العنوان الأزهر في مهب الريح.. الماضي والحاضر لا بد منهما
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-1978
مشاهدات 81
نشر في العدد 416
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 17-أكتوبر-1978
• أكرر هنا قبل كل شيء أن أي مسلم خالص الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، لا يحمل للأزهر إلا كل خير، ويتمنى من أعماق نفسه أن يصبح الأزهر في المكان اللائق به، وأن يؤدي رسالته المنوط بها، والملقاة على عاتقه، ولكن أي أزهر نعني؟ بالطبع الأزهر الشخصية المعنوية، لا الأزهر الإدارة، والأشخاص، والمباني.
• وأود أن أشير هنا أن الدافع إلى هذه المقالات هو حبنا للأزهر، وحرصنا عليه، ونعوذ بالله أن يكون الدافع هوى أو حاجة في نفس يعقوب، وحرصنا على الأزهر نابع من أن الأزهر لا يزال له مكانة في نفوس المسلمين، ولا سيما الشعوب المسلمة خارج مصر وخارج العالم العربي، التي لم يقدر لها أن تحتك بالأزهر الإدارة، والأشخاص، والمسار، ولقد قال لنا المهندس أحمد الشرباصي الذي كان وزيراً للأوقاف وشئون الأزهر لبضع سنين، وأشهد أنه كان من أخلص وزراء الأوقاف للإسلام وللأزهر، قال لنا عندما كنا نزور الهند والباكستان، وكان معنا الشيخ الباقوري بزيه الأزهري، لمسنا مدى تقدير الشعوب المسلمة للشيخ، لا لشيء إلا لأنه في نظرهم -بزیه- ممثل للأزهر، ولقد تمنيت أن لو كنت قد ارتديت الزي الأزهر، لأكون موضع الحفاوة التي لا تقدر.
• لعل القراء يذكرون موقفاً مجيداً للمرحوم الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر الأسبق، والعالم السلفي الكبير، كان يطالب -رحمه الله- الحكومة بأن تحقق للأزهر حاجته من المال، والحكومة تماطل، وكان الملك يقضي الصيف بإيطاليا، ولا حديث للصحف العالمية إلا بذخ الملك فاروق وإسرافه، وإنفاق الأموال الطائلة على موائد الميسر، وعلى فتيات الليل، وفاض الكيل بالشيخ، فأدلى بتصريح كان قنبلة مدوية، قال: تقتير هنا، وإسراف هناك، وكان الشيخ يدرك أنه سوف يدفع ثمن تصريحه التضحية بمنصبه، ولكنه لم يتردد في أن يقول كلمة الحق، وأبعد عن منصبه، ومات الشيخ، ولكن موقفه العظيم لم يمت، ولن يموت.
- ونظرة معاصرة من ناحيتين:
الأولى- ما يعانيه الأزهر من اختناق بسبب ميزانيته، وبسبب التفرقة في المعاملة بين الأزهر وبين غيره من المؤسسات؛ فمثلاً ما تزال كليات الأزهر الثلاث في مدينة أسيوط الشريعة، واللغة، وأصول الدين، تحتل المعهد الديني القديم هناك، والمباني قديمة متهالكة، بينما جامعة أسيوط العلمانية تضارع أحدث جامعات أوربا، ولولا أن المغفور له جلالة الملك فيصل تبرع بعشرين مليون دولار لإنشاء جامعة جديدة للأزهر في أسيوط لكان مقدراً لجامعة الأزهر أن تظل تشغل المباني القديمة المتهالكة، وإذا نحن نظرنا إلى كليات الأزهر العتيقة في القاهرة، وجدنا الفرق شاسعاً بينها وبين مبنى معاهد الموسيقي مثلاً، وقد أقيم أفخم مبنى شهدته القاهرة لدار الكتب المصرية، بينما مكتبة الأزهر التي تضم زهاء أربعين ألفاً من المخطوطات آيلة للسقوط، وقد نهب من تراثها الكثير، وقد توقف العمل فيها منذ سنوات.
النظرة الأخرى- ما تعانيه السياسة المصرية من تضخم في الإسراف الذي لا مبرر له، ومثلاً مؤسسة السينما خسرت في عام واحد زهاء ثمانية ملايين من الجنيهات، والمهرجانات التي تقام في مصر، ومنها مهرجان السينما، تكلف الدولة ملايين الجنيهات، بل أن نقل مباريات كرة القدم في كأس العالم عن طريق القمر الصناعي، تكلف زهاء مائتي ألف من الجنيهات، وعلاج الممثلين والممثلات في أوربا وأمريكا، يكلف الدولة مئات الألوف من الجنيهات، وكذلك جوائز المسرح والسينما، وبرامج التليفزيون الهابطة، وإنشاء مقابر للخالدين، وإقامة التماثيل لكل من هب ودب، وما خفي كان أعظم.
ومع هذا فالأزهر تابع ساکت، لم يوجد فيه بعد من يصرخ في وجه الدولة؛ تقتير هنا، وإسراف هناك.
• استقبل خديو مصر البعثة المصرية المسافرة إلى باريس في طلب العلم، وكان من بين أفراد البعثة الدكتور طه حسين، ورحب به الخديو ترحيباً خاصاً، وكان الشيخ محمد شاكر وكيل مشيخة الأزهر، وهو والد المرحوم المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر، والأستاذ المحقق محمود محمد شاكر -كان يصلي الجمعة بمسجد محمد أبي الذهب المجاور للأزهر، وسمع خطيب الجمعة يثني على خديو مصر، ويقول: وجاءه الأعمى، فما عبس، وما تولى، فاعتبر الشيخ محمد شاكر أن في هذا القول تعريضاً برسول الله -صلوات الله عليه وسلامه- وما أن انتهت الصلاة، حتى وقف الشيخ محمد شاكر يقول للمصلين: أيها الناس: أعيدوا صلاتكم فإن صلاتكم خلف هذا الإمام باطلة، ولم يقف عند هذا الحد، بل كتب مذكرة ورفعها إلى المسئولين، وكان أن أبعد الخطيب عن المسجد.
وكان عبد الناصر في مؤتمر شعبي في أسيوط، ووقف محافظها يخطب، وكان مما قاله: اللهم إننا نحبك، ولكننا نحب جمالاً، فما حيلتنا؟؟ ووقف مدير جامعة أسيوط يومئذ يخطب، وقارن بين معجزات جمال ومعجزات الرسل، فإذا معجزات جمال تفوق معجزات الرسل: لئن كان عيسى قد أحيا ميتاً أو ميتين، فأنت يا جمال قد أحييت مائة مليون عربي، وإذا كان موسى قد شق له البحر، فأنت يا جمال شققت النيل، وأقمت السد العالي، وإذا كان محمد قد أعطي القرآن، فأنت يا جمال قد أعطيت الميثاق، كان المؤتمر مذاعاً بالتليفزيون والإذاعة على الهواء، وألقم الأزهر حجراً، ولم يتفوه بعبارة واحدة.
ومنذ سنوات كتب الأستاذ أحمد محمد الصاوي بالأخبار يمتدح كتاباً لصلاح نصر، مدير المخابرات السابق السفاح المعروف، وكان مما قاله الكاتب: لقد تأكد لدي أن السيد صلاح نصر مدير المخابرات كان يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، ومنذ سنوات قال العقيد معمر القذافي في حديث له بتليفزيون مصر: يجب أن تقوم راية الناصرية وراية الإسلام جنباً إلى جنب، ومنذ ثلاثة شهور قال الشيخ الشعراوي وزير الدولة لشئون الأوقاف والأزهر: لو كان الأمر بيدي لاعتبرت السيد رئيس الجمهورية في مقام الذي لا يسأل عما يفعل، وإزاء هذه كلها تصنع الأزهر الصمم، وعدم الأزهر رجلاً واحداً يصرخ في هؤلاء قائلاً: فض الله أفواهكم.
• في عام (١٩٥٣م) حدث اعتداء فرنسي على سلطان المغرب المرحوم محمد الخامس، وعزل عن العرش، وساند بعض الخونة من المغاربة، وكان شيخ الأزهر هو المغفور له الشيخ محمد الخضر حسين، فجمع هيئة كبار العلماء، وأصدروا بياناً اتهموا فيه المغاربة الخونة بالخروج على الإسلام، وأرسل البيان إلى الصحف، ومنع نشر البيان بأمر عال، فكتب شيخ الأزهر استقالته، وأرفقها بالبيان، وأرسلها إلى رئيس الجمهورية، وكان أن نشر البيان.
ومنذ سنوات قلائل صدر في الصومال قانون للأحوال الشخصية اعتبره علماء الدين هناك تحدياً لشريعة الله، وخطبوا في المساجد ضد القانون، وشن زياد بري حملة مسعورة على العلماء استشهد خلالها شنقاً ورمياً بالرصاص بضعة وعشرون عالماً، وقبل تنفيذ حكم الإعدام أرسل الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر برقية هادئة يطلب فيها وقف حكم الإعدام، وأمر الدكتور أحمد كمال أبو المجد وزير الإعلام يومئذ بعدم نشر البرقية في الصحف، وكان أن التزم شيخ الأزهر الصمت.
• والأمثلة كثيرة، لا حصر لها، وإنما قدمت بعضها على سبيل المثال، لا على سبيل الحصر، وأن ننس لا ننس يوم أن وجه عبد الناصر في مؤتمر عام مذاع على الهواء شتائمه وسبابه لعلماء الدين المشايخ، الذين يملئون بطونهم بدين الله، يأكلون الديوك الرومي، ثم يصدرون الفتوى، وكان يقصد عالماً جليلاً شجاعاً هو الشيخ حسنين مخلوف، مفتي الديار المصرية الأسبق؛ لأنه أدلى للصحف السعودية بحديث أنكر فيه باسم الإسلام الاشتراكية الناصرية، وعمليات التأميم، وتحديد الملكية، وتثاءب الأزهر، لكنه عجز عن أن ينطق ببنت شفة.
وللحديث بقية.