العنوان الأخيرة- رمضان ومسك الختام
الكاتب فاطمة محمود عليوة
تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2007
مشاهدات 68
نشر في العدد 1772
نشر في الصفحة 66
السبت 06-أكتوبر-2007
هكذا كل شيء جميل يمر سريعًا، فمنذ أيام كنا نتطلع إلى السماء نترقب ظهور هلاله، كاللاهث على قطرة ماء عذبة.
وها هو ذا رمضان قد ارتوت النفوس من فيض بركاته، وكما أحسنَّا استقباله، أو هكذا كان يجب علينا، فلننظر أين نحن الآن من الجد والسعي في رمضان، وقد قارب على الانتهاء حيث نستقبل ثلثه الأخير، وهو ثلث العتق من النار، بعد أن مر بنا ثلثا الرحمة والمغفرة.
ولهذا يجب علينا أن نسعى لتلبية نداء الحق في قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد: 21).
فمنذ أيام كنا نتبادل التهاني مع كل من نحب ونعرف بحلول شهر رمضان الكريم، وحمدنا الله على استجابته دعاءنا بأن يبلغنا إياه وأن يجعلنا من أهله، بعد خوفنا من ألا نكون، ورغمًا عنا مرت أيامه ولياليه كعادة كل شيء جميل يمر مسرعًا، رغم شوقنا إليه ورغبتنا في بقائه، وحق قول الله تعالى في وصف رمضان: ﴿ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ ﴾ (البقرة: 184).
وقفة مع النفس
فهل لنا من وقفة مع أنفسنا لنقدم كشف حساب عما مضى منه؟ وهل نسير كما خططنا من البداية لاستثمار هذا الشهر الكريم في كل أنواع الطاعات؟ هل ختمنا القرآن الكريم؟ هل أخرجنا الصدقات كما يجب أن تكون؟ هل حافظنا على صلاة الجماعة؟ هل وصلنا أرحامنا؟ وهل؟ وهل؟
نعم، الكل كان في سباق إلى الجنان، ولكن البعض خارت هممهم مع كثرة الأعمال، وربما يدل هذا على طبيعة النفس التي تقبل على الطاعة دون نظام، ثم تمل إذا تناست الخير الذي ينتظرها في نهاية السباق.
ولعل سبب هذا أننا نقبل على الطاعة كواجبات وليس كمحبوبات! فالواجبات إن كثرت على الإنسان استثقلها، فتراه بعد قليل يقصر في أدائها، أما إذا أقبل على العبادة وهو يحبها فلن يقصر فيها، لأنه لا يفرط فيما يحب بل يحرص على الزيادة، فالحب إذا وجد في الحياة جعلها رقيقة سامية، وإذا وجد في العبادة جعلها في أعلى درجاتها، وعندما تتحول حياة الإنسان كلها إلى عبادة دائمة- وإن قلت- فهنيئًا له بحب الله له ولعمله، فعن الرسول ﷺ أنه قال: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وقال الله تعالي: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31).
خير الأعمال خواتيمها
وإذا كنا ممن ثقلت عليهم الواجبات فلنحولها إلى محبوبات، ولا ندع للنفس سبيلًا لليأس، ولنلتمس طريق الأمل الذي بشر به رحمة الله للعالمين النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالخواتيم»، ونتذكر منح الله سبحانه، ونعرض أنفسنا لنفحاته، فللمؤمن في كل وقت منحة، وفي أواخر أيام شهر رمضان فرص لم تكن في أوله، كفضل الاعتكاف في العشر الأواخر، حيث ورد عن رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: «أنه كان إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» «رواه الشيخان»، وللمرأة أن تعتكف في بيتها بطاعة الله سبحانه، كما قال العلماء بذلك.
وفي العشر الأواخر ليلة خير من ألف شهر، يقول تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3)، وفي الحديث يقول المصطفى ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وإن كان أجر القيام في غير رمضان عظيم فهو في رمضان أعظم، وقد وصف المولى عز وجل عباده المؤمنين القوامين بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: 18).
أما آن لنا- بعد كل هذه المنح الربانية- أن نلحق بالسباق مرة أخرى، ونشد الهمم، ونقوي العزائم؟! وإن كنا نتذكر الثواب حتى نشحذ الهمم، فلنا مع أواخر أيام الشهر الفضيل وقفة نجعلها تذكرة للنفس، فكما أن رمضان ينتهي بانتهاء أيامه، فالعمر أيضًا بانتهاء سنواته، وما أدق وصف المولى سبحانه لشهر رمضان «أيامًا معدودات»، وهكذا العمر- أيضًا- سنوات معدودات. فهيا بنا نحسن ختام الشهر الكريم، لعلها تكون خاتمة العمر فنخرج من مدرسة رمضان بدرس للحياة كلها.
[1] عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية