العنوان حول القرار «التاريخي» لإخوان الأردن بمقاطعة الانتخابات
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
مشاهدات 76
نشر في العدد 1269
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
يتساءل كثير من المراقبين عن الحكمة في القرار «التاريخي» الذي اتخذته حركة الإخوان المسلمين في الأردن -وهي لا زالت تعد أكبر كتلة برلمانية- بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في أوائل شهر نوفمبر القادم؛ فهي الوحيدة من بين القوى السياسية والحزبية في الأردن التي تمتلك قواعد شعبية مؤثرة وفاعلة على الساحة المحلية، كما أن كثيرًا من هؤلاء المراقبين يغمز في قناة الجماعة ويتهمها بمحاولة تصدير أزمتها الداخلية إلى الشارع الأردني، على حد تعبيرهم.
لا شك أن القرار لم يكن سهلًا وخصوصًا أنه يعني غياب الحركة الإسلامية عن الساحة البرلمانية أربع سنوات كاملة لا أحد يعلم إلى أين سيؤول الوضع السياسي خلالها، لكن جملة من المؤشرات بعضها معاين والآخر متوقع الحدوث تنبيء بصواب قرار «الإخوان» وباستحالة الاستمرار على الوضع الحالي، وعلى الرغم من ذلك لا يختلف أصحاب الاجتهادات المختلفة داخل جماعة الإخوان المسلمين على أن الأصل هو المشاركة في الحياة العامة والبرلمانية وأن قرار المقاطعة استثناء يمكن الرجوع عنه إذا ما انتفت أسبابه ودواعيه.
ادعاءات الأزمة الداخلية
لم يكن قرار الجماعة وليد أزمة داخلية أو نتيجة صراع بين جناحين درج كثير من المراقبين على تسميتهما بالصقور والحمائم، فقرار المقاطعة خلط ألوان الفرز الوهمي حيث إن الذين يتصدون الآن دفاعًا عن القرار «الصقوري» كانوا حتى لحظة اتخاذه من المحسوبين بنظر المجادلين على الحمائم مما يعني انتفاء وجود مثل هذه التقسيمات في صف الجماعة، لكن ما حدث هو وصول غالبية قواعد الحركة الإسلامية في الأردن إلى قناعة بعدم جدوى أي مشاركة سياسية أو برلمانية قد ترسم صورة إيجابية عن ممارسات الحكومة وسلوكها في الوقت الذي «تغولت» فيه على الحريات الفردية والعامة وفي الوقت الذي تراجع فيه منسوب الديمقراطية كثيرا عما كان عليه الحال في نهاية فترة برلمان ۱۹۸۹م، فقد نجح برلمان ۱۹۸۹م في إلغاء الأحكام العرفية التي كانت مفروضة منذ حرب عام ١٩٦٧م وفي إعادة كل الذين فصلوا من وظائفهم في المرحلة العرفية وإعادة آلاف جوازات السفر المصادرة إلى أصحابها، وكان صدور قرار تشكيل الأحزاب السياسية في عام ١٩٩٢م انعكاسا لحالة الانفتاح السياسي الحكومي على القوى السياسية في الشارع الأردني، إلا أن الانتكاسة حدثت بعد ذلك بقليل أي بعد صدور قانون مؤقت للانتخابات البرلمانية عُرف بقانون الصوت الواحد وجرت انتخابات ۱۹۹۳م على أساسه وهو الذي أقره البرلمان المنتخب في نهاية دورته في شهر أبريل الماضي.
ويجادل منظر و قانون الصوت الواحد بأنه القانون المتبع في معظم المجتمعات الديمقراطية الغربية وهو الذي يتماشى الآن مع روح العصر الحديث، إلا أن القانون الأردني فريد من نوعه ويتعارض مع روح ونص القانون المطبق في بعض دول أوروبا الغربية على سبيل المثال؛ ففي الغرب يجري تقسيم المناطق الانتخابية على نفس عدد أعضاء البرلمان وبالتالي فإن كل منطقة انتخابية تنتخب مرشحا واحدا فقط، أما في الأردن فهناك حوالي عشرون منطقة انتخابية تنتخب ۸۰ عضوًا للبرلمان، وتنتخب بعض المناطق مرشحًا واحدًا وبعضها ينتخب عددًا يصل إلى ستة مرشحين، وبحسبة بسيطة فإن الناخب في منطقة ذات ستة نواب يكون له سدس صوت فقط وليس صوتا واحدا! والواقع أن هذا القانون كان السبب المباشر في تراجع عدد نواب الحركة الإسلامية من ٢٢ نائبًا في انتخابات ۱۹۸۹م إلى ١٦ نائبًا عام ۱۹۹۳م على الرغم من أن مجموع الأصوات التي حصل عليها النواب «الإخوان» زادت من 12% من إجمالي أصوات المقترعين عام ۱۹۸۹م إلى 18% عام ١٩٩٣م.
طابع عشائري
ولا يشك «الإخوان» بأنهم قبل غيرهم المستهدفون من قانون الصوت الواحد على الرغم من تكيفهم معه في الانتخابات الماضية ونجاحهم في إيصال ١٦ مرشحًا إلى قبة البرلمان بعد أن تردد يومها بأن «الكوتة» التي وضعتها الحكومة لهم لن تزيد على عشرة نواب!.
وقد ساعد القانون الجديد في فرز برلمان يغلب عليه الطابع العشائري على حساب المناطق الحضرية وخصوصا العاصمة عمان، كما أنه كان سببًا في حدوث نزاعات داخل العشيرة الواحدة حيث تفتت صوت العشيرة بين مرشحيها إذا كانوا أكثر من واحد.
وجاء قانون الصحافة المعدل ليزيد من أزمة الحريات العامة والذي يشدد العقوبات المالية على الصحف والصحافيين ويفرض شروطًا جديدة على ترخيص الصحف كرفع رأسمالها إلى ٣٠٠ ألف دينار للصحف الأسبوعية و٦٠٠ ألف دينار للصحف اليومية، إضافة للشرط الخاص برئيس التحرير حيث ينص القانون الجديد على ضرورة أن تزيد خبرته المهنية على عشر سنوات، ومما يثير الشك في نوايا الحكومة تجاه الصحف وخصوصا الأسبوعية منها أنها فرضت على الصحف الموجودة والمرخصة تسوية أوضاعها بموجب القانون الجديد متجاهلة الحقوق المكتسبة لهذه الصحف، ومن المتوقع خلال الأيام القليلة القادمة أن تبلّغ دائرة المطبوعات الأردنية كل صحيفة بقرارها من حيث وضعها القانوني وفيما إذا كانت ستستمر أم تتوقف، وحسب ما آلت إليه مفاوضات أصحاب الصحف مع الحكومة يعتقد أن تقدم الحكومة على إغلاق غالبية الصحف الأسبوعية وهو ما اعتبره مانشيت إحدى الصحف بأنه «مجزرة في شارع الصحافة»!.
لقد اعتبرت الحركة الإسلامية ممارسات الحكومة واستمرارها في عملية التطبيع مع إسرائيل وقرارتها المؤقتة التي اتخذتها أثناء إجازة البرلمان تراجعًا خطيرًا عن مناخ «الديمقراطية» ينذر مع وجود برلمان الصوت الواحد الجديد بمزيد من التراجع ومصادرة الحريات.
استجابة القوى السياسية
وقد عكس قرار الإخوان بالمقاطعة موقفًا شعبيًّا عارمًا تمثل في استجابة غالبية أحزاب المعارضة والنقابات المهنية وبعض العشائر للقرار وانضمامهم لمعسكر المقاطعين الإسلاميين، كما انضم إلى المعسكر أكثر من ۸۰ شخصية سياسية منهم رئيسا الوزراء الأسبقان أحمد عبيدات وطاهر المصري إضافة إلى وزراء وبرلمانيين سابقين؛ فقرار الحركة الإسلامية عكس بشكل عام نبض الشارع الأردني وسيكون من الصعب معه على أجهزة الحكومة المختلفة إقناع جمهور المنتخبين بالمشاركة في الانتخابات.
ولم تتعد نسبة المقترعين في انتخابات عام ١٩٩٣م 55% من مجموع الناخبين، فماذا ستكون عليه النسبة في الانتخابات القادمة بغياب قواعد الإخوان ومناصريهم إضافة إلى مناصري أحزاب المعارضة الأخرى وأعضاء النقابات المهنية؟!
ويجادل زعماء المقاطعة بأن الغياب عن قبة البرلمان لا يعني بالضرورة الغياب عن ساحة العمل السياسي، وأن البرلمان على أهميته إنما هو إحدى أدوات العمل السياسي المتاحة، كما أعلنوا أنهم بصدد الإعلان عن برنامج وطني يسد الفراغ الذي سيخلفه غيابهم عن البرلمان ويطرح سياسات عملية للتعامل السلمي مع مرحلة ما بعد نوفمبر القادم موعد الانتخابات البرلمانية.
وتصر جماعة الإخوان المسلمين في الأردن على أن سياسة الإصلاح السلمية التي ينتهجونها منذ أكثر من خمسين عامًا من أهم العوامل التي جعلت الأردن يتمتع بنعمة الأمن والاستقرار، وهي حقيقة أكدها العاهل الأردني في أكثر من مناسبة وتكررها الحكومة وتعترف بها على لسان أكثر من مسؤول، إلا أن الحكومة أوصدت من الناحية العملية باب الحوار عندما أصرت على تعميمه وتمييعه وعلى ضرورة شموله لكل الأحزاب والقوى السياسية الأخرى المقاطعة وغير المقاطعة على حد سواء، وقد اعتبرت الحكومة قانون الصوت الواحد قرارًا لا رجعة عنه وهي ماضية في إجراء الانتخابات، مما يعني أنها ليست بصدد الاستجابة لأي من المطالب التي قدمها المقاطعون.
(*) رئيس تحرير مجلة «فلسطين تايمز» لندن.