العنوان حضور صهيوني بارز في مهرجان «أفلام العالم» في مونتريال
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
مشاهدات 88
نشر في العدد 1167
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
استخدام اليهود للسينما في الصراع يوجب علينا نحن المسلمين عدم إغفال هذا المجال
تغطية إعلامية مكثفة، أجواء احتفالية كبيرة، إقبال جماهيري محترم، وفرة في العروض المقدمة، حضور عربي وإسلامي متواضع مقابل حضور يهودي إسرائيلي مكثف، تلك كانت أهم سمات الدورة التاسعة عشرة لمهرجان «أفلام العالم»، المنعقدة أخيرًا بمونتريال، مدينة المهرجانات في كندا، ما بين ٢٤ أغسطس إلى 5 سبتمبر ١٩٩٥م، والمتزامنة هذه المرة مع الذكرى المئوية الأولى لانطلاق السينما في العالم.
ويعتبر هذا المهرجان الدولي من أضخم مهرجانات السينما الدولية من نواحٍ عديدة منها طول المدة، حيث تدوم فعالياته ١٢ يومًا كاملًا، وكذلك من جهة حجم الدول والأفلام المشاركة، سواء ضمن المسابقات الرسمية أو على هامشها، حيث بلغ عدد الدول ٦١ دولة من أمريكا وأوروبا وآسيا وإفريقيا، وإستراليا من الدول الغنية العريقة في الصناعة السينمائية، ومن الدول النامية التي تسير خطواتها الأولى في مجال هذه الصناعة «الثقيلة»، أما من حيث عدد الأفلام المشاركة في هذه الدورة فقد بلغ ٢٣٦ فيلمًا، منها ۲۰ تعرض داخل المسابقة الرسمية، نجد من ضمنها الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، والأفلام التاريخية والوثائقية والعلمية، ومنها الأفلام المحترفة وأفلام الهواة من الطلاب والسينمائيين المبتدئين أو الشبان.
حضور إسلامي محدود
وضمن هذه الكثافة في المشاركة والوفرة في الإنتاج والعروض، يبدو الحضور العربي والإسلامي محدودًا ومتواضعًا جدًا، قياسًا لبعض المشاركات الأخرى كالمشاركات الإسرائيلية على سبيل المثال، حيث لا يزيد مجمل الدول العربية والإسلامية المشاركة عن الثمانية، هي تركيا وإيران ومصر والمغرب وماليزيا، والجزائر ومالي، وفلسطين، أما من حيث الأعمال المقدمة من الجهات مجتمعة، فإنها لم تتجاوز ١٤ عملًا منها ١٣ فيلما طويلًا من بينها ستة أعمال مشتركة مع دول أخرى، بما فيها إسرائيل «فيلم إسرائيلي فلسطيني»، وتبدو إيران بأعمالها الخمسة الطويلة أكثر الدول الإسلامية حضورًا في هذه الدورة، أما عن موضوعات هذه الأعمال كلها، فقد جاءت عاطفية في أغلبها وخالية من البعد الثقافي الإسلامي المتميز، إن لم تكن متصادمة معه في بعض الأحيان، والفيلم الوحيد في هذه الدورة الذي جاء واضحًا في تناوله لموضوع الإسلام والمسلمين، هو شريط «المسلم». للمخرج الروسي فلاديمير كوتينانكو ، والذي يحكي قصة جندي روسي وبطل من أبطال الحرب الروسية الأفغانية اسمه، إيفانوف يعود إلى قريته بعد سبع سنوات من الأسر في أفغانستان، وقد أصبح مسلمًا ملتزمًا، فيجد أهله وأبناء قريته قد تنكروا له وأصبحوا يعاملونه على أنه غريب وأجنبي، وقد وقعت برمجة هذا الفيلم ضمن المسابقة الرسمية زيادة إلى عرضه مرتين على الهامش.
حضور صهيوني بارز
وفي مقابل هذا الحضور العربي والإسلامي المتواضع والمحتشم جدًا من حيث العدد والنوعية والمضمون، تبدو المشاركة الإسرائيلية ضخمة ومكثفة، حيث بلغ عدد الأفلام الإسرائيلية المشاركة في هذه الدورة ١٨ فيلمًا منها ۱۳ عملًا طويلًا، منها واحد ضمن المسابقة الرسمية، و5 أفلام قصيرة للهواة المبتدئين من طلاب «مدرسة السينما بالقدس»، وإضافة لدلالة العدد، فقد غلب على الأعمال الإسرائيلية من حيث الموضوع والمضمون الأبعاد الدينية والتاريخية والسياسية التي تروج للمظالم التاريخية اللاإنسانية التي تعرض لها اليهود عبر تاريخهم القديم والمعاصر، وتؤكد على حقوقهم المشروعة في بناء دولة لشتاتهم الموزع على أنحاء عديدة من العالم، وزيادة على الأفلام، فقد شاركت «إسرائيل» بوفد ضخم ضم العديد من المخرجين والممثلين نجوم السينما الإسرائيلية، وكذلك العديد من المنتجين والصناعيين السينمائيين، وبعض الشخصيات الأخرى، هذا فضلًا عن اليهود الآخرين المشاركين في هذا المهرجان باسم بلدان أخرى، والذين لم يخفوا خلال الندوات الصحفية التي عقدوها على هامش العروض انتماءهم اليهودي وتعاطفهم مع إسرائيل.
دوافع «إسرائيل»، وغياب المسلمين
ويظهر هذا الفارق الكبير بين حجم ونوعية المشاركتين العربية والإسلامية من جهة والإسلامية من جهة أخرى اختلاف الجهتين في الإهتمام بالسينما وربما بالفنون جملة، فقد بدا تركيز إسرائيل على هذا اللون الفني واضحًا، لما يمثله بالنسبة لها من رهان مهم ونافذ لاختراق حدود العقول والدول والثقافات والترويج لعظمة دولة إسرائيل، ومشروعية صراعها، هذا زيادة على ما يعكسه هذا التركيز من اهتمام بالثقافة كوسيلة لتنمية الهوية وحفظها من جهة، والحوار أو التفاعل مع الآخرين من جهة أخرى، أما الدول العربية والإسلامية ورغم عراقة التجربة السينمائية لدى بعضها وخاصة، منها مصر، فإن حضورها المحتشم يعكس ضعف اهتمامها بالثقافة عامة وبالسينما خاصة، كما يعكس ضعف هياكل الصناعة السينمائية بها، وخاصة الإنتاج والتسويق، الشيء الذي يدفع بالكثير من الكفاءات- كما تؤكد ذلك هذه الدورة- إلى اللجوء إلى دول أخرى بحثًا عن الدعم اللازم، لإنتاج بعض الأعمال التي تأتي في الأخير مستجيبة لشروط الجهة الداعمة أكثر من استجابتها لطموح المخرج وهويته، وتفيد أرقام هذه الدورة أن أهم مشاركة إسلامية في هذه الدورة هي المشاركة الإيرانية، الشيء الذي يزيد فيؤكد أهمية وقيمة دعم الدولة للإنتاج السينمائي، رغم ما يثيره هذا الأمر من معوقات أخرى، قد تنال في بعض الأحيان من القيمة المضمونة للعمل السينمائي، وخاصة إذا ما خضع هذا العمل إلى شروط الدعاية والتوجيه السياسي الحزبي.
إستراتيجية ، إسرائيل، في اختراق السينما
إن تطور المشاركة الإسرائيلية في مثل هذه المجالات والمناسبات ليس أمرًا خارقًا للعادة ولا عفويًا بقدر ما يبدو جزءا من إستراتيجية تخطط لدخول إسرائيل المتدرج لمثل هذه الفضاءات للهيمنة عليها، ومن ثم امتلاكها كأداة إضافية يمكن أن تستثمرها في صراعها مع خصومها من الأديان والثقافات الأخرى، وخاصة منها الإسلامية طبعا، إن هذا التوجه يوجب علينا نحن المسلمين أن نتعامل معه على أنه جزء من الإستراتيجية الإسرائيلية التي تخطط في المستقبل لمصارعة الخصوم، ضمن مساحة الثقافة بما هي قيم وآداب وفنون جزء منها السينما، وبقدر ما تكون الإمكانات والفرص غير متكافئة لصالح إسرائيل، بقدر ما يكون موقف الثقافة والمشروع الإسلاميين صعب في المستقبل، هذا المستقبل الذي لا نراه بعيدًا، بل هو قاب قوسين أو أدنى من حاضرنا، وعلى أساس هذا الاستنتاج فإن المهتمين بالعمل الإسلامي والمتصدرين لتوجيهه والتخطيط له، مطالبون بوعي هذه المسألة حق الوعي، وبإدراك أبعادها حق الإدراك، ثم هم مطالبون بالبحث عن الإستراتيجية المناسبة لتعزيز حظوظ الثقافة والمشروع الإسلاميين، إما من خلال الاهتمام ببناء سينما إسلامية بديلة وتوجيه جزء من الرأسمال الإسلامي النقدي والبشري للاستثمار فيها، أو من خلال بلورة مساحات وفضاءات ثقافية وفنية أخرى خاصة بالمشروع الإسلامي، يتطور وينمو من خلالها ويدافع عن نفسه ويحصنها من خلالها أيضًا، فهل سيعي المسلمون هذا الدرس؟