الثلاثاء 05-فبراير-1980
دأب بعض الكتاب- المقحمون أنفسهم على الإسلام كعلم- على المناداة بعدم إمكانية تطبيق الإسلام الآن زاعمين أن الفساد قد استشرى وأنه يجب أولًا أن ينحسر الفساد وأن يظهر رجل نقي كامل يجمع الناس على الإسلام وهم بهذه الدعوة يجعلون من الإسلام السهل الميسر صعب المنال بعيد الاحتمال.
والحق أن الإسلام ليس مجموعة من الألغاز والأحاجي كما أنه من جهة أخرى علم عميق عظيم ميسر لمن أتاه من بابه الصحيح وليس لكل من هب ودب أن يتكلم في أي علم من العلوم ويفتي فيه قبل أن يلجه من بابه الصحيح ويدرسه على أيدي المتخصصين فيه ويتبحر فيه ثم يحق ذلك أن يبدي ما يعن له من الآراء ويحتج هؤلاء الكتاب بعدة حجج هي في الحقيقة عليهم وليست لهم.
وتتلخص هذه الحجج فيما يلي: -
«۱» أنه لا يمكن تطبيق أحكام الإسلام مع وجود هذا الفساد الشامل في ديار الإسلام
«۲» أن من مميزات الشريعة الإسلامية التدرج في التشريع
«۳» أنه لا بد من وجود رجل تقي غير عادي يقود الناس إلى الإسلام وهذا الرجل لم يوجد بعد.
(٤) أنه لا بد من توفير وسائل الحياة من مأكل وسكن وغيره قبل أن نطبق أحكام الإسلام.
الفساد لن يختفي أبدًا
الواقع أن الفساد لم يختف حتى في عهد النبوة، حتى يختفي في عصرنا فالدنيا خلقت ممزوجة بالشر والخير معًا ووظيفة الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا- هي محاصرة الفساد بقدر طاقة أهل كل عصر وتضييق الخناق عليه حتى يدخل إلى جحر ضيق و يحبس فيه. ومن أجل ذلك يأمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- الناس بالاستتار وعدم المجاهرة بما ارتكبوه من آثام مع المسارعة إلى التوبة والاستغفار لأن من سنة الله- تعالى- أنه قد يستر مرتكب الفواحش أكثر من مرة ثم إذا أصر على استمراره فلا بد أن يفضحه يومًا ما.
محاربة الفساد لا تكون إلا بالحكم بالإسلام
وأولئك الذين ينادون بتأخير الحكم بالإسلام حتى ينتهي الإسلام ولا هم واهمون أو مغرضون لأن الفساد لن ينتهي أبدًا ولكن محاصرته وإدخاله في جحور ضيقة هو الأمر الممكن في الدنيا وهذا لن يكون إلا بالحكم بالإسلام هو العلاج الوحيد الناجح لمنع الفساد من التأثير على حياة الناس في المجتمع المسلم، ومن أجل ذلك نجد أن العالم الإسلامي الآن قد استشرى فيه الفساد رغم إيمان الكثيرين من أفراده والسبب في هذا يرجع إلى عدم الحكم بالإسلام، والمؤمنون على درجات كثيرة أدناها من كان في قلبه مثقال حبة خردل من الإيمان فهذا مؤمن عاص لن يدخل الجنة إلا بعد أن يطهر في النار الفترة التي يقدرها الديان- عز وجل-، ولكن من ارتاب في أحكام الله- تعالى- فإن حبة الخردل هذه لم تدخل قلبه بعد. قال- تعالى-: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات:14-15) فهذا هو كفر الريبة.
لأن الذي يرتاب في صلاحية أحكام الله للتطبيق إنما هو يرتاب في الله- تعالى- فالإيمان لم يدخل قلبه بعد كما صرحت بذلك الآية.
وهناك نوع آخر من الكفر أشد من سابقه وهو كفر الكراهية قال- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد:8-9)
وفي الحديث الشريف أنه لا يؤمن أحد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم- فالذي يكره الله فإن جميع أعماله الطيبة من صلاة وزكاة وغيرها كأن لم تكن وهذا هو معنى الحبوط الوارد بالآية.
وهناك النوع الثالث وهو أشد وأنكى وهو كفر الصد قال- تعالى-: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (النحل:88). وأعداء الإسلام يصدون عن تطبيق شريعة الله بكل ما أوتوا من قوة حتى يظل الفساد ظاهرًا مستعلنًا في وقاحة بالغة في ديار المسلمين وبالتالي لا تقوم للمسلمين قائمة أبدًا وقال- تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11).
وهذه المقالات التي تكتب كل يوم داعية إلى تأخير الحكم بالإسلام حتى ينصلح المجتمع أولًا إنما هي مقالات تصادر على المطلوب وهي في الحقيقة ترمي إلى إنهاء الحكم بالإسلام إلى الأبد ولكن الله- تعالى- غالب على أمره رغم كيد الكائدين.
والحق أن إصلاح المجتمع لا يتأتى إلا إذا هيأ له المناخ الصالح المناسب فالشخص المريض الذي يعيش في جو فاسد لا يمكن أن يصبح مهما أعطيناه من أدوية وعقاقير.
والمناخ العام الصالح أمر ضروري لإمكان الانتفاع بالدعوة إلى الإصلاح فكيف يمكن أن ندعو الشباب إلى الامتناع عن الزنا مثلًا وهم يرون الزناة والعاهرات يحتفى بهم رغم استعلائهم بالفاحشة دون خوف من عقاب أو حتى تأنيب.
ومن المعروف أن السواد الأعظم من البشر يتأثرون بالبيئة التي يعيشون فيها وقليل من الناس هو الذي يستطيع أن يصمد أمام مؤثرات البيئة التي تحيط به ومن هنا كان اعتناء الإسلام بعدم الاستعلان بالفاحشة مع التنكيل بمن تثبت عليه إرهابًا لسائر الناس وبذلك تسير الدعوة إلى الإصلاح في طريق معبد لأن العقاب الرادع للفساد يجعل المجرمين يستترون فيصبح الجو العام للمجتمع نقيًا ويعيش الفساد تحت الأرض مستترًا مرتعدًا لأنه لو أطل برأسه فوق الأرض ناله العقاب الشديد فالحكم بالإسلام هو العلاج الوحيد الذي يقضي على الآثار السيئة للفساد ولا أقول يقضي على الفساد نهائيًا لأن الفساد هو صفة من صفات الحياة الدنيا لا يزول ما بقيت الدنا.
فكيف يمكن بإعادة إيقاف حكم الإسلام وتأخيره أن نعالج الفساد ونقضي عليه وقد فشلت كل النظم في ذلك بل على العكس جاءت كل النظم معاونة على ظهور الفساد وانتصاره على كل خير وإصلاح، وكيف يمكن أن نعالج الفساد بعيدًا عن الدواء الوحيد الكفيل بمحاربة الفساد ألا وهو الحكم بالإسلام الذي يهييء البيئة والمناخ الصالحين لدعوة الناس لنبذ الفساد وولوج أبواب الخير كلها إما طوعًا أو كرهًا. ومن أراد غير ذلك فليس أمامه إلا أن يختفي عن أعين الناس ويمارس الشر بعيدًا عن المجتمع حتى يفضحه الله- تعالى- فيقام عليه الحد أو يعزز إذا لم تتوافر في حالته شروط الحد.
التمسح في تأخير التشريع والتدرج في التشريع لا يفيد
ولقد دأب هؤلاء الكتاب آنفي الذكر- على التمسح في طريقة نزول الشريعة الإسلامية إذ أن أول ما نزل من الآيات في مكة كان مقتصرًا على بيان التوحيد ومكارم الأخلاق وتأخر نزول آيات الحدود والمعاملات عدة سنوات فلم تنزل إلا في المدينة كما أن بعض الأحكام نزلت متدرجة كتحريم الخمر. ولكن الاحتجاج بالتأخر والتدرج في التشريع الإسلامي غير منتج بل هو حجة عليهم لأكثر من سبب.
فأولًا: لم يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التأخير وهذا التدرج على من أسلم بعد اكتمال التشريع الإسلامي ولو صح ما يزعمه هؤلاء لكان من حق كل من أسلم أن يطلب مثلًا أن يحرم عليه الخمر منذ تاريخ إسلامه متدرجة كما نزلت في كتاب الله فيحاول أولًا التقليل منها بقدر الاستطاعة ثم يمتنع عنها في أوقات الصلاة ثم بعد ذلك يمتنع عنها نهائيًا ولكن هذا لم يحدث أبدًا فكل من أسلم بعد اكتمال التشريع أصبح خاضعًا لأحكام الإسلام كاملة دون أن يكون من حقه أن يحتج بتأخير التشريع أو تدرجه.
ثانيًا: لم يطبق الرسول- صلى الله عليه وسلم- هذا التأخير على المناطق التي كان يفتحها رغم حداثة عهد أهلها بالكفر فكانت أحكام الإسلام تنطبق كاملة على المناطق المفتوحة فور فتحها دون أي اعتبار لسبق تأخير التشريعات أو تدرجها ما دامت هذه التشريعات قد اكتملت.
ثالثًا: لم يطبق الصحابة- عليهم رضوان الله- تعالى- هذا التأخير وهذا التدرج في التشريع على الممالك العظيمة التي فتحوها فبمجرد فتح العراق وفارس والشام ومصر وغيرها كانت أحكام الإسلام تنطبق فورًا على هذه الممالك العظيمة دون أي اعتبار لسبق تأخير التشريع أو تدرجه فكانت هذه الممالك العظيمة تنتقل فورًا وفي التو واللحظة من الكفر والفساد العلني العام إلى أحكام الإسلام دون اعتبار لتأخير التشريع أو التدرج في التشريع ولم يقل أحد من الصحابة حينذاك: إنه ينبغي التمهل حتى ينتقل الناس تدريجيًا إلى أحكام الاسلام.
رابعًا: طبيعة الأحكام الإسلامية تأبي هذا التأخير أو التدرج الذي حدث في بداية نزول الشريعة لأن هذه الأحكام كما قلنا من قبل هي خير علاج لمنع الفساد بكافة أنواعه بل إن الفساد لا يمكن أن يحارب إلا بأحكام الإسلام ومن أجل ذلك لم يطبق الرسول- صلى الله عليه وسلم- ولا صحابته- عليهم رضوان الله- تعالى- مبدأ تأخير التشريع أو تدرجه على من أسلم بعد اكتمال التشريع لأنهم كانوا يعرفون أن التشريع الإسلامي هو خير علاج للفساد بكافة أنواعه.
خامسًا: إن الحكمة من تأخير التشريع الإسلامي وتدرجه في بدء نزوله انتهت إلى الأبد منذ نزل قوله- تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ﴾ (المائدة:3).
لأن الحكمة من تأخير التشريع والتدرج فيه لم تكن ترجع أبدًا إلى ما يتوهمه البعض من شدة أحكام التشريع الإسلامي فهي أحكام رادعة حازمة حقًا ولكنها رحيمة بالناس أجمعين إذ تعمل على إشاعة الأمن الداخلي والخارجي للمجتمع ولكن لابد أولًا من وجود فئة مؤمنة تستطيع تطبيق هذه الأحكام إن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- بعث ولم يكن على الأرض من يعرف الإيمان الصحيح قال- تعالى- مخاطبًا محمدًا نفسه- صلى الله عليه وسلم-: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الشورى:52) ولقد كان العرب حين بعث محمد- صلى الله عليه وسلم- أهل شرك فكان لا بد أولًا من إيجاد فئة مؤمنة تتعلم التوحيد حتى يكون لديها القدرة على تطبيق أحكام الإسلام على نفسها وعلى الناس أجمعين فلما وجدت هذه الفئة ارتفعت أحكام التأخير في التشريع إلى الأبد كما سلف البيان لأن الإيمان الآن معروف ومستقر في قلوب الكثير ولا يبقى بعد ذلك إلا أن يزعم الزاعمون أن المسلمين جميعًا أصبحوا كفارًا وعلينا أن ندعوهم إلى التوحيد أولًا ولو زعموا هذا الباطل لأدخلوا أنفسهم في زمرة جماعة التكفير التي تكفر الناس بمجرد الشبهات بغير دليل واضح.
التمسح أيضًا في انتظار القائد المؤمن الفذ أمر باطل من أساسه:
والحق أن الإسلام لا يعتمد على قيادة فرد بعينه ولا يرتبط إلا بالدائمين السرمدين المحفوظين: كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم-.
فهو لا يرتبط حتى بشخص الرسول- صلى الله عليه وسلم- وإنما يرتبط بسنته التي بلغها.
قال- تعالى-: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى:48) وقال- تعالى-: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران:144). فالإسلام لا يرتبط بأي فرد ولا ينتظر أحدًا وانما هو محفوظ ميسر للناس جميعًا إلى يوم القيامة، هذا ورغم أن بعض أحاديث المهدي المنتظر صحيحة عند الجمهور إلا أنه لا يحق للمسلمين أن يظلوا على الفساد حتى يأتي المهدي المنتظر. بل عليهم أن يسارعوا إلى مغفرة ربهم.
والإسلام يحتوي على عقيدة التوحيد الخالص وعلى خير منهاج محفوظ لإنشاء المجتمع البشري الراقي الذي يربط بين الدنيا والآخرة في أحسن إطار والذي يشيع في جوانبه الحق والعدل والرحمة والسعادة والتي تنبثق كلها من الينبوع الأصيل لها وهو العبودية لله- تعالى-.
والمجتمع الإسلامي واقعي يحارب الفساد حتى يجعله قابعًا تحت الأرض دائمًا ولا يزعم المستحيل في الدنيا وهو القضاء على الفساد نهائيًا. وهذا الخير أمر متاح في كل عصر لمن سارع إلى تطبيق أحكام الإسلام دون التسويف أو تزييف وآيات القرآن تفضح بأسلوب واضح صريح كل من يحاول ذلك التسويف أو التزييف. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ (النساء:60-61).
فهؤلاء الذين عنتهم الآية الكريمة يدعون أنهم مؤمنين ولكنهم في نفس الوقت لا يريدون تحكيم الإسلام في حياتهم وإنما يلجأون إلى الطاغوت وكل شرع مخالف لشرع الله هو من الطاغوت ولذلك وصفتهم الآيتان الكريمتان بوصفين يفضحهما على الملأ فذكرت الآية الأولى أنهم يزعمون الإيمان ووصفتهم الآية الثانية بأنهم منافقون لأنهم رفضوا تحكيم آيات الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- ولجأوا إلى شرائع غير شريعة الله- تعالى-.
والتمسح في عدم توافر الغذاء والكساء لا يجوز هنا لأن المعيار لهذه الموانع شخصي وليس موضوعيًا
فالذين يزعمون أنه لا يمكن منع الربا وتطبيق حد السرقة وسائر أحكام الإسلام إلا بعد التوافر الكامل لكافة أسباب المعيشة إنما يتكلمون في أمور تتعلق بحقائق علمية بعيدة عن أذهانهم تمامًا لأنهم غير مختصين بهذه العلوم فإن علماء القانون قد توصلوا إلى نظريات تطبقها الآن كافة التشريعات الوضعية الراقية وقد سبقت الشريعة الإسلامية هؤلاء إلى «هذه الأفكار» العلماء إلى هذه الأفكار الراقية فقد سنت الشريعة الإسلامية مبدأ الضرورات تبيح المحظورات درأ الحدود بالشبهات وعرفت التشريعات الوضعية حديثًا نظرية الضرورة ونظرية القوة القاهرة والحادث الجبري ومبدأ الشك يفسر لمصلحة المتهم. وهذه النظريات القانونية الحديثة شأنها شأن المبادئ الشرعية تقوم أصلًا على أساس المعيار الشخصي وليس الموضوعي أي أن كل قضية تعتبر وحدة مستقلة بذاتها بالنسبة لفكرة الضرورة والقوة القاهرة والشك، والقول بغير ذلك يؤدي إلى تعطيل كافة التشريعات وعدم سن القوانين حتى ينصلح الناس جميعًا وهذا محض هراء فالقوانين تسهم في المحافظة على الناس ووقايتهم من أنفسهم ومن غيرهم فالذي ينادي مثلًا بتعطيل حد السرقة حتى يشبع الناس إنما هو لا يدري أنه لا يدري لأننا عندما نطبق حد السرقة الشرعي نطبقه بشروطه وأحكامه وموانعه، فالحكم الشرعي لا ينطبق إلا بعد توافر الشروط وانتفاء الموانع الشرعية، وعبء الإثبات يقع هنا على النيابة العامة فاذا أثبت توافر شروط الحد انتقل عبء الإثبات إلى المتهم فإذا استطاع أن يثبت أنه سرق لأنه كان في حالة ضرورة ارتفع الحكم ولا يجوز شرعًا أن يطبق عليه الحد وهذا أمر قد طبقه المسلمون من قديم وسبقوا به جميع الشرائع الراقية وهذا هو عين ما فعله عمر- رضي الله عنه- في عام المجاعة فهو لم يوقف حد السرقة كما يزعم بعض البسطاء هو طبق الحد في عام المجاعة بشروطه وموانعه الشرعية والذي حدث أن الذين كانوا يسرقون في هذا العام كان يتوافر فيهم المانع الشرعي وهو السرقة للضرورة وبالتالي لم يكن من الممكن تطبيق الحد عليهم ولو فرض وسرق غني في عام المجاعة لطبق عليه عمر الحد لانتفاء المانع.
وقد زنت امرأة في عهد عمر- رضي الله عنه- فقضى عمر- رضي الله عنه- بعدم رجمها لأن بعقلها خلل.
وهذا هو الحاصل في التشريعات الحديثة فإن أحدًا لا يستطيع أن يقول: إن علينا أن توقف عقوبة السجن مثلًا حتى يشيع جميع الناس، ولكن من يقع في حالة ضرورة فإن العقوبة لا توقع عليه أو تخفف طبقًا لمقدار الضرورة ولدرجة تعامل المتهم مع هذه الضرورة فالضرورة تقدر بقدرها وهذا هو ما سبقت به الشريعة الإسلامية الشرائع الحديثة في قوله- تعالى-: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة:173).
ومن هنا ندرك أن المناداة بوقف حد السرقة مثلًا وغيرها من أحكام الإسلام معناه أن الحد لا ينطبق على الكثير من الناس رغم انتفاء المانع فهناك عديد من الناس الأغنياء يسرقون ويرتشون كما أن الذي يسرق آلاف الجنيهات لا يستفيد من حالة الضرورة مهما كان فقره لأن الضرورة تقدر بقدرها. ومن هنا ندرك أيضًا أن أولئك الذين ينادون بإيقاف العمل بأحكام الإسلام إنما هم يتكلمون بما لا يعرفون ومقتضى كلامهم هو إهدار النظام والقانون وإحلال الفوضى الكاملة حتى يشبع الناس وتتوافر لديهم وسائل المعيشة ولن يحصل هذا أبدًا ولقد طبق حد السرقة في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- في وقت كان فيه رئيس الدولة وهو المصطفى- صلى الله عليه وسلم- يربط بطنه بالحجارة من شدة الجوع وذلك لأن المعيار هنا شخصي فالمانع الذي يتوافر لدى شخص قد لا يتوافر عند الكثيرين.
وقد يقول قائل: إن حد السرقة مثلًا شديد وقاسي وأما حكم القانون فهو السجن وهو رحيم وهذا أيضًا محض هراء لأن حد السرقة خير للناس جميعًا من السجن لأن حكم الله خير من حكم البشر. قال- تعالى-: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:50) والله- تعالى- أعلم من الناس بما يصلح خلقه. قال- تعالى-: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14). ومن ارتاب في هذا الحكم فإن الإيمان لم يدخل قلبه بعد كما صرحت بذلك الآيات - سورة الحجرات آنفة الذكر:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الحجرات:14) ثم لم يرتابوا، ثم بعد ذلك حد السرقة أرحم فعلًا من السجن أو أية عقوبة أخرى فهو رحيم بالسارق وبالمجتمع لأننا نرى أن السارق يدخل السجن ويخرج منه ليسرق مرة ومرات عديدة لأن السجن لا يردعه وإنما يتلفه فهو في السجن ينقلب إلى أضل من الحيوان يمارس أحط الرذائل وأسرته في الخارج وقد فقدت العائل- تفقد أيضًا العفة والشرف وهكذا يتلف السجن المجتمع بأسره وأما الحد فهو يحسم الموقف من جميع الوجوه تذكر صاحبها دائمًا بأن رجله اليسرى ستقطع أيضًا ثم يده اليسرى ثم رجله الأخرى فهو لن يعود. وأحكام الشريعة تشجعه على عدم العودة لأن الحد جبار للذنب فهو ينقلب طاهرًا بعد الحد ويعود إلى عمله أو تبحث الدولة له عن ... وإذا كانت الأعمال غير متوافرة وسرق للضرورة فهو لا يطبق عليه الحد كما سبق أن ذكرنا وفي نفس الوقت فإن السارق لن يغيب عن أسرته ولن يتركها للضياع ومن جهة أخرى فإن المجرمين سير تعدون عندما يشاهدون الحد يقام علنًا والنتيجة هو اختفاء الكبائر والمنكرات من المجتمع وإشاعة جو عام مشبع بالفضيلة يتيح الفرصة لهدم الفساد وإنشاء أجيال مؤمنة نقية وأما أن توقف حكم الإسلام كما كما يزعم الزاعمون حتى ينتهي الفساد فهذا هو عين الفساد والجدير بهؤلاء الزاعمين أن يعرفوا قدر أنفسهم فلا يقحموا أنفسهم على علوم لم يتعلموها بعد، كذلك الذي انتقل فجأة من الكفر إلى تفسير القرآن الكريم دون أن يلم بالعلوم اللازمة لهذا العلم العظيم فكان شأنه شأن حلاق القرية الذي يختن الأطفال فظن أنه أصبح من كبار الجراحين وأخذ ينقد أدق النظريات العلمية العالمية في جراحة المخ ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه وإن من أعظم الكبائر أن يقول المرء على الله مالا يعلم... قال- تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:33)
فبادروا أيها المسلمون جميعًا إلى أحكام الإسلام حتى يختفي الفساد ويرفع الله- تعالى- عنا الذل ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم-.