخ للقيادات وآرائهم دون وعي لما يتفق عليه، فلكل جيل ولكل وقت ومكان ثوابت خاصة للاتفاق يجب وضعها في الحسبان وعدم تجاهلها أو إهمالها وتهميشها.

وليس معنى ذلك تصيد الخلاف والأخطاء أو العمل على إيجاد الخلاف دون وجه حق، أو البحث عن مجرد الخلاف ولكنه دعوة للتبصر بحقيقة الاتفاق وأنه أمانة وأنا محاسبون عليها. وكذلك أن يدلي كل منا بدلوه، وأن يقول رأيه، وأن يسأل عما استشكل عليه لنصل في النهاية إلى الاتفاق المأمول.

فإذا أبدى كل منا رأيه بصراحة ووضوح وشفافية، فسيكون الاتفاق أكثر قوة وقدرة على مواجهة التحديات، وما دام كل ذلك يتم بطرق صحية وسليمة، فلا مجال للقلق والتخوف غير المبرر، ولعل في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي الهيثم بن التيهان في بيعة العقبة الثانية خير دليل على ذلك، فقد قال أبو الهيثم يا رسول الله: إن بيننا وبين الرجال -يعني اليهود- حبالاً وإنا لقاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال كعب بن مالك فتبسم رسول الله له ثم قال بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالتم.

يجب أن نقف أمام هذا الموقف طويلاً، لم يقف النبي صلى الله عليه وسلم في وجه إبداء الرأي، ولم يحجر عليه ولم يضق صدره به بل تبسم، وأوضح ما التبس على صاحبه، فكان الاتفاق القوي المتين القائم على الأسس والدعائم السليمة.

على أي شيء وكيف؟

سأتناول هنا نقطتين أساسيتين هما: على أي شيء نتفق؟! وكيف نتفق؟

أولا: على أي شيء نتفق:

الثوابت الشرعية: لنتفق أولاً عليها لتكون منطلقًا لنا في كل عناصر العمل، هذا الاتفاق سيوفر الكثير من الجهد والوقت اللذين يذهبان من جدالات عقيمة قد تعطل العمل كلية، وقد تؤثر فيه إجمالاً.

لنتفق على التوحيد الخالص لله واتباع السنة المطهرة قولاً وعملاً، ووجوب تحكيم شرع الله ووجوب نشر الدين والدعوة للإسلام، وعلى الوقوف صفًّا واحدًا أمام التحديات الكبرى للإسلام والمسلمين.

لنتفق على وجوب العدالة والمساواة والأخلاق والمفاهيم الإسلامية الرائعة مثل الإخاء والصدق والأمانة، والعدل والبر وعلو الهمة... إلخ والعمل على نشرها بين الناس.

إن سقف الاتفاق في هذا المجال أرفع من أن نحصيه؛ فنقاط الاتفاق الشرعية التي تجمع الإسلاميين كثيرة، ومساحات الاتفاق واسعة فإذا اتفقنا على الثوابت والمنطلقات الشرعية فسوف يسهل تجاوز الخلاف في الفروع والجزئيات البسيطة التابعة لها.

ولعل في توقف الشهيد حسن البنا -يرحمه الله- عندما توجه إلى قرية، ووجد أهلها مختلفين على كيفية الأذان فنصحهم بأن يصلوا دون أذان لخير دليل على ذلك؛ إذ إن الأذان سنة لكن وحدتهم فريضة، فهو هنا ردهم للأصول والثوابت التي لا خلاف فيها.

ثانيًا: وحدة الفهم: إذا اتفقنا على الفهم الصحيح لشمولية ووسطية الإسلام، فسوف ييسر ذلك علينا الكثير، لقد كان الإمام البنا -يرحمه الله- ثاقب النظر عندما بدأ أركان البيعة بالفهم ثم أتبعها بالأصول العشرين وذلك لتثبت وحدة الفهم في نفوس الإخوان، فهي نقطة جديرة بالجهد والمثابرة من أجل تحقيقها، وترسيخها في النفوس.

ثالثًا: الأهداف العامة: ليكن واضحًا لكل العاملين في الحقل الإسلامي الأهداف العامة للعمل، وما يسعون لتحقيقه، فتحديد الهدف منذ البداية سيكون إيجابيًّا لأسباب عدة منها: وضوح الرؤى وعدم التباس الأهداف الذي يؤدي إلى عدم الشطط الفكري والحياد عن الأهداف كلها.

كما أن في وضوح الأهداف دافعًا للعاملين لبذل الجهد وعلو الهمة لتحقيق ما يصبون إليه، فكلما سمى الهدف زاد الجهد المبذول لتحقيقه. يقول الشاعر محمد إقبال:

جهاد المؤمنين لهم حياة    إلا أن الحياة هي الجهاد

عقائدهم سواعد ناطقات    وبالأعمال يثبت الاعتقاد

ثانيًا: كيف نتفق:

هناك بعض الأسس التي ينبغي إثباتها حتى يكون اتفاقنا سليمًا وقويًا

1- سلامة الصدر وحسن النية: من القواسم الكبرى في معظم قضايا العمل الإسلامي، فإذا خلصت النيات فسوف يبذل كل فرد أقصى ما لديه لتفعيل دوره، والعمل على وحدة صفه. والتقبل الحسن، وجميل الرد خاصة في حالة عدم الاتفاق مما سيؤدي إلى متانة الصف ومنعته على الاختراق

2- سماع الرأي الآخر قبل الاتفاق: لا بد من سماع جميع وجهات النظر والآراء الأخرى، وخصوصًا المخالفة لرأينا؛ ففي سماعها فوائد عدة: فقد تكون جرس إنذار لأمر ما، وقد تجذب انتباهها لنقطة قد تكون غائبة عنا، وقد تكون تفريغًا للشحنة الكبيرة داخل الفرد فإذا أفرغها في كنف التقبل الحسن، فسوف يسهل إقناعه بعد ذلك بالرأي الصواب وإن خالف رأيه السابق.

وفي عدم سماع الرأي الآخر نوع من أنواع الحجر على الرأي، وبالتالي لن يدوم أو يقوى الاتفاق طويلاً، بل سينهار وشيكا لأنه قائم على غير أساس ولأن في الحجر على الرأي نوعًا من أنواع تكميم الأفواه، فإذا كممت الأفواه قست القلوب، وإذا قست القلوب ضاعت العقول، وإذا ضلت العقول، فقدت الحياة معناها ومغزاها.

لذلك ينبغي أن نسمع الرأي الآخر قبل الاتفاق، وأن نضعه موضع الاهتمام، وإذا رددناه فليكن ردًّا جميلاً دون استخفاف، ولنا في الرسول صلى الله عليه وسلم الأسوة في ذلك، فقد كان يسمع آراء أصحابه ولا يحجر عليها، ولعل في الموقف السابق ذكره مع أبي الهيثم بن التيهان الدليل.

كما نجد ذلك واضحًا في موقف الأنصار من العطايا التي منحها الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش وقبائل العرب، فيما لم يعطهم شيئاً. فلقد أسمع المصطفى صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة ما يقوله الأنصار، ثم بين لهم جميعًا المقصد مما فعله، فكان الاتفاق القوي الذين الذي كان ولا يزال درسًا للأجيال في كيفية سماع القيادة جميع الآراء دون حجر أو ضيق صدر بها.

٣- معرفة فقه الاختلاف هو من أهم عوامل ثبات فقه الاتفاق، ذلك أن الخلاف أمر طبیعي ومن سنن الله في الكون، ولا يمكن أن يتفق الناس جميعًا على رأي واحد في كل العصور وفي كل الأحوال، فلا بأس من الخلاف ما دام للتنوع لا للقضاء، وإذا كان صحيًّا ولا يدعو للتفرق واللداد.

ومن أهم عوامل تثبيت الاتفاق أن نفقه كيف نختلف... وتتبع القاعدة الذهبية لصاحب المنار «نتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه».

والاختلاف ليس كله مساوئ ومسالب، فقد يحوي بين طياته مبشرات النصر والوحدة، وقد يوجهنا لأمر مهم نكون منشغلين عنه، وذلك كله - بطبيعة الحال- إذا كان الخلاف قائمًا على الأسس الشرعية من مراعاة آداب النصح، دون تجريح أو تطاول وبأسلوب كريم، وفي وقته المناسب.

4- الإلمام بفقه الأولويات: لو عرفنا ما يستحق التقديم وما يستحق التأخير، ورتبنا الأمور وفق أولوياتها لكان اتفاقنا صحيًّا وصلبًا ولصمد طويلاً؛ لأن كل منا سيدرك طبيعة الموقف. ولماذا اتفقنا بشأنه لكن لو تجاهلناه فسيكون الاتفاق هشًّا لأن الأولويات غير واضحة وخارج دائرة اهتمام متخذ القرار، وكما يقول الإمام الغزالي: فقد الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور.

إن فقهنا لأولويات كل فترة زمنية وكل مرحلة تاريخية سوف يعيننا على أن نفقه طبيعة الاتفاق الذي نحن بصدده، ويرسخه ويقويه، بل وسيعمل الجميع على حمايته، والذود عنه فيما بعد.

5- النزول على الرأي الصواب: وهذا هو الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعترف بصحة رأي المرأة على ملأ من الناس ويقول: أصابت امرأة وأخطأ عمر.

6- اتباع الشورى: في اتباعها خير كثير، إذ تتعدد الآراء، وستتم المناقشة بوضوح وروية، وسيتم العمل بما تراه الأغلبية، وسوف يؤدي كل فرد دوره المنوط به بغض النظر عن رأيه السابق للشورى؛ فالشورى ملزمة حينئذ لجميع الأطراف ما داموا قد ارتضوها، فلنتشاور ونتحاور وليدل كل منا بدلوه قبل الاتفاق وعند الاتفاق -بعد الشورى- فلا مجال للتردد أو المراجعة -إلا إذا كان الوقت مناسبًا- وإلا فلا مجال لهما لأنهما سيكونان من مثبطات العمل.

فساعة التنفيذ يجب أن يبذل كل فرد أقصى ما في وسعه لتحقيق ما اتفق عليه، بغض النظر عن رأيه السابق.

7- استشراف المستقبل: فلننظر إلى أبعد ما يمكن، ولنأخذ جميع الاحتمالات المستقبلية في الاعتبار، مع وضع الأهداف العامة والوسائل التي سنتبعها مستقبلاً نصب أعيننا قبل الاتفاق، فنحن نريد اتفاقًا مبصرًا لا اتفاقًا أعمى قاصر النظر.

 إن فقه الاتفاق من الأهمية بمكان، فلنعمل جاهدين على ترسخ هذا الفقه في نفوسنا -قيادة وجنودًا- لنحمي العمل ونرسي قواعده على الفهم السليم.

الدعوة.. بالقدوة

 الدعوة إلى الله تعالى تستوجب اقتداء الدعاة بالأنبياء والرسل، وفي مقدمتهم الرسول القدوة عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21) وتتجلى الدعوة إلى الله تعالى بالقدوة في إعطاء المثل علمًا وعملا، وإيمانًا ودعوة، وقولاً وسلوكا لقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33).

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: أي هو في نفسه مهتد بما يقوله فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومتعد وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه وينهون من المنكر ويأتونه، بل إنه يدعو إلى الخير ويترك الشر، ويدعو الخلق إلى الخالق تعالى، وهذه عامة في كل من دعا إلى ذلك وهو مهتد(1).

 ويقول سيد قطب في تفسير هذه الآية: إن كلمة الدعوة حينئذ هي أحسن كلمة تقال في الأرض، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء، ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الكلمة ومع الاستسلام لله الذي تتوارى معه الذات فتصبح الدعوة خالصة لله ليس للداعية فيها شأن إلا التبليغ (۲).

والدعوة إلى الله بالقدوة الحسنة تصلح النيات، وتوفر الأوقات، وتختزل الطاقات، وتمكن الداعية من أداء أدوار عدة متكاملة من أهمها: التطبيق الإسلام خلقًا ومعاملة لجذب الناس إليه بالأمثلة الحية، من هنا يأتي النصر المبين والفتح والتمكين إن شاء الله (۳).

وتتمثل الدعوة إلى الله تعالى بالقدوة الحسنة في الكلام، والسلوك، والقول والعمل والحال والمقال والتطابق والتكامل في كل ذلك.

وفي حال التناقض السلوكي يحل غضب الله ومقته قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ  (الصف: 2، 3).

وقد وصف القرآن الكريم علماء بني إسرائيل بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44)

إن من واجب الدعاة إلى الله في العصر الحاضر القيام بالدعوة الإسلامية عن طريق القدوة الحسنة؛ لأنها السبيل الوحيد لهداية الناس وإصلاح أحوالهم الدينية والدنيوية، ولن يتحقق ذلك إلا بالعلم النافع، والعمل الصالح والصبر على الدعوة، وعلى أذى الناس.

عمر الرماش

(1) تفسير ابن كثير، ج ۱، ص ۱۰۰.

(۲) في ظلال القرآن الكريم، سيد قطب ، ص 3121.

(۳) عبد الرحمن الميداني: بصائر المسلم المعاصر ص 23.

الرابط المختصر :