العنوان ورقة بيضاء تكشف سجلًا من الحقائق في مجلس الأمة
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
مشاهدات 72
نشر في العدد 1227
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
خلال شهر من انعقاد أول جلسة لمجلس الأمة الكويتي في فصله التشريعي السابع استطاعت ورقة بيضاء ألقيت في صندوق الانتخابات لمنصب رئيس مجلس الأمة الكويتي أن تدخل الكويت - مجلسًا وحكومة وصحافة وشعبًا- في دوامة الجدل القانوني والدستوري السياسي، وقد أنهت الجلسة الثانية للمجلس يوم الثلاثاء 19/11/1996م هذا الجدل بتحويل المادة (۹۲) من الدستور الكويتي وما يلحق بها للمحكمة الدستورية بعد صياغتها في اللجنة التشريعية للمجلس، وقد ثار هذا الجدل بسبب تفسير المادة (۳۷) من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة الكويتي والتي ترى في أن الورقة البيضاء لا تحسب من ضمن الحضور، ويرجح هذا التفسير فوز الرئيس أحمد السعدون رئيسًا للمجلس بفارق صوت واحد لمنافسه النائب جاسم عبد المحسن الخرافي، حيث حصل السعدون على ٣٠ صوتًا، والخرافي ۲۹ صوتًا واعتبر السعدون فائزًا بالأغلبية المطلقة، وقد قدم النائب جاسم الخرافي رسالة للمجلس يطلب فيها إحالة تفسير المادة (۹۲) من الدستور والتي تختص بانتخابات رئيس مجلس الأمة الكويتي باعتبار أن لها خصوصية مباشرة بالموضوع.
وفي الجلسة الماراثونية التي عقدت يوم الثلاثاء التاسع عشر من هذا الشهر وطيلة عشر ساعات، حيث أنهيت الجلسة في تمام العاشرة والنصف مساء لم تكن هذه الجلسة جلسة عادية حيث كشفت مجموعة من الحقائق فرزتها الورقة البيضاء، لقد كانت الورقة البيضاء قدرًا مهمًا لفرز اتجاهات ومواقف ودلالات كشفت بطريق مباشر أو غير مباشر طبيعة ما هو متوقع من سلوك وعلاقات بين السلطات الثلاث من جهة «التشريعية- التنفيذية -القضائية»، وبين أعضاء المجلس فيما بينهم في المرحلة القادمة.. وإليكم بعض تلك المؤشرات والدلالات.
السعدون المحايد
في الجلسة الماراثونية والتي انتهت على أقل تقدير برأي يخالف رأي رئيس المجلس المنتخب وهو الرئيس أحمد السعدون، بل إن الجلسة بكاملها كانت تناقش موضوعه شخصيًا أثبت السعدون في هذه الجلسة كفاءة عالية في الإدارة، كما أثبت حيادية كاملة تجاه القضية المعروضة والتزم الصمت طيلة الجلسة عدا السؤال الذي وجهه النائب الخرافي بشأن المشاورات الحكومية معه، بالرغم من انتقادات حادة وضغوطات حكومية قبل الجلسة مورست عليه، مما يؤكد أن استمرار الرئاسة القادمة بهذه الحيادية وبهذه الطريقة الموضوعية يؤصل شل نهجا مهما لنجاح المجلس القادم، ومن الجدير بمكان أن يكون رئيس المجلس قادرا على فرز الموقف العام في إطار الدستورية والقانون واللوائح مما يسير بالمجلس بصورة فعالة وناضجة وموضوعية.
مصيدة الحكومة
الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع القضية كانت سياسية بالدرجة الأولى، كما يراها بعض النواب فقد أرجأت الحكومة حقها المباشر في إحالة الخلاف إلى المحكمة الدستورية ورأت أن تمارس حقها من خلال دورها في المجلس، ودخلت متضامنة وببيان حكومي تلاه وزير الدولة السيد عبد العزيز الدخيل في الجلسة وبعد مضي وقت ليس بقصير إنهم بعض النواب الحكومة بتسييس القضية وأنها حاولت الضغط على السعدون لإعادة التصويت في المجلس، وبالرغم من رفض النائب الأول الشيخ صباح الأحمد الصباح ووزير الأوقاف لهذا الاتهام وأن الحكومة ليست بصدد الوقوف ضد الرئيس السعدون إلا أن بعض النواب لم تقنعهم إجابات الوزيرين، ويظن البعض أن الحكومة تضع السم في العسل - كما صرح بذلك النائب غنام الجمهور- وذلك بإحالة الخلاف إلى المحكمة الدستورية عن طريق المجلس، أي أن تخرج الإحالة بأصوات النواب والحكومة معًا، فكان المجلس قد أحال القضية برمتها للمحكمة الدستورية وهذا ما حدث فعلًا ويرى هؤلاء أن الإحالة تشكل تنقيحًا للدستور، إذ إن المحكمة الدستورية مهمتها تفسير القوانين واللوائح لا النصوص الدستورية، ولا شك أن للحكومة في هذه القضية مكاسب منها:
أولًا: أنها تختبر فعالية تنسيقها مع الأعضاء الذين تتوقع أن يقفوا مع مشاريعها في المستقبل حيث قامت بعرض مشروعها عليهم من خلال المجلس لا من خلفهم، وبالتالي فإنه في أول جلسة عمل للمجلس يتصلب موقف مشترك نيابي حكومي بما يشكل لوبي بشكل جديد وبلون جديد.
ثانيًا: إن عملية تنقيح الدستور تحتاج إلى جس نبض وتمرين سياسي، وهذه فرصة لاكتشاف القدرة على إمرار هذا التنقيح حتى تتوافق الإرادتان المطلوبتان للتعديل مستقبلًا إذا ما قررت الحكومة ذلك، وفي العدد الذي حصلت عليه الحكومة «۲۱ نائبًا» تمهيد لا بأس به للتعديل.
ثالثًا: في أول جلسة عمل للمجلس أيضًا أرادت الحكومة أن توصل رسالة للنواب بأن مشاريعها الخاصة ستمر بسهولة، فمن الحكمة بالنسبة للنواب- وخصوصًا القوى السياسية- ألا يكلفوا أنفسهم مجهودًا في المزايدات السياسية مما يفتح مجالًا أوسع لعقد الصفقات السياسية مستقبلًا مع القوى السياسية.
رابعًا: تفهمت الحكومة وبصورة أكبر مكامن ونقاط الضعف عند المستقلين القريبين من التيارات السياسية، وهي تستطيع أن تخلط أوراق التيارات السياسية فتحتوي كتلة المستقلين مع إبطال مفعول مناورة القوى السياسية في تجسيد تعاون صحي مع المستقلين، خصوصًا وأن نوابًا من التيار الإسلامي كالنائب خالد العدوة، والنائب وليد الطبطبائي، والنائب عايض علوش، وهم محسوبون على التيار الإسلامي - قد صوتوا لصالح مشروع الحكومة.
سياسة حرق الرموز
الورقة البيضاء كشفت بصورة جلية عن قدرة الحكومة في هذه المرحلة في إحراج التائبين السعدون والخرافي وإحراق رمزيتهما كشخصيتين لهما تقدير من تيارات شعبية في المجتمع الكويتي. ففي العدد «۱۲۲۱» من مجلة المجتمع الصادر بتاريخ ۲۱ أكتوبر ۱۹۹٦م، وبعد نتائج الانتخابات الكويتية كان لنا تحليل لهذه النتائج، قد توقعنا مسارات لمجلس الأمة القادم وعلاقته بالحكومة, وقد بينا أن الرئاسة ستكون من نصيب من تراه الحكومة مناسبًا للتفاهم مع سياساتها في المرحلة المقبلة والذي ينسجم مع مفهومها الخاص لطبيعة مجلس ٩٦ والتعاون معه، ولهذا فإن الحكومة وعلى لسان النائب الأول وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد ووزير العدل والشؤون الإسلامية السيد محمد ضيف الله شرار أكدا أن الحكومة رحبت بفوز الرئيس السعدون في الجلسة الأولى للفصل التشريعي السابع، مما وضع الرئيس السعدون في وضع محرج، فقد كان خطاب الحملة الانتخابية للرئيس السعدون يركز على أن الحكومة تقف ضده، وبذلك أثبتت الحكومة وعلي لسان وزير العدل فيها أنه لولا الحكومة لما كنت رئيسًا، وبالتالي فإن حصول الرئيس السعدون على «۳۰» صوتًا مقابل «۲۹» للنائب الخرافي يضعه في موقف ضعيف أمام منافسيه، والذي ادعى بأنهم سیمنحون تأييد الحكومة، وبالتالي فإن ورقة رمزية للسعدون قد أحرقتها الحكومة أمام الشعب الكويتي، لكن ما أعطته الحكومة بيد أخذته بيد أخرى، فالحكومة تبنت مشروع النائب جاسم الخرافي، وطرحته كاقتراح على المجلس، ومن ثم لا يستطيع أن ينفي الخرافي أن الحكومة بأصواتها الـ «١٥» قد انتشلت قضيته من الفشل فأصبح مدينًا لها في كسب معركة سياسية ضد الرئيس السعدون، وفي نفس الوقت تؤكد الحكومة للناس وكأنها تقول للتيار الآخر أنها غير مقتنعة بما جرى في جلسة ٢٠ أكتوبر ١٩٩٦م، فالحكومة بذلك أحرقت ورقة رمزية النائب جاسم الخرافي وتياره وعليه فإن كلا النائبين بعد نتيجة المحكمة الدستورية أيًا كان شكلها ستظل رمزيتهما مرهونة بتكتيكات الحكومة تجاههما وستمارس الحكومة سياسة حرق الرموز بشكل أكبر إذا ما نجح تكتيكها الحالي.
انحياز الحكومة
لقد كشفت الحكومة عن موقفها المنحاز في هذه القضية خصوصًا وأن رأي إدارة الفتوى التشريع، وهي جهة حكومية تؤيد صحة إجراءات انتخابات الرئيس في 20/10/1996م كما كان بمقدور الوزراء النواب أن يكون لهم دور على أقل تقدير في إقناع الحكومة للحياد في هذا الموضوع خصوصًا وأن الرأي القانوني للحكومة يساند موقفهم.
القوى السياسية فريق قوي لكن لم يستطع أن يسجل أهدافًا
من الواضح تمامًا أن القوى السياسية نجحت في رسم ما يلي:
أولًا: أنها متضامنة ومتماسكة فيما يتعلق بالقضايا الدستورية والحفاظ على المكتسبات الشعبية.
ثانيًا: أنها كانت قادرة على رسم صورة قانونية ودستورية عن موقفها في المجلس، حيث عارضت القوى السياسية تحويل الخلاف في الرئاسة وتفسير مواد اللائحة والدستور وذلك وفق أسس قانونية ودستورية ومنطقية، وأنها ليست ضد أن يتخاصم النائب الخرافي في حقه وإنما هي مع ذلك، لكنها ترى أن يكون ذلك في إطار المجلس وأطره اللائحية وعن طريق اللجنة التشريعية وأنه يجب إعطاء وقت كاف للدراسة.
ثالثًا: أن القوى السياسية لم تر في القضية خلافًا دستوريًا بقدر ما هو خلاف سياسي دخلت فيه الحكومة طرفًا بالرغم من نفي الحكومة لذلك، كما أنها استطاعت أن تبرز موقف الحكومة ومؤيديها لتحويل الخلاف إلى المحكمة الدستورية بما يلي: أولًا: حاصرت القوى السياسية الحكومة بحيث أصبحت أمام الجمهور وكأن القضية هي قضية الحكومة لا المتنافسين على الرئاسة.
ثانيًا: وضعت النواب المؤيدين للحكومة في موطن الدفاع عن النفس حيث كثرت تصريحات النواب المؤيدين بالدفاع عن استقلاليتهم وأنهم غير مسيرين أو يتلقون أوامر من أحد، وأنهم من الذين يساندون الدفاع عن الدستور، وأنهم وطنيون... إلخ، مما جعلهم ينشغلون عن المبررات التي يعتقد بأنها قانونية للتحويل إلى المحكمة الدستورية.
ثالثًا: لقد وضعت القوى السياسية غالبية مؤيدي تحويل القضية إلى المحكمة الدستورية في موقف ضعيف من حيث وضعهم في الدفوعات القانونية والدستورية وفي قانونية الإجراءات الخاصة بالتحويل للمحكمة الدستورية، فقد كانت غالبية مبررات هؤلاء النواب المؤيدين هي مبادئ عامة كالعدل وعدم قدرتهم على الفصل في منازعات القضية وتحتاج إلى خبراء دستوريين، وأن الآراء كثيرة ومختلفة ومتضاربة، وبالرغم من دعوة نواب القوى السياسية ومؤيديهم باللجوء للجنة التشريعية لمجلس الأمة لحل هذا الإشكال إلا أن قناعة النواب المؤيدين لتحويل الخلاف للمحكمة الدستورية كان ضعيفًا، بل إن الخلاف نشأ بين النواب المؤيدين أنفسهم في تحويل مادة من المواد، فقد استطاعت القوى السياسية أن تضعف الموقف القانوني والدستوري للنواب المؤيدين لتحويل الخلاف للمحكمة الدستورية، ومن الواضح تمامًا لولا أصوات الحكومة الـ «١٥» لما رجحت كفة هؤلاء النواب الـ «۲۱» نائبًا حيث حصلت القوى السياسية ومؤيدوها على«٢٤» صوتًا.
المساءلة السياسية
الموقف التنسيقي القوى الذي ظهر أثناء الجلسة التاريخية أثبت من خلال الأربعة والعشرين صوتًا للقوى السياسية ومؤيديها أن تقوم هذه القوى للمساءلة السياسية للحكومة، خصوصًا وأن الحكومة قد خالفت نصًا دستوريًا بتجاوز المدة الدستورية المفترضة في أن تقوم الحكومة بتقديم برنامجها للمجلس وقد هددت القوى السياسية في هذه الجلسة بالمساءلة السياسية على لسان النائب سامي المنيس ومستدركًا على الحكومة انحيازها في الموضوع بما يشكل تهديدًا لطبيعة التعاون بين السلطتين.
فرز المستقلين لا شك أن الورقة البيضاء وما تلاها من أحداث فرزت المستقلين في جلسة الثلاثاء التاسع عشر من الشهر الجاري إلى ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: وهو الاتجاه المستقل المؤيد لاستقلالية قرارات المجلس وأن المجلس قادر على حل إشكالاته الدستورية والقانونية ضمن لوائحه ولجانه، دون إدخال أطراف في الخلافات بين أعضاء المجلس وهذا الاتجاه من الواضح أن بمقدرته أن يتفاهم مع القوى السياسية بدرجة أكبر من أن يتفاهم مع الحكومة أو نوابها أو مؤيديها.
الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه المستقل الذي يرى أن يتعاون بشكل أوثق مع مشاريع الحكومة، إما لحسابات تلافي الإشكالات بين السلطتين أو لحسابات انتخابية خاصة، ولا يرى بأسًا من مشاركة أطراف السلطة التنفيذية أو القضائية كل فيما يخصه لحل الإشكالات في منازعات المجلس وقد ينجرف بعض هؤلاء المستقلين بلا تحفظ مع مشروعات الحكومة.
الاتجاه الثالث: وهو الاتجاه المستقل والذي لم يحدد قناعات واضحة ولم يبلور مواقف محددة تجاه طبيعة العلاقة بين السلطتين من حيث الفرز السياسي، فهو قد تجذبه حسابات متفاوتة من وقت لآخر أملًا في تحقيق ذات انتخابية مستقلة.
اختلاف التكتل الإسلامي
في الجلسة الماراثونية كشفت الورقة البيضاء درجة الخلاف بين الأعضاء المستقلين للتكتل الإسلامي السني حين اتضحت فروق في المواقف حيث أيد بعضهم موقف الحكومة في إحالة الخلاف للمحكمة الدستورية فقد كان موقف النائب خالد العدوة والدكتور وليد الطبطبائي والنائب عايض علوش، مخالفًا لتوجه باقي المستقلين الإسلاميين والقوى السياسية لحركة الدستورية الإسلامية والتجمع السلفي مما ينذر باختلاف هذا التكتل مستقبلًا حول قضايا العلاقة بين ما تطرحه الحكومة من المشروعات والموقف الإسلامي العام منها، كما تؤكد الورقة البيضاء وما تلاها من أحداث فشل التنسيق بين القوى السياسية في هذا التكتل وبعض المستقلين في هذا التيار، وقد بدأ بعض هؤلاء المستقلين بطرح بعض المشاريع الإسلامية والتي تحتاج إلى إجماع من التكتل الإسلامي للنجاح بها بأمان عبر المجلس.
الثقة بالمحكمة الدستورية
ومما كشفه الجدل الثائر في الجلسة الماراثونية يوم 19/11/1996م أيضًا علامات تخوف وشك عند الذين عارضوا تحويل الخلاف في تفسير المادة 93 من الدستور وما يلحق بها إلى المحكمة الدستورية وذلك مبني على قناعات بأن ذلك يشكل تنقيحًا للدستور بالإضافة إلى عدم اختصاص المحكمة الدستورية بذلك، عدا أن البعض من النواب قد طرح أفكارًا بشأن تعديل بعض مواد قانون المحكمة الدستورية، مما يثير عدم ارتياح من إحالة الخلاف بين السلطتين إلى المحكمة الدستورية، وأن مجلس الأمة قادر على أن يعالج قضايا الخلاف بين السلطتين في إطار المجلس ولوائحه وقوانينه كما حدث للمادة «۷۱» من الدستور في الفصل التشريعي السابق، وقد أفرزت الورقة البيضاء وما تلاها من أحداث شكوكًا متبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما أفرزت اعتقادًا خاصًا للنواب وحساسيتهم المفرطة تجاه التدخل من أطراف أخرى من السلطات في عمل المجلس، أما ما أثاره بعض الأعضاء في الجلسة الماراثونية من أن هناك سيناريو سياسي قد رسم لوصول رئيس محدد للمجلس فإن لذلك مقالًا آخر ربما نكتبه في أيام قادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل