; تساؤلات ما بعد حرب أوغادين.. | مجلة المجتمع

العنوان تساؤلات ما بعد حرب أوغادين..

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1978

مشاهدات 85

نشر في العدد 394

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 11-أبريل-1978

من المسئول عن هزيمة الجيش الصومالي؟

هل سيعم السلام منطقة القرن الإفريقي؟

هل انتهت حقًا الحرب في منطقة القرن الإفريقي؟ وهل ستنسحب القوات الأجنبية من إثيوبيا؟ ومن المسئول عن هزيمة الجيش الصومالي في أوغادين؟

هذه الأسئلة وكثير غيرها لا بد أنها تدور في أذهان المهتمين بما عرف مؤخرًا بأزمة القرن الإفريقي، خاصة بعد مضي أكثر من أسبوعين على قرار الحكومة الصومالية بسحب قواتها النظامية والمقدرة بحوالي 20 ألف جندي معلنة بذلك نهاية لحرب خاضتها على مدى ثمانية أشهر.

• الانسحاب الصومالي

والواقع أن قرار الصومال الآنف الذكر لم يكن محض اختيار حر أقدمت عليه، فقد اضطرت إليه اضطرارًا. فإن الجيش الصومالي لم يكن مهيئًا للصمود بوجه القوات الكوبية التي حاربته، والتي يبلغ تعدادها 12 ألف مقاتل مزودين بأحدث الأسلحة السوفيتية. وقد خاضت الحبشة الحرب ضد الصومال تحت قيادة الجنرال السوفيتي فاسيلي إيفانوفيش بيتروف الذي يعمل برفقة عدد هائل من المستشارين العسكريين الروس. وفي الوقت الذي كانت فيه الجسور الجوية السوفيتية تزود الجيش الإثيوبي بالمعدات والأسلحة المتطورة، كانت الصومال ما زالت تمد يدها هنا وهناك بحثًا عن الأسلحة التي حرمت منها يوم أدارت ظهرها لحليف الأمس، الاتحاد السوفيتي..

وكان أسلوب انسحاب القوات الصومالية دليلًا مؤلمًا على هزيمتها المرة في القرن الإفريقي، فقد ساد الارتباك والفوضى.

وقد أجمع الخبراء العسكريون العالميون على أن نتيجة حرب القرن الإفريقي تعتبر نصرًا تكتيكيًّا سوفيتيًّا ويقولون: إن احتلال -جيجيكا- المنيعة عمل عسكري باهر بلا شك، على الرغم من أنه أدى إلى تدمير المدينة ذاتها.

ومن ناحية ثانية، فإن هزيمة الجيش الصومالي هي في الواقع نكسة أخرى تضاف إلى مسلسل النكسات التي أصيبت بها الأمة الإسلامية منذ إسقاط الخلافة الإسلامية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1922م. وفي رأينا أنها لن تكون الأخيرة، ما دامت النكسة الأم، أعني إقصاء الإسلام عن الحكم والتوجيه، لم تعالج من جذورها.

• من المسئول؟

نستطيع للوهلة الأولى أن نقول: الصومال شأنها شأن العديد من الدول الأخرى الصغيرة، ذهبت ضحية اللعبة الدولية التي لها قواعدها وأحكامها الموضوعة من قبل الدول الكبرى، حيث لا تقوم الدول الصغيرة إلا بالتحرك على رقعة الشطرنج في إطار هذه اللعبة، بحيث تكون نتيجة اللعب دائمًا تحقيق ما أنفق عليه الكبار صراحة أو تلميحًا.

وبالإمكان أن نضع أيدينا على وقائع أكيدة تؤيد هذا التحليل، ولعل من أبرزها موقف الدول الغربية عمومًا وأمريكا خصوصًا من الحرب.

لقد تصور الرئيس محمد سياد بري أنه بمجرد نقل البندقية من كتف التحالف مع السوفييت إلى كتف إعلان التبعية للغرب ستنهمر عليه المساعدات والأسلحة الغربية. ولكن عندما ألغى اتفاقية الصداقة مع السوفييت المعقودة عام 1975، وطرد الخبراء الروس من بلاده، تمامًا كما فعل الرئيس السادات، لم يفعل الغرب أكثر من مباركة سياد بري على حركته الجريئة هذه. وماذا بعد؟

لا شيء.. لم يقبض الرئيس أكثر من وعود مشروطة بشروط تعجيزية: سحب القوات الصومالية الحدود الدولية التعهد بعدم التدخل بشئون الحبشة الداخلية، على التخلي عن مساعدة ثوار أوغادين، وغير ذلك وهي شروط أن الالتزام بها مساويًا للتخلي عن الأهداف المعلنة للحرب، والمنصوص عليها في الدستور الصومالي نفسه: تحرير الأراضي الصومالية المحتلة الصومال الكبرى.

والواقع أن المجتمع الدولي ترك الأحباش والصوماليين يتحاربون في أوغادين حتى بلوع النهاية المنسجمة مع قواعد اللعبة، الأحباش مدعومون إلى أقصى الدرجات من قبل الروس التنفيذية في إفريقيا: القوات الكوبية. والصوماليون يقفون في أوغادين يحملون وزر -أخطائهم- وخروجهم عن القواعد الدولية للعبة الأمم.

• مسئولية الرئيس الصومالي

وبطبيعة الحال أن تفسير الهزيمة بقواعد اللعبة فقط أمر ينطوي على مبرر من التبسيط مما لا تسمح به حقائق الأشياء وتطوراتها.

صحيح أن الرئيس محمد سياد بري صرح في القول، أثناء الحرب، أن الغرب لم يساعده في حربه، وأن أمريكا بقيت تتفرج على ساحة المعركة دون أن تحرك ساكنًا. وصحيح أنه ما يعلن -منذ انسحبت قواته التي تجر فلولها المنكسرة أن الروس والكوبيين هم الذين هزموا وحققوا النصر لنظام منغستو يام-. وصحيح, أيضًا أن الجماهير الساذجة وبتحريك من السلطة في مقاديشو تظاهرت للتنديد بالانحياز السوفيتي وغدر الكوبيين.

ولكن هل يكفي كل ذلك لتبرئة ساحة محمد سياد بري وعدم اعتباره مسئولًا عن النكسة؟

• أرقام في ملف محمد سياد بري

يبدو أن هذا الرجل سيدخل التاريخ على أنه الرئيس الذي سجل بيديه عددًا من النكبات والنكسات لبلاده.

فعلى الصعيد الداخلي اتجه الرئيس الصومالي وبسرعة لا يحمد عليها نحو تبني العقيدة الماركسية الغريبة المضادة والمعارضة مع معتقدات الشعب الصومالي ونفسيته العامة؛ فبعد سنة واحدة من وصوله إلى الحكم، وبالتحديد في 21 أكتوبر 1970 أعلن محمد سياد بري اعتناق الحكومة الصومالية للمبدأ الماركسي- اللينيني. وعلى الفور انتشرت في البلاد.. المدارس واللجان والهيئات الرسمية التي تعمل لنشر مذهب الاشتراكية العلمية. وبالمقابل شن الرئيس الصومالي أبشع حملة تعذيب وإرهاب ضد العلماء المسلمين لمعارضتهم اتجاه حكومته الإلحادي، وقد بلغت عداوته للدين الإسلامي أوجها عام 1975م عندما أعلن أن القرآن لا يتمشى مع التطور.. ثم أمر بإعداد عشرة من خيرة العلماء المسلمين وحكم بسجن أعداد كبيرة منهم، وأصدر عدة تشريعات تخالف الشريعة الإسلامية، وألغى الحروف العربية، وأمر باستخدام الحروف اللاتينية، تمامًا مثلما فعل مصطفى كمال في تركيا.

وعلى الصعيد العالمي ربط محمد سياد بري نفسه بأحد المعسكرين المتصارعين، وجعل نفسه طرفًا -ولكنه غير أصيل- في معركة عالمية لا ناقة له فيها ولا جمل. وقع اتفاقية للصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتي. ولعله نسي في غمرة الأجواء الاحتفالية -والرفاقية- عند توقيع الاتفاقية، أن المستفيد الوحيد من مثل هذه الاتفاقيات غير المتكافئة هو الطرف الأقوى دائمًا. وتلا ذلك منح السوفيت قواعد وتسهيلات عسكرية في الصومال وموانئها. ولعل محمد سياد بري كان يظن أن السوفيت سيحاربون إلى جانبه في أية معركة محتملة، بدون النظر إلى مصالحهم الخاصة. ولو صدق هذا الاحتمال فهو يقوم دليلًا لا يرد على سذاجة الرجل السياسية.

في هذه الأجواء بدأ الرئيس الصومالي تحركه العسكري باتجاه تحرير أوغادين، الإقليم الصحراوي الذي تحتله الحبشة وتقطنه قبائل صومالية.

• وهنا يثور سؤال هام: ترى من أوحى لسياد بري بشن الحرب؟ وما هي الأرقام والحسابات التي أقنعته بخوضها؟

قيل عند بدء العد التنازلي لهزيمة أوغادين: إن الرئيس الصومالي تعرض لعملية خداع وتضليل أمريكية.. فقد صرح المسئولون الصوماليون مرارًا أن أمريكا أوحت له -تصريحًا أو تلميحًا- بخوض الحرب ضد حليفتها السابقة وحليفة الروس حاليًا، الحبشة.. ويقول هؤلاء: إن الإدارة الأمريكية وعدت الحكومة الصومالية بالمساعدة لو قامت الحرب، بشرط إلغاء المعاهدة الصومالية- السوفيتية، وطرد المستشارين الروس.

ولو صح هذا الخبر، فلا بد من تعجل أمره كثيرًا. فقد شن الحرب على الابن المدلل لموسكو، وهو يأمل مساعدتها ضده، بحكم بنود الاتفاقية في نفس الوقت الذي أخذ يتقرب فيه إلى واشنطن، ثم ما لبث أن ألغى معاهدة الصداقة، عندما خابت آماله في الحصول على موقف تأييدي من جهة موسكو. والتسرع هنا واضح أيضًا، فكيف يمكن لدولة أن تقطع علاقتها مع موردها الوحيد للسلاح في وقت تخوض فيه الحرب حتى أخمص قدميها. ولعل سذاجة الرئيس الصومالي أوحت له أن إلغاء الاتفاقية سيجعل الغرب يمده بالسلاح فورًا. ولكن هل خفي على سياد بري، وهو العسكري القدير، أن تبديل السلاح ليس بالأمر الهين، ساعة الحرب؟ وأن الجيش المحارب سيحتاج إلى المزيد من الوقت لاستيعاب السلاح الجديد، ذلك الوقت الذي لا يمكن أن تتيحه نار الحرب المشتعلة في صحراء أوغادين؟

إن هذه الحقائق وغيرها تجعل الرئيس الصومالي مسئولًا عما آلت إليه الأوضاع في الصومال: بلبلة عقيدة الشعب الصومالي، التأرجح وعدم الاستقرار في السياسة الخارجية اتخاذ قرارات الحرب والانسحاب بصورة مستعجلة ودون دراسة وافية، تخريب القوات العسكرية والاقتصاد الصومالي، وغير ذلك.

وكان المراقبون يتوقعون أن يدرك محمد سياد بري ضخامة مسئوليته فيتنحى عن السلطة، على أقل تقدير ليفسح المجال لغيره ليصلح ما أفسدته يداه. ولكنه بدلًا من ذلك أخذ يلقي اللوم كله على الشرق والغرب، وتحركت مخابراته وأجهزته لإقناع الشعب الصومالي بصحة هذا الادعاء، ولكن هل يكفي ذلك لإقناع الشعب؟ -وهذا هو السؤال الأهم- هل اقتنع الضباط الصوماليون الذين ذاقوا مرارة الهزيمة وشاهدوا بأم أعينهم قواتهم تتبعثر وتتناثر أمام القوات الكوبية والحبشية؟ وفي حالة عدم الاقتناع، إلى أي مدى سيستمر صمتهم وسكوتهم على الأوضاع في بلادهم؟

• وماذا بعد الانسحاب؟

والآن، هل انتهت الحرب فعلًا في القرن الإفريقي؟ وهل بدأت هذه المنطقة مسيرة الألف ميل نحو الاستقرار والسلام الدائم؟

يبدو -حتى كتابة هذا المقال- أن الإجابة على التساؤلات السابقة هي النفي.

على ضوء الحسابات المحلية، فإن إقليم أوغادين يقطنه شعب يشعر بالانتماء إلى الصومال، ويرفض الاحتلال الإثيوبي لأرضه. وقد عبر عن هذا الرفض من خلال ثورته بقيادة جبهة تحرير الصومالي الغربي. وقد أكدت الجبهة غداة انسحاب القوات النظامية الصومالية أنها ستواصل النضال ضد المحتلين الأحباش. وما زالت الأنباء ترد عن معارك تحدث في صحراء أوغادين بين الثوار والقوات الإثيوبية. وقد ذكر بيان أصدره الثوار أن ثلاث معارك جرت في مقاطعة بالي أوائل هذا الشهر، تمكن الثوار فيها من قتل 1100 جندي إثيوبي.

أما على صعيد الحسابات الإقليمية والعالمية فإن صورة المنطقة تبدو أقرب إلى الحرب منها إلى السلام، فإن تصفية الحساب بين أمريكا وروسيا في المنطقة لم ينته بعد. والمعروف أن لكل من الدولتين مصالح استراتيجية كبرى في قارة إفريقيا عمومًا. ولم تحسم التصفية -على ضوء الوفاق- لحد الآن.

وهذا يفسر سر التلكؤ في سحب القوات الكوبية والمستشارين الروس من الحبشة؛ فإن روسيا، كما تدعي المصادر الأمريكية، قد أوصت إلى المسئولين الأمريكان بأنها سوف تخفف من الوجود السوفييتي والكوبي في الحبشة حال انتهاء الحرب. وقد دعا كارتر مرارًا إلى الوفاء بهذا الوعد، ولكن الروس والكوبيين لم يقدموا أية أفكار أو جداول أو أرقام عن انسحابهم المفترض من أوغادين. بل رفض الروس حتى مناقشة فكرة إقامة قوة مراقبة محايدة في المنطقة على الرغم من تهديد كارتر بأن ذلك قد يؤثر على العلاقات الأمريكية- السوفيتية. وكما تقول مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الأخير، فإن الموقف السوفييتي سبب حرجًا للإدارة الأمريكية.

وبدلًا من الحديث عن الانسحاب، وجه السوفييت والكوبيون اهتمامهم نحو أرتيريا وجيبوتي، فقد أخذت القوات الكوبية تتجه نحو أرتيريا، ووصف فيدل كاسترو الثورة الأرتيرية -بالحركات الانفصالية في شمال البلاد، والتي تتلقى المساعدة من الأقطار الرجعية في المنطقة. والمعروف أن العراق والجزائر، إضافة إلى أقطار عربية أخرى، تساعد الثوار. وعلى الرغم من قوله: إن الحرب انتهت، فإن كاسترو لم يشر إلى الانسحاب، بل تحدث عن احتمال قيام -القوى اليسارية التقدمية في الصومال- بتحرير بلادها -ممن؟ ويعتبر المراقبون تصريح كاسترو هذا إشارة إلى تدخل محتمل.

ومن جهة ثانية أعلنت إثيوبيا بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أي عمل من شأنه المس باستقلال جيبوتي، وهددت بأنها ستتدخل بمساعدة القوات الكوبية إذا دعت الضرورة لصد أي هجوم صومالي ضد المستعمرة الفرنسية السابقة. والمعروف أن جيبوتي تمثل أهمية اقتصادية خاصة بالنسبة لإثيوبيا، حيث يشحن ما نسبته 60 بالمائة من صادرات وواردات إثيوبيا عبر ميناء جيبوتي.

والخلاصة أن منطقة القرن الإفريقي التي تضم الحبشة والصومال وجيبوتي ما زالت بعيدة عن الاستقرار، وإلى أن يتحقق ذلك فعلًا فالواجب توقع الكثير من المفاجآت.

الرابط المختصر :