; جيش تحرير كوسوفا.. هل يدخل القفص الأمريكي؟! | مجلة المجتمع

العنوان جيش تحرير كوسوفا.. هل يدخل القفص الأمريكي؟!

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1999

مشاهدات 111

نشر في العدد 1358

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 13-يوليو-1999

استراتيجية جيش تحرير كوسوفا لمطالب الناتو ينبغي فهمها في إطار المعطيات السلبية القائمة

ظهر جيش تحرير كوسوفا... قاتل جيش تحرير كوسوفا.. سافر قادة الجيش إلى أمريكا... عاد القادة من أمريكا إلى رامبوييه... وقع القادة الوثيقة... بدأت حرب البلقان... لم نسمع إلا القليل عن جيش تحرير كوسوفا.

انتهت حرب البلقان... فجأة ظهر الجيش في شوارع بريشتينا وبريزرين وبيا وجاكوفا، ظهر الجنود ومعهم الأسلحة... كما دخل الروس ومعهم أيضًا الأسلحة... ثم صدر القرار بضرورة التزام الجيش بما نصت عليه قرارات الأمم المتحدة... أي تحويل الجيش إلى منظمة سياسية ونزع أسلحة المقاتلين، ونزع الزي العسكري، ورفع الحواجز والمتاريس... والتزام الشرعية.

 مفاوضات استمرت عشرة أيام بين واشنطن وتيرانا وانتهت في بريشتينا ووقع الجيش على اتفاقية مع الناتو والخارجية الأمريكية تقضي بعمل اللازم والمطلوب أعلاه في ظرف زمني لا يتجاوز التسعين يومًا. 

هل دخل الجيش في القفص؟

في عصر الهيمنة الغربية وتحديدًا الأمريكية، هل يكفي استعراض العضلات وإبداء علامات الفتوة في عالم الحسابات السياسية الدقيقة؟ وإذا كان التعامل مع الغرب هو حتمية في عالم اليوم الذي لا تصلح فيه العزلة فليس أقل من حساب كل شيء وبدقة، وذلك حتى لا يصبح ما يعرض عليك اليوم إما مازقًا لا تستطيع الفكاك منه، أو فرصة ضائعة تبكي عليها غدًا، هذه هي الفلسفة التي قام عليها الكفاح الألباني منذ البداية، فالألبان على مدار قرن ونيف وهم ضحايا وعود كاذبة من أطراف تدير الصراع وتتردد في حسمه، فلماذا لا يتوجهون إلى طرف آخر بحسمه؟ وهذا الطرف بالطبع هو الولايات المتحدة. وربما يفلح الألبان في الفوز بالفرصة التي قد لا تأتي مرتين.. هكذا يفكر البعض.

 بادر قادة الجيش ومنذ البداية بالإمساك بالورقة الأمريكية، وربما ينجح الألبان وخصوصًا جيش تحرير كوسوفا في التعامل مع هذه الورقة أقول ربما!! 

فهل أخطأ الجيش؟ مازال مبكرًا أن نجيب عن هذا التساؤل ولكن من الواضح أن الغرب بكل ما له من سوابق مع المسلمين لن يفي بكل وعوده وإن فعل فالأمر يظل مشكوكًا فيه؟ 

وبالعودة إلى آمال وطموحات الألبان يطفو على السطح السؤال عن أي شيء يبحث الألبان عن دولة إسلامية أم مجرد دولة مستقلة أم عن الاستقرار؟ ولنبدأ بالأخير.. البحث عن الاستقرار:

 نقلت كاميرات المصورين مشاهد للأطباء الألبان وهم يمارسون عملهم في المستشفى الكبير ببريشتينا، والفرحة تكسو وجوههم، والبعض انخرط في البكاء، فها هو ولأول مرة منذ سنين يعود إلى عمله امنا مطمئنًا ولأول مرة لا يشعر بسوط القهر الصربي يلسع ظهره، والبعض قد أخرج من وطنه ليمارس عملًا آخر في مكان وضيع في أوروبا، وربما اتهم البعض بأنه يمارس الحرام أو يتاجر فيه، وما أكثر ما قيل وما سوف يقال، لذا فإن البحث عن الاستقرار داخل الإقليم أولوية يحرص عليها الألبان، وبالتالي فإن الجيش كان عليه أن يتعامل مع العالم وفي ضميره عذاب شعب لم يذق حلاوة الاستقرار، وعليه كان القرار بالاستجابة لما يفرضه أو يمليه أو ما يقرره -قل ما شئت- وذلك حتى يعيد لأبناء وطنه بسمة العودة وحلاوة الاستقرار، ثم ماذا لو رفض الجيش قرارات الأمم المتحدة، وماذا عساه أن يفعل مع خمسين ألفًا من الأطلسي، من بينهم من لا يطيق وجود الألبان، وبعضهم جاء ليحمي الإقليم لا ليدخل في عراك مع – المتمردين- كما قال البعض، ولا يقتصر الأمر على الفوارق العسكرية، بل إنه يتخطاه إلى المستقبل السياسي فقادة الجيش لا يملكون حنكة سياسية ومعظمهم من الشباب، وقد تعهدت أمريكا وفرنسا بتأهيل البعض، بيد أن الأمريكان كان لهم قصب السبق ولو رفض الجيش القرار التحول كل ما تم إنجازه إلى تاريخ إرهابي أسود يملك الغرب الوسيلة الإعلامية الناجحة لتمريره على العالم، ونحن من بينهم ولكننا لا ننفي أن الجيش وافق مضطرًا أيضًا، فقد أعلنت أمريكا ومجموعة السبع الصناعية رفض إعادة إعمار صربيا لأن ميلوسوفيتش في السلطة، أو بالأحرى لأنه لم يستجب لمطالب الناتو والكلام لك يا جارة تصريحًا وتلميحًا... وبالتالي فالرفض قد يعني:

1- أن يتحول الجيش إلى متمردين وعصابات تطاردها قوات الناتو.

۲- تحويل النصر المعنوي إلى هزيمة محققة للألبان. 

3- تأجيل عودة اللاجئين لحين الانتهاء من تجريد الجيش من سلاحه. 

4- عدم إعمار الإقليم، وعدم تحقق الاستقرار.

5 - زرع بذور الفتنة بين الألبان بعضهم البعض وزرع الكراهية في نفوس الشعب تجاه الجيش.

٦ - البحث عن قيادة بديلة وسلطة تبدو في نظر الغرب رشيدة. 

قيام دولة مستقلة: فلا شك في أن ذلك يمثل الحلم الذي أوشك على التحقق في رامبوييه، ولكن تعنت ميلوسوفيتش أو دفعه للتعنت أجل المشروع، واجج الصراع لتمر سنة أخرى دون إنجاز شيء في المشروع السياسي ولكن عودة الألبان جعلت الفرصة متاحة لهم لإعادة فتح مؤسساتهم التعليمية والثقافية والسياسية وممارسة حقهم في الحياة دون ضغط الآلة العسكرية الصربية، والفرصة متاحة أكثر فيما خصمهم مشغول بنفسه، وبما يلقاه من معارضة داخلية وخارجية وضغوط دولية للتنحي أو الحرمان من المساعدات ربما يكون كل ذلك إغراء للألبان لكي يعودوا إلى صفوف العمل السياسي المنظم وإلقاء السلاح خصوصًا أنه لا خصومة بينهم وبين الناتو.

قد يبدو الأمر مستبعدًا في الوقت الراهن وخصوصًا أن الخريطة الجغرافية للبلقان لم يتم صياغتها بالشكل النهائي، لذا فعلى الألبان التمتع بالوضع الراهن وإثبات جدارتهم بالحرية والاستقلال حتى يطمئن العالم إليهم وبالتالي يمكن الحديث عن الاستقلال الذي لن يكون في معزل عن تغييرات جغرافية أخرى تشمل على سبيل المثال انفصال الجبل الأسود عن يوغسلافيا وضم أجزاء من البوسنة إلى صربيا وإعلان التحالف المسلم الكرواتي دولة مستقلة، كما يرى بعض المحللين، أو على الأقل التمتع بحكم الجمهورية الفيدرالية في الاتحاد اليوغسلافي شأنها في ذلك شأن الجبل الأسود وصربيا.

إقامة دولة إسلامية

أزعم بأن هذا الخيار ليس واردًا في أجندة القائمين على الجيش، ولا أجندة معظم الساسة الألبان، وإن كان موجودًا على أجندة بعض القوى الإسلامية في البلقان عمومًا وفي كوسوفا بشكل خاص، إلا أن الصورة الحالية وحصار المشروع الإسلامي في الشرق والغرب وبأدوات غربية «هي نفسها التي تدير الصراع في البلقان» يدع الكثيرين من الوطنيين في المناطق الساخنة وحتى الراغبين في قيام المشروع الإسلامي إلى «الانزواء قليلًا» وذلك حتى لا يجهض كل شيء وتصبح المنطقة بأسرها «قطعة من الجحيم» يستحيل فيها العيش، ناهيك عن إقامة دولة من أي نوع.

ومن ناحية أخرى، فكل مشكلات البلقان قديمًا وحديثًا، كان منشؤها الصراع الديني المتمثل في الثأر القديم من العثمانيين المسلمين، والصراع المستتر - أحيانًا - بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية، وقد بذلت أوروبا كل ما بوسعها للقضاء على الوجود الإسلامي، لأنه يمثل ذكرى الهزيمة التي لم تستطع محوها، فعملت على تحجيمها في دول صغيرة مثل ألبانيا، أو وضع المسلمين تحت حكم الطوائف المسيحية الأخرى، كما الحال في مقدونيا واليونان وبلغاريا، وليس مستغربًا أن تعمل أوروبا ما في وسعها حاليًا لرفض فكرة حكم المسلمين للانقسام والترويج لخطورتها، ولن تعدم الآلة الإعلامية القوية التي تساندها في ذلك وعليه فليس من المتوقع أن يقبل الغرب بمجرد الحلم بإقامة دولة إسلامية هنالك- وما ذلك على الله بعزيز- ولكننا بصدد تطيل مواقف تتميز بالعداء والخوف، وحسن التخطيط لمقاومة المشروع الإسلامي في بلاد الإسلام، فما بالنا والأمر يتعلق بأوروبا.

 خيار لم يذكر

إنه الخيار الذي يراهن عليه الكثيرون، خيار قيام جمهورية لكوسوفا، داخل الاتحاد اليوغسلافي وهذا الخيار لا يتنافى مع قرار مجلس الأمن وربما ساعدت صياغة قرار مجلس الأمن على ذلك، إذ ينص القرار على وحدة سلامة أراضي يوغسلافيا، ولم ينص على وحدة سلامة صربيا التي يدعي أن كوسوفا جزء منها- وبالتالي يمكن للصرب ابتلاع تحويل كوسوفا إلى جمهورية اتحادية بدلًا عن انفصال الإقليم تمامًا. 

ويلتقي هذا الطرح مع رغبة الناتو في تقليم الدور الصربي، ولكن دون انفصال الإقليم لما يمثله ذلك من تبعة وعبء سياسي واقتصادي وعسكري على الغرب.

وعليه، وبحسابات سياسية مجردة يمكننا القول: إن ما فعله الجيش من انصياع لأوامر الناتو والاستجابة لدخول القفص الأمريكي ليس بالضرورة أن يكون نجاحًا خالصًا أو بقدر ما هو خطورة ينبغي فهمها في إطار المعطيات الراهنة - وهي سلبية بالطبع- كما أنه- وإن بدا أنه ارتماء صريح في الحضن الأمريكي- إلا أنه تعبير عن مرحلة صعبة في حياة شعب أعزل لم يجد العون من اليمين أو اليسار، وبدا ما يقدمه له الأمريكان كأنه الفرصة التي لا تأتي إلا مرة واحدة، وعلى الألبان قبولها وحسن استثمارها، من أجل تحقيق الاستقلال أو التنعم بحالة الأمن والاستقرار لحين أن يتقرر مصير الألبان.

الرابط المختصر :