العنوان فوز خط «ولاية الفقيه» ١٠٠٪ في انتخابات مجلس الشورى الإيراني
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1996
مشاهدات 71
نشر في العدد 1193
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 26-مارس-1996
• حصل مؤيدو رفسنجاني من رابطة العلماء وخدام الإعمار على ١٠٠ مقعد من الـ ١٣٤ المعلنة
بعيدًا عن الهوجة الإعلامية والسياسية التي واكبت انتخابات الدورة الخامسة المجلس الشورى الإسلامي في إيران «البرلمان»، والتي أجريت جولتها الأولى ٨ مارس الجاري، وأسفرت عن فوز ۱۳۹ نائبًا بشكل حاسم.
وتم تحديد يوم ٧ مايو لإجراء الجولة الثانية لحسم مصير ۱۳۳ مقعدًا من مقاعد المجلس الـ ۲۷۰، فإن النتيجة المؤكدة هي فوز تيار المؤمنين بنظرية «ولاية الفقيه» بنسبة ۱۰۰، رغم اختلاف مسميات القوى التي تشكلت إما لتجديد نفسها أو للتصارع فيما بينها من أجل زعامة زائفة أو ضمانًا لاستمرار التواجد في الأضواء.
إذ إن مجلس مراقبة الدستور المشكل من ١٢ عضوًا منهم ٦ علماء يختارهم الفقيه، وافق على ترشيح حوالي ۲۳۰۰ من ٥٣٥٧ مرشحًا فقط، إذ إن من شروط الترشيح ألا يكون المرشح من ذوي السوابق الإجرامية وكفتًا، وملتزمًا بولاية الفقيه عملًا وقولًا، وبالتالي فإن الـ٢٧٠ نائبا سيلتزمون دستوريًا وقانونيًا بنظرية ولاية الفقيه مما يعني عمليًا ونظريًا تبخر أحلام القوى التي تراهن على حدوث تغييرات جوهرية في إيران خلال الفترة المقبلة بسبب الضغوط الخارجية.
فرصة تعبوية
وإن كان يمكن القول إن المعركة الانتخابية كانت فرصة تعبوية لتهيئة الأذهان بفكرة إعادة التعددية الحزبية السياسية في إيران، خاصة وأن الرئيس هاشمي رفسنجاني يفكر في استمرار دوره السياسي بعد انتهاء ولايته الرئاسية الثانية عام ۱۹۹۷م من خلال إعادته لتشكيل الحزب الجمهوري الإسلامي، وهو ما لمح إليه «أبو القاسم سرمدي زادة» -وزير العمل السابق- يوم ١٨ فبراير الماضي.
والتحول للحزبية لن يكون صعبًا خاصة أن ابنة الرئيس رفسنجاني رئيسة جمعية العصامية النسائية، والتي فازت بعضوية مجلس الشورى في الجولة الأولى، قالت لوكالة الأنباء الإيرانية بشكل قاطع إنه لا توجد حاليًا منافسة سياسية سليمة في إيران وإنه من المفيد تشكيل تيارات حزبية في المجتمع للخروج من هذه الحالة.
وهذا يعني ببساطة تهيئة الأذهان العودة الأحزاب السياسية من جديد، التي لن تتعارض برامجها أيضًا مع نظرية ولاية الفقيه حتى لا تتعارض مع الدستور، وهو الأمر المتوقع تشريعه من خلال مجلس الشورى الجديد، خاصة بعدما اشتدت حدة الصراع بين التكنوقراط ورجال الدين، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى فتنة أدت إلى تدخل السيد على خامنئي وقال في رسالة موجهة إنني أنصح الذين يقلبون الحقائق بأن يخمدوا نار هذه الفتنة، لأن النظام الإسلامي لا يتحمل الأعمال ذات النيات السيئة.
القوى السياسية المرشحة للحزبية
والتحول للحزبية لن يكون صعبًا أيضًا. خاصة في ضوء التكتلات الحالية والتي دخلت المعركة الانتخابية وهي:
1- رابطة علماء طهران المجاهدين: المعروفة باسم جمعية روحانيات مبارزه، وتضم نسبة كبيرة من رجال الدين منهم «هاشمي رفسنجاني» نفسه، وهو من مؤسسيها وعضو مجلس شورتها و متحالفة مع تجار طهران، وتنادي بدعم الاقتصاد الحر والبازار، والمحافظة على التركيبة الاجتماعية التقليدية، وإقامة علاقات متوازنة ومتعادلة وسيطرت على مجلس الشورى في دورته الثانية عام ١٩٨٤م والرابعة عام ۱۹۹۲م ومن المحتمل أن يكون لها تأثير في الدورة الجديدة ١٩٩٦ بعد حسم النتائج في مايو المقبل، ويقودها حجة الإسلام «ناطق نوري» -رئيس البرلمان السابق وعضو مجلس الشورى الحالي- بعد إعلان فوزه في الجولة الأولى، ويعد نفسه لأن يكون مرشحًا الرئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية «رفسنجاني» عام ١٩٩٧م.
وفي إطار هذه المجموعة تبلورت قوة جديدة أكثر انفتاحًا يقودها د. «محمد جواد لاريجاني» -مستشار في مجلس الأمن القومي- ومعظمها من التكنوقراط مرشحة إما لإحداث تغييرات في البنية السياسية والفكرية لرابطة العلماء مع البقاء فيها أو للانفصال عنها مستقبلًا.
عقلنة التنوير
۲- مجمع علماء طهران المجاهدين (مجمع روحانيون مبارز تهران)، وهي أكثر ثورية وتصادمية من المجموعة الأولى، وانشقت من الرابطة أصلًا لخلافات فكرية، وهي تميل الخدمة جماهير المستضعفين، وترفض توطيد العلاقات مع التجار الذين تعتبرهم الرابطة من الداعمين للثورة ومن أسباب نجاحها، وتؤمن هذه القوى باستمرار إيران الثورة، ومن رموزها مهدي كروبي -رئيس مجلس الشورى السابق-، وحجة الإسلام «خوتين ها» «وعلى أكبر محتشمي»، وتدعو تلك القوى لتدعيم التعاونيات، وإقامة نظام عام قوي بجانب القطاع الخاص، ويفضل استمرار العلاقات مع الحركات الثورية، ولذلك هو أكثر تصادما مع الغرب، وكان قد نجح في السيطرة على البرلمان مجلس الشورى، عام ۱۹۸۸م، إلا أنه تلقى هزيمة ساحقة على أيدي الرابطة عام ۱۹۹۲م، مما أدى إلى إضعافه خاصة في ظل انتقال إيران من الثورة إلى الدولة بقيادة هاشمي رفسنجاني، إلا أن استمرار عداء الغرب الإيران بدأ ينعش مجمع علماء طهران، ويجمع المؤيدين حوله، علاوة على بروز تكتل جديد على يمين مجمع علماء طهران للتخفيف من غلوائه يقوده «بهزاد نبوي» -وزير الصناعات الثقيلة السابق- والمهندس «سلامتي» -أمين عام منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية-.
كوادر التعمير
٣- خدام إعادة البناء «كوادر البناء والإعمار» كانت أحدث مجموعة سياسية أعلنت عن نفسها في يناير الماضي، يقودها ٤ نواب للرئيس «رفسنجاني» و ۱۰ وزراء أصبح عددهم 6، ومحافظ البنك المركزي، وعمدة طهران، وكان بيانها الأول تحت شعار «العزة للإسلام، مواصلة البناء، إعمار إيران»، وأعلنت دعمها لسياسة رفسنجاني وولاءها لقيادة مرشد الثورة الخامنئي، مشيرة إلى أنها ستقف مع العناصر ذات الكفاءة والملتزمة إسلاميًا إلا أنها تقدم التنمية الاقتصادية على العدالة الاجتماعية، وتحاول إضعاف فكرة ولاية الفقيه من خلال إضعاف صلاحيات المرشد، مثل إبعاده عن قيادة القوات المسلحة ويتهمها المتدينون بأنها تتبنى ليبرالية دينية هدفها إضعاف البعد السياسي للدين وتهيئة إيران للعودة إلى العلمانية.
خط دفاع رجال الدين
إلا أن بروز تلك الحركة ونجاحها في جذب اهتمام الرأي العام أدى إلى تحرك مشترك من رابطة العلماء بقيادة «مهدوي كني» -رئيس جامعة الإمام الصادق-، «وناطق نوري»، وكذلك مجمع علماء طهران الذي كان قد أعلن زعيمه «كروبي» في يناير الماضي عدم مشاركة جماعته في الانتخابات دون توضيح الأسباب إلا أنه تراجع بعد تنامي قوة كوادر البناء، ودعا للتحزب، إذ قامت رابطة العلماء بجمع توقيعات من ١٥٠ برلمانيًا أصدروا بيانًا بعدم شرعية دعم مجموعة الـ١٦ لأية قائمة انتخابية باعتبار أن هؤلاء يمثلون السلطة التنفيذية بينما رفض هؤلاء الاتهام، وبرروا موقفهم بأنه نابع من كونهم مواطنين وليسوا مسؤولين.
وفي محاولة لاستمرار الشرعية لحركتهم بعثت الحركة برسالة لمرشد الثورة تستوضح رأيه في اتهام رابطة العلماء، فأجاب بشكل اعتبرته الحركة دعمًا لها لمواصلة التحرك، إذ أجاب قائلًا بأنه لا يرى ما يدعو إلى تفسير ما تضمنه بيان كوادر البناء بضرورة تجنب كل ما من شأنه إلحاق أي ضرر معنوي بمجلس الشورى الإسلامي.
وإذا كان السيد «خامنئي» قد دعم مجموعة الكوادر ضمنيًا في يناير، فإنه دعم أيضًا رجال الدين في نوفمبر الماضي، عندما اشتدت الحملة الموجهة إليهم بضرورة عودتهم إلى الحوزات العلمية على أساس أن الفكر الشيعي ضد اشتغال العلماء بالسياسة، وأن الذي خرق القاعدة هو الإمام الراحل آية الله الخميني، الذي جدد ذلك الفكر من خلال نظرية ولاية الفقيه والذي جمع من خلالها بين المرجعية الدينية والقيادة السياسية، وبعد وفاته عادت المرجعية إلى قواعدها، واشتد من جديد تيار البعد عن السياسة في أوساط رجال الدين.
إلا أن خروج الأصوات من خارج الحوزات خاصة من أساتذة الجامعات مثل الدكتور «عبد الكريم سروش» -أستاذ الفلسفة- وغيره من الكتاب والتكنوقراط جعلت الموقف يزداد التهابًا خاصة في ظل الحملات الانتخابية، فأعلن «مهدي كروبي» أن الدين الإسلامي هو دين سياسي أساسًا، ولا يمكن فصل السياسة عن الإسلام، وأكد بقاء رجال الدين في الساحة بجانب التكنوقراط، ودافع آية الله «علي خامنئي» عن رجال الدين بأنهم هم الذين تصدوا لمظالم الشاه، ودفعوا ثمنًا غاليًا من أجل تحرير إيران من طغيانه.
وبالتالي أوقف المرشد لغط المطالبين بإقصاء رجال الدين عن العمل السياسي، وإسناد دورهم للتكنوقراط، وإن كان في نفس الوقت لم يغمط حق الآخرين في التحرك طالما التزموا شعار «العزة للإسلام، والقيام بخدمة البناء».
الدفاع عن الثورة
4- جمعية الدفاع عن مبادئ الثورة الإسلامية: أسسها الشيخ «محمد ري شهري» -ممثل مرشد الثورة الإسلامية في منظمة الحج- في ١٦ فبراير، ومن اسمها يتضح برنامجها، وإن كان هدفها إيجاد حالة من التوازن داخل مجلس الشورى، وهي مدعومة من أنصار اليمين التقليدي، وأنصار رفسنجاني إلا أن ترشحيها لـ ١٣ فقط سيضعف تأثيرها.
5- لائحة الوسط: وضمت أسماء بعض المستقلين غير المرتبطين بخط فكري محدد، ويمكن وصفهم بالغاضبين والرافضين للتكتلات السابقة.
6- تحالف حركة الحرية مع حزب الشعب: -وهما من الأحزاب القديمة- قبلت وزارة الداخلية ترشيح ٤ من طهران، في إشارة ذات مغزى سياسي هام فحواه إمكانية التسامح مع الأحزاب السابقة طالما احترمت مبادئ النظام الجديد.
محاور الدعاية الانتخابية
فالمعركة الانتخابية تركزت على عدة محاور استهدفت في الأساس جس نبض الشارع الإيراني وتهيئة ذهنه لتغييرات مستقبلية، وإيصال رسالة طمأنة للخارج بإمكانية حدوث تطورات داخلية قد تساهم في تحسين صورة إيران خارجيا، خاصة إذا ما عادت التعددية السياسية وتراجع دور رجال الدين لمصالح دور أكثر فعالية للتكنوقراط والذين سيكونون بالقطع من أبناء الثورة الذين تم كودرتهم خلال السنوات ال١٦ الماضية، وعلى الغرب حينئذ أن يحترم إرادة الناخب الإيراني في إطار احترام الغرب لحرية الرأي واحترامه لحقوق الإنسان.
وإن كانت المعركة داخليًا قد اعتمدت على دعامتين الأولى ركزت على التنمية وتبنتها حركة الإعمار والثانية على حماية المستضعفين وتبنتها رابطة العلماء، أما مجمع العلماء فدافع عن العدالة الاجتماعية وحماية المستضعفين وقيم الثورة.
معنى النتائج الأولية
وعمومًا فإن نتائج الجولة الأولى أسفرت عن فوز ۱۳۹ نائبًا منهم ۱۰۰ مؤيدون لرفسنجاني، سواء كانوا من رابطة العلماء التي قالت إنها حصلت على ٤٠% من مجمل المقاعد المعلنة أو كوادر الإعمار، إذ إن رفسنجاني مازال في رابطة العلماء رغم دعم كوادر الإعمار له، مما يشير إلى أن الجولة الثانية يوم ٧ مايو المقبل ستكون في نفس الإطار، مما يعطي فرصة كبيرة لحجة الإسلام ناطق نوري لترشيح نفسه خلفا للشيخ رفسنجاني لتظل إيران معممة وفقًا لإرادة الناخب الإيراني، الذي اختار برلمانًا إسلاميًا ذا ملامح تكنوقراطية تشكلت في رحم الثورة، مما يعني رسوخ النظام الإسلامي هناك مع احتمال تطويره في المرحلة المقبلة من خلال تطبيق التعددية الحزبية، وهو ما يعني استمرار المواجهة المؤجلة بين إيران والغرب.