العنوان حرب أريتريا وإثيوبيا ضربة قاسية للتكتل الجديد في القرن الإفريقي
الكاتب مصطفى عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1304
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 16-يونيو-1998
القرن الإفريقي منطقة ذات أهمية قصوى في الملاحة الدولية والتجارة العالمية والاستراتيجية العسكرية لموقعها على البحر الأحمر والمحيط الهندي وقربها من الجزيرة العربية حيث أهم مخزون نفطي للعالم، ولذلك فإن استقرار هذه المنطقة أو عدم استقرارها يؤثر على الساحة الدولية بطريقة أو بأخرى، ومع ذلك فإنها لم تشهد استقرارًا يذكر منذ عقود، بل أصبحت مسرحًا الصراعات عسكرية ذات أبعاد مختلفة، وكان آخر مظاهر ذلك الصراع الإثيوبي - الأريتري.
ظهر الخلاف الحدودي بين أريتريا وإثيوبيا بعد استقلال الأولى عن الثانية عام ۱۹۹۳م، ويتمركز الخلاف على مثلث صخري مساحته أربعمائة كيلو متر مربع كان تحت الإدارة الإثيوبية، وتدعي أريتريا أنه ملك لها وفق وثائق يرجع تاريخها إلى بداية هذا القرن أيام الاستعمار الإيطالي لأريتريا، ولكن ظل الخلاف الحدودي بسيطًا، ولم يؤثر على العلاقات الجيدة بين البلدين وتعاونهما المشترك...
وظهر خلاف اقتصادي بين البلدين في العام الماضي بعد أن صنعت أريتريا لنفسها عملة مستقلة باسم «نجفا» واستغنت عن الدولار الإثيوبي الذي كان عملة رسمية لها قبل ذلك، ونشأ الخلاف من قيمة العملة الجديدة والتعاملات الجمركية، وحاولا تسوية هذا الخلاف بعد أن اتفقتا على أن تتم معاملاتهما بالدولار الأمريكي بدل النجفا الأريتري، ولكن هذا لم يقنع الإثيوبيين بسبب ندرة العملة الصعبة لديها مع أن إثيوبيا تعتمد على موانئ أريتريا لوارداتها بشكل أساسي.
واشتد الخلاف بين البلدين أواخر العام الماضي ۱۹۹۷م، وتم تشكيل لجنة لتسوية هذا الخلاف قبل ثلاثة أشهر، ولكنها لم تتمكن من السيطرة على الخلاف بل تطور إلى أزمة حقيقية جرت البلدين إلى حرب مسلحة، ولكن كيف تم تصعيد الخلاف إلى أزمة؟
في مطلع مايو الماضي بعد أن استولت أريتريا على المثلث المتنازع عليه وقالت: إنها استعادت أرضًا لها استولى عليها الإثيوبيون قبل ستة أسابيع.. وبدأت الحشود العسكرية في ٥/١2.. وتطور الموقف إلى مقاطعة اقتصادية ثم توقيف الخطوط الجوية والاتصالات الهاتفية في أواخر مايو.
وأعلن وزير الخارجية الإثيوبي عن نفاد صبر إثيوبيا في ٥/١٩، وأصدر رئيس الوزراء الإثيوبي إنذارًا للحكومة الأريترية في ٥/٢٣ وإنذارًا ثانيًا في 5/٢٧ على لسان الجبهة الحاكمة.
واستدعت أريتريا من جانبها المحاربين القدامى في أواخر مايو، واستجابوا رجالًا ونساءً بالآلاف وتم نقلهم إلى المواقع الاستراتيجية من الحدود.
وقعت مناوشات متناثرة في شهر مايو وتطورت إلى حرب حقيقية استخدمت فيها الدبابات والمدفعية الثقيلة في مطلع يونيو الجاري.
واشتدت المعارك الأرضية ودخل السلاح الجوي في المعركة في ٦/٥ وأغارت المقاتلات الإثيوبية على العاصمة الأريترية أسمرا، حين أغارت المقاتلات الأريترية على مدينة مقلى حاضرة ولاية تكراي والتي ينتمي إليها رئيس الوزراء الإثيوبي.
وهكذا دخل البلدان معركة شاملة وحاولت جهات إقليمية وعالمية التوسط بين الطرفين لنزع فتيل النزاع، ولم تنجح تلك الوساطات بوضع أرضية مشتركة لفتح الحوار وحل الخلاف.
مواقف الطرفين:
تشترط إثيوبيا سحب القوات الأريترية من المنطقة المتنازع عليها، والتي احتلتها بالقوة دون قيد أو شرط قبل بدء الحوار والمفاوضات وترفض أريتريا الانسحاب من المنطقة باعتبارها ملكًا لها كما لا يقبل أي مجتمع أن يهجر أرضه، ولكنها تقبل أن تكون المنطقة خالية من السلاح وتحويلها إلى القضاء والوساطة الدولية.
والجدير بالإشارة أن الرئيس الأريتري نهج لنفسه أسلوبًا فريدًا في تناوله للخلافات الحدودية مع جيرانه، إذ اعتاد اختطاف المنطقة التي يراها جزء من أرضه بقوة ثم تحويل القضية إلى الوساطة أو القضاء الدوليين.
فقد احتلت أريتريا أرخبيل حنيش بالقوة وادعت أنها جزءً من أرضها ثم حولت القضية إلى القضاء الدولي، بعد ذلك احتلت جزءً من جيبوتي بالقوة أيضًا، وادعت أنها جزءً من أرضها، وسكتت الحكومة الجيبوتية الضعيفة وحاول الرئيس الأريتري اتباع هذا النهج في تعامله مع إثيوبيا، فقد استولى على المثلث المتنازع عليه بالقوة وادعى أنه كان جزءً من أرضه أيام الاستعمار، ثم طلب تحويل القضية إلى الدوائر العالمية.
ولكن إثيوبيا لم ترض بما رضيت به اليمن، أو جيبوتي فاختارت استعادة الأرض بالقوة قبل بدء الحوار وتسوية الخلاف وأيًا كانت النتيجة فإن استمرار هذه الحرب سيكون له تأثيراته السلبية على الصعيد الدولي والإقليمي والمحلي.
أما على الصعيد الدولي فهي تمثل صفعة قاسية لسياسة الولايات المتحدة في القارة الإفريقية، فإثيوبيا وأريتريا هما أهم حلقاتها في القرن الإفريقي و«الشرطي» الوفي لتنفيذ مخططاتها في المنطقة، وهذا الخلاف المسلح بين الجارتين يضعف قوة التكتل الأمريكي الجديد والذي يضم كلًا من أوغندا وإثيوبيا وأريتريا ورواندا لإحكام القبضة الأمريكية على القارة السمراء.
أما على الصعيد الإقليمي فإن هذه الحرب... نتيجتها النزوح والتشرذم.. وزعزعة استقرار المنطقة وتفاقم الفقر والمجاعة وتفشي الأمراض الفتاكة بعد تحويل الميزانية الضعيفة أصلًا إلى ميزانية الحرب الباهظة التكاليف.
وعلى الصعيد الوطني فإنها لا شك تضر بالجبهة الداخلية لكلا البلدين.. ففي إثيوبيا ستؤدي إلى تفكك الجبهة الداخلية وانفلات الزمام من يد الحكومة المركزية الوليدة وتقوية النزعات القومية التي تتلهف للاستقلال من سلطة الأقلية الأرثوذكسية وفي مقدمتها القوميات المسلحة من صومالية وأوروبية وغيرهما.
أما قومية الأمهرة ذات النفوذ القوي في الدوائر الحكومية فقد تحاول إجهاض حكم أقلية تكراي «7% من مجموع السكان» واستعادة السلطة التي فقدوها بعد سقوط منجستو عام 1991م.
أما على الصعيد الأريتري فإنه يتوقع أن یزداد تماسك الجبهة الداخلية بعد إحياء روح المقاومة والنضال التقليدي ضد إثيوبيا المعتدية.
وعلى كل حال فإن استمرار الحرب أو توقفها سيخلف بلا شكّ شرخًا كبيرًا وجرحًا داميًا في العلاقة بين البلدين.