العنوان حزب اليسار المصري آيل للسقوط!
الكاتب حازم غراب
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999
مشاهدات 65
نشر في العدد 1364
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 24-أغسطس-1999
ضربة قاضية.. اتهامات صريحة لقيادات يسارية بالعمالة للصهاينة!
عضوية الحزب تناقصت من ١٥٠ ألفًا إلى ١٣ ألف عضو، وصحيفته تعاني التوزيع
فراغ وسكون يحيطان بك عندما تدلف إلى المقر الرئيس لحزب اليسار المصري المسمى «التجمع التقدمي الوحدوي»، ويقع هذا المقر في قلب العاصمة المصرية، وقرب أشهر ميادينها الكبرى «التحرير»، ويشغل بناية من طابقين منحتها الدولة أيام السادات للحزب من بين ممتلكات الاتحاد الاشتراكي العربي العديدة، والتي ورث أغلبها الحزب الوطني الحاكم.
هذا المكان الذي يلفه الصمت والهدوء حاليًا، كان قبل عقدين من الزمان خلية نحل لا ينقطع فيها طنين «الشغيلة»، ولا تتوقف فيها مظاهر خيلاء الكوادر الشيوعية واليسارية، بينما كانت جريدة الحزب «الأهالي» تملأ الساحة السياسية والصحفية صخبًا بالعناوين والموضوعات المثيرة سواء لمعارضة الانفتاح الاقتصادي «السداح مداح»، أو للطعن في الصحوة الإسلامية المتنامية في أوساط شباب مصر.
وحتى الشارع التجاري الراقي الذي تقع على ناصيته بناية الحزب لم يسلم من مظاهر الصخب والمناوشات اليسارية سواء باللافتات الضخمة المعلقة بعرض الشارع، أو بتجمعات بعض رفاق ماركس في مصر للإعداد لمؤتمر عام للتلويح بمظاهرة.
المقر الخاوي
«سبحان مغير الأحوال»، وجدتني أردد وأنا أخطو داخل مقر حزب التجمع منذ أسابيع عدةبمناسبة انعقاد اللجنة القومية لسجناء الرأي، والتي تعقد اجتماعاتها من حين لآخر في مقار بعض أحزاب المعارضة المصرية بالتناوب، وتذكرت ما أفصح عنه منذ شهور قليلة عبد الغفار شكر - الأمين العام المساعد لحزب التجمع - من أن عضوية حزبهم تراجعت من ١٥٠ ألفا في عام ١٩٧٦م إلى ١٣ ألفًا في يوليو من العام الماضي، وما إن فجر شكر هذه الحقيقة حتى توالت على حزب التجمع تطورات عدة سلبية، تجعلنا نتنبأ بقرب انهياره، أو على الأقل تحوله إلى مجرد لافتة كبيرة ومبنى من دون عضوية ولا تأثير يذكر في الشارع السياسي المصري.
قبل استعراض التطورات السلبية التي تعرض لها حزب اليسار المصري في الشهور القليلة الماضية، يجدر بنا التنبيه إلى أن استمرار حزب التجمع في الوجود بعد انهيار التطبيق السوفييتي للنظرية الاشتراكية، يعزى إلى إرادة النظام السياسي المصري أكثر من قدرة الحزب على مصارعة الانحسار الأيديولوجي أو التحول الفكري لإعداد غير قليلة من كوادره، ومن ناحية أخرى، فقد كان الحزب ولا يزال يعاني مشكلات مادية صعبة عقب بوار بضاعته المتمثلة في المطبوعات والمجلات، ولا نقول أيضًا: انقطاع المعونات من بعض الجهات والرموز، ولا نبالغ كثيرًا إذا قلنا: إن المساندة الحكومية المباشرة أو غير المباشرة هي التي أسهمت في استمرار نبض الحياة في حزب التجمع، ولولا ذلك لأغلق هذا الحزب أبوابه منذ ما لا يقل عن عشر سنوات في مصر.
لقد كانت السلطة المصرية منذ استشعارها مظاهر الصعود الإخواني السياسي في حاجة إلى حلفاء تستخدمهم في التصدي للعد الأصولي، وقد وجدت تلك السلطة ضالتها في بقايا حزب التجمع الآيل للسقوط الفكري والمادي، وبحركة سريعة وجد الرأي العام المصري الحكومة تقوم بعملية نقل دم عبر إنجاح رموز يسارية مصرية في دوائر انتخابية معينة أو بتعيين رموز أخرى في عضوية مجلس الشورى، وإن شئناالصراحة، فإن خالد محييالدين - زعيم حزب التجمع - ما كان له أن ينجح في انتخابات مجلس الشعب عام ١٩٩٥م لولا إصرار الحكومة على إنجاحه، صحيح أن خالد كانت له شعبية في دائرته في الماضي، ولكن الصحيح أيضًا أن انهيار الشيوعية سحب منه كثيرًا من تلك الشعبية، كما أن رموزًا إسلامية وليبرالية أخرى كانت قد بدأت تحظى بقدر لا بأس به من الشعبية في ذات الدائرة، وكان يمكن لواحد منهم أن يفوز لولا التدخل الحكومي لإنجاح خالد محيي الدين، وكان اختيار الحكومة لرفعت السعيد - أمين عام حزب التجمع - لتعينه في مجلس الشورى قرينة قوية أخرى على أن الحاجة إلى رموز معارضة أيديولوجية قوية الشكيمة في عملية الاشتباك مع الإسلاميين، حاجة ماسة.
جريدة الحزب
وإذا قام أي باحث منصف بدراسة بسيطة لتحليل مضمون ما تنشره جريدة الأهالي لسان حال حزب التجمع، سيخرج بنتيجة مؤكدة تؤيد وجهة نظرنا هذه؛ حيث لا يكاد يخلو عدد واحد من مادة تخدم مصلحة السلطة المتمثلة في الاغتيال المعنوي للإخوان فكرًا ورموزًا وممارسة، ويقوم الدكتور رفعت السعيد وهو من أشد المتعصبين ضد التوجه الإسلامي بدور بارز في هذا الصدد في كل عدد من أعداد الأهالي تقريبًا، أما إذا استعرضنا الإعلانات في «الأهالي» فسوف تتأكد رؤيتنا بما لا يدع مجالا لأي شك، وعلى سبيل المثال وبينما يعد الكاتب هذا التقرير في شهر يوليو الماضي، أحصى مساحة ثلاث صفحات إعلانية كاملة بعدد ٢٨ يوليو من الجريدة، وكلها من جهات حكومية أو هيئات تابعة للدولة، وذلك إضافة لإعلانين من رجلي أعمال أحدهما مرتبط بالحزب الوطني هو محمد فريد خميس - صاحب شركة النساجون الشرقيون - والآخر نصراني!.
ويعلم جميع المتعاملين في سوق الإعلان في مصر أن الصحف الحزبية وخاصة الأهالي تعاني توزيعًا محدودًا، ومن ثم فلا يقدم على الإعلان فيها سوى من يقصد دعمها سياسيًّا.
لكن الضربة القاضية للحزب أتته من حيث لا يدري؛ إذ قدم الأمين العام المساعد عبد الغفار شكر استقالته من جميع مناصبه بالحزب؛ احتجاجًا على فرض رفعت السعيد رؤيته الخاصة على سياسة الحزب والجريدة، والمعروف أن شكر يشغل أيضًا منصب أمين التدقيق، وهو أبرز من تولوا وضع برامج الحزب والتعديلات التي أدخلت عليها.
ثم كشفت بيانات وزعتها مؤخرًا كوادر قيادية من الحزب الشيوعي المصري المحظور عن تولي رفعت السعيد وحسين عبد الرازق مراكز قيادية في الحزب المحظور، إضافة إلى مواقعهم في حزب التجمع، الأمر الذي يعني ازدواج ولائهما «للحزب الشرعي والحزب السري في وقت واحد»، وكانت تلك البيانات حديث جميع الأوساط السياسية والصحفية في القاهرة في الأسابيع القليلة الماضية.
وذلك حيث أكد الحزب الشيوعي فصل المذكورين لاتهامهما بعلاقات مشبوهة بعناصر استخباراتية صهيونية مثل هنري كوريل - أحد مؤسسي الحزب الشيوعي المصري والمقيم في باريس - ويوسي امتياس - مدير المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة وضابط الموساد السابق -، كما أشارت البيانات إلى تعاملات مادية ورشاوى من جهات عربية مع المذكورين.
ولم تسلم أسماء أخرى من اتهامات مماثلة من بين رموز اليسار المصري مثل لطفي الخولي ومحمود أمين العالم، ويهيج نصار وصلاح عدلي وزوجة حسين عبد الرازق.
ومما زاد الطين بلة أن صحيفة العربي لسان حال الحزب الناصري أخذت الخيط، وهاجمت رفعت السعيد هجومًا عنيفًا لعلاقاته المشبوهة بهنري كوريل وأميتاي، وفتحت العربي صفحة الرأي فيها لأعضاء مناونين لرفعت السعيد في التجمع مثل د. إيمان يحيى وغيره، فكالوا له ولمواقفه مع التطبيع والصهاينة ما لا مزيد عليه من نقد وهجوم.
الحقيقة أن التطورات السلبية التي أشرنا إليها في السطور السابقة تتفاعل بسرعة في غير صالح التجمع من حيث تأثيرها المباشر على انحسار العضوية أكثر فأكثر، ومن حيث دفع النظام للتوقف عن الاعتماد على هذا الحزب في المستقبل.
والآن إذا كان رقم العضوية العام الماضي وقبل التطورات السلبية التي أشرنا إليها قد تقهقر إلى ١٣ ألفًا، فكم يا ترى يصل التقهقر العام القادم؟، وإذا كانت السلطة قد شهدت بأجهزتها وإعلامها أن قيادات في حزب التجمع الشرعي تعمل في الخفاء في الحزب الشيوعي المحظور، فهل يعقل أن يستمر الاعتماد على تلك القيادات في محاربة الإسلاميين المعتدلين أو حتى المتطرفين؟.
تنظيم شباب المستقبل
يحل محل «حورس»
في أول تعليق رسمي على ما يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية حول اتجاه السلطة
لتأسيس ما يسمى بحزب المستقبل أو التنظيم الشبابي القومي، نفى د. أسامة الباز - مدير المكتب
السياسي للرئيس مبارك - أن تكون هناك نية لإنشاء حزب حكومي إلى جانب الحزب الوطني
الحاكم؛ حيث إن الأحزاب لا يجب أن تنشأ في كنف السلطة، ولم يذكر د. الباز أي شيء عن
البديل الآخر، وهو التنظيم الشبابي المزمع تسميته «تنظيم شباب المستقبل».
وكان اسم د. الباز قد تردد فيمن قيل إنهم يقومون بالإعداد لتأسيس الحزب أو التنظيم الجديد، كما وردت أسماء غير مؤكدة لبعض رجال الأعمال الطامحين للعمل السياسي، وذلك إضافة إلى اسم جمال مبارك كما سبق وأشرنا من قبل.
ولا شك أن د. الباز له خبرته في العمل التنظيمي؛ حيث سبق له الانخراط في التنظيم الشبابي التابع للاتحاد الاشتراكي العربي في مرحلة الستينيات، وقد مارس فيه مهاما معينة حتى في أثناء بعثته لنيل درجته العلمية في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية، ولا يستبعد بعض المراقبين أن يكون للدكتور أسامة الباز دور تنظيري في التنظيم الجديد بحكم خبراته القديمة، ثم ما أحاط به من ظروف الواقع الحزبي المصري، ولاطلاعه على خبايا السياسة الداخلية المصرية ونقاط ضعفها، منذ عمل إلى جانب الرئيس مبارك منذ توليه منصب رئيس الجمهورية.
ليس وحده...
ومما يرجح غلبة أصحاب الاتجاه لتأسيس تنظيم شبابي قومي بدلاً من حزب سياسي أن السلطة الحالية تذخر في تلافيفها بكوادر عديدة من بقايا التنظيم الشبابي الخاص بالاتحاد الاشتراكي، بينهم وزراء وسفراء وعمداء كليات ورجال أعمال منهم على وجه التحديد حسين كامل بهاء الدين - وزير التعليم - ومفيد شهاب - وزير التعليم العالي -، وإسماعيل سلام - وزير الصحة -، ومحمود شريف - وزير التنمية الريفية -، ومصطفى الفقي - سفير مصر السابق في النمسا -، وخالد الكومي - سفير مصر السابق في رومانيا، وحالياً رئيس المعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية -، وعلي الدين هلال - عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية -، وفريد خميس - رئيس شركة النساجون الشرقيون -، وغيرهم.
ومن الجدير بالذكر أن محاولة سابقة لخلق نواة لمثل هذا التنظيم قد منيت بالفشل، وهي ما
عرف بـ«تنظيم حورس» داخل الجامعات المصرية، والذي وظفت فيه خبرات معينة من خبرات
التنظيم الطليعي بغرض اجتذاب شباب الجامعات بعيدا عن الحركة الطلابية الإخوانية.
ويعزى الفشل في تلك المحاولة إلى غيبة السياسة الواضحة القادرة على اجتذاب الشباب
وتنازع المسؤولية.
أما السبب الثالث، فهو كشف صحافة المعارضة المصرية لممارسات غير أخلاقية بين بعض
الطلبة في أثناء الرحلات المختلطة، وهو الأمر الذي دفع بأولياء أمور كثير من الطلاب والطالبات
إلى تحذيرهم من الانضمام إلى «حورس»، ومن ثم انهارت المحاولة.
ترى ما الجديد الذي يضمن به القائمون على تأسيس «تنظيم شباب المستقبل» تفادي
أسباب فشل حورس؟
الإجابة: ريما تكون في وجود شخصية مثل جمال مبارك، إذا صدق ما قيل إنه ضمن المؤسسين للتنظيم الجديد.
إلا أن سؤالا مهما يطرح نفسه على رؤوس الجميع، وهو ما العقيدة السياسية أو الأيديولوجية أو الفلسفة السياسية التي سيجري على أساسها اجتذاب شباب مصر؟.
إن الاشتراكية انهارت والليبرالية لها حزب أو أكثر على الساحة، والإسلام المعتدل، وله الإخوان، و«الكوكتيل» السياسي الذي حاول السادات فيما سمي بالاشتراكية الديمقراطية أثبت جدارة كبيرة في الفشل في اجتذاب الشباب لعضويته، وأخيرا قاد إلى استفحال عناصر الفساد التي تطفو على سطح السياسة المصرية من حين لآخر.
على كل حال، سنرى ماذا يتفتق عنه لقاء الأجيال التي تربت في أحضان الاتحاد الاشتراكي مع جيل جمال مبارك وأضرابه خريجي مدارس اللغات والجامعة الأمريكية بالقاهرة أو جامعات الغرب عموما.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل