العنوان كوسوفا.. فصل جديد على حساب المسلمين؟
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 82
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 23-يونيو-1998
كان من تصريحات وزير الخارجية البريطاني روبين كوك على هامش الاجتماعات الأطلسية والأوروبية بشأن أحداث كوسوفا، قوله إن على سلوبودان ميلوسوفيتش أن يعلم أن رد فعل الأسرة الدولية على ما يصنع لن يتأخر، كما كان مع أحداث البوسنة والهرسك، ومن يسمع هذا التصريح، وسواه مما يصدر عن الساسة الغربيين وهم يؤكدون عزمهم على التحرك الحاسم والسريع، قد يشعر بالاطمئنان على مصير الألبان المسلمين في كوسوفا، وبأن الغربيين «ندموا» على ما فرطوا به في البلقان من قبل... أو قد يحسب نفسه على مسرح سياسي آخر غير الذي رافق المأساة الدموية في البلقان على امتداد أربعة أعوام، وما زالت آثاره قائمة إلى الآن على حساب المسلمين في المنطقة بكاملها.
هل هو فعلًا وخز الضمير الذي يحرك حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في سباقهم على إعلان المواقف واتخاذ الإجراءات المضادة الآن؟... هذا ما لا ينبغي أن يخطر في البال في تحليل موضوعي المجرى الأحداث، ذلك أن «السياسة الواقعية الغربية»، كما يقول أهلها وممارسوها. مصلحية.... ولا أخلاق لها، فليست القيم التي تحركها وإن تكرر ذكرها، بل المصالح..... والمصالح فقط، والمفروض إذن البحث عن مدخل آخر لاستيعاب السياسة الغربية تجاه كوسوفا وأحداثها في الوقت الحاضر.
وأول سؤال ينبغي طرحه هنا هو: هل يتحرك الغرب الآن فعلا بسرعة ودون تردد... كما يريد التصريح المذكور وأمثاله الإيحاء به للرأي العام في الغرب وعلى مستوى العالم؟ أو بتعبير آخر: هل نشبت الأحداث الدامية الجارية في كوسوفا الآن، بصورة مفاجئة، خلال الأسابيع القليلة الماضية، للقبول بأن ما يعقده الغربيون من اجتماعات ويصدر عنهم من تهديدات الآن، قد جاء في الوقت المناسب؟
يمكن أن نتجاهل مبدئيًا المماطلة الدولية - خلال الأسابيع الأخيرة بالذات، فيما عدا إجراءات مقاطعة شكلية لا تقدم ولا تؤخر مضمونًا ومفعولًا، فضلًا عن إعلانها ثم سحبها كما فعل الأمريكيون، أو إعلانها في اللحظات الأخيرة، كما فعل الأوروبيون، وجميع ذلك مقابل ما كان من نزيف دماء مستمر يوميًا داخل كوسوفا، وما كان من تهديم للقرى، ومن تشريد للنساء والشيوخ والأطفال، ولكن وإن تجاهلنا مواقف المماطلة في تلك الفترة، يبقى ثابتًا أن - عمر أزمة كوسوفا ليس بضعة أسابيع، فهل يكفي لتقويم «سرعة» التعامل معها مجرد النظر في المواقف الصادرة الآن فقط؟ ... ولا داعي - للعودة إلى فصول دموية مأساوية تاريخية - متتالية على أرض كوسوفا، منذ حرب البلقان الثانية عام ۱۹۱۲م، والتي بلغت ذروتها في الأربعينيات الميلادية، بل يمكن الاكتفاء بالحديث عن الفصل الأخير فقط، الذي بدأه سلوبودان ميلوسوفيتش، مجرم الحرب الأول في البلقان قبل أن يجعل منه اتفاق دايتون الأمريكي «حمامة سلام» بدأه بإلغاء الحكم الذاتي في المقاطعة الألبانية، الإسلامية بأكثر من تسعين في المائة من سكانها، ليضعها بين ليلة وضحاها تحت الحكم المركزي المباشر في بلجراد، دون وجود سبب مباشر يحتج به كذريعة ظاهرية.
لم يتحرك ميلوسوفيتش ضد المسلمين في كوسوفا قبل أسابيع فقط، بل قبل سنوات، وطوال تلك السنوات، وكانت خطوة إلغاء الحكم الذاتي من جانبه، أول شرارة أشعلت حرب البلقان الماضية، فآنذاك سيطر القلق على السلوفينيين والكرواتيين في الدولة اليوغوسلافية الاتحادية، ليس على مصير الألبان في كوسوفا، بل على مصيرهم هم. فقد أدركوا أن الزعيم الصربي سيخطو الخطوة التالية ضد استقلالهم الذاتي أيضًا، وانعكس هذا القلق بصورة واضحة في اجتماعات المؤتمرات الحزبية والرئاسية المشتركة التالية، التي تصاعدت الخلافات فيها تدريجيًا، إلى أن بلغت مرحلة إعلان الاستقلال عن الاتحاد اليوغوسلافي، وشروع الصرب في استخدام القوة العسكرية لإجبار الشعوب الأخرى مجددًا على البقاء تحت سيطرة الحكم الصربي المركزي في بلجراد كما كانت في العهد الشيوعي.
ليس السؤال الآن هو ما مدى سرعة التحرك الغربي وفعاليته، وإنما هو ما مدى حجم الإهمال الإجرامي لقضية كوسوفا، والتراجع عن المواقف السابقة بصددها، حتى إذا بلغت وتيرة الأحداث الآن مستوى حرب مكشوفة، عاد النشاط الديبلوماسي إلى الساحة، ولكن دون أن يفقد أسلوب المناورات الذي اتبعه سابقا في تأخير التدخل في البوسنة والهرسك، ليعطي الصرب آنذاك أطول فرصة زمنية ممكنة، كي يحققوا أهدافهم على أرض الواقع، قبل أي تدخل دولي يغطي في نهاية المطاف ما يتحقق من أهداف دولية بات الصرب شركاء... وأداة من أدوات تنفيذها.
الأهداف: لقد كانت قضية كوسوفا هي الساحة الأولى من ساحات الاضطهاد الصربي في الفصل الأخير من فصول تاريخ البلقان، والذي نعايش تنفيذه مرحلة بعد أخرى... وهذا ما لم يكن مجهولا عند التحركات الغربية الأولى والتي استهدفت بصورة واضحة تثبيت استقلال كرواتيا وسلوفينيا فقط، ولكن جداول أعمال الاجتماعات الأوروبية، ولا سيما في مؤتمر لاهاي ثم مؤتمر لندن كانت تؤكد رسميًا فحسب - موقع قضية كوسوفا المركزية في أزمة الاتحاد اليوغسلافي، وتؤكد في الأهداف المعلنة للاجتماعات، ضرورة أن تحصل سائر الأقليات وفق ما خلفه انهيار الاتحاد اليوغوسلافي من حدود آنذاك ومنها أقليات المسلمين في كوسوفا وسنجق... أن تحصل على الحقوق المشروعة التي تثبتها المواثيق الدولية، بما فيها وثائق منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي سبق أن وقعت بلجراد عليها والتزمت بمضمونها، ولكن بدأ «التواطؤ» الدولي على الفور، ليس على حساب المسلمين في البوسنة والهرسك فقط، بل على حساب الألبان المسلمين في كوسوفا وسنجق أيضًا.
ومن الأخطاء الجسيمة الاعتقاد بأن العجز عن القضاء النهائي على المسلمين البوشناق، بسبب صعودهم البطولي المذهل، يعني أن الأهداف الصربية والغربية لم تتحقق بنسبة عالية على الأقل إن «الأسرة الدولية»، لم تتحرك بصورة فعالة على امتداد أربعة أعوام أثناء النزيف البوسني، وعندما تحركت كان «الواقع المصنوع على الأرض» واقعًا جديدًا، فكانت الحصيلة اتفاق دايتون، وتحويل الكيان المستقل للبوسنة والهرسك إلى كيان مقيد بألوان القيود كذلك فعلى صعيد قضية كوسوفا استغل صانعو القرار في «الأسرة الدولية» شدة تأثر الرأي العام في كل مكان بالأحداث البوسنية. فأسقطوا كوسوفا وأحداثها من جداول أعمالهم، بل وصل الأمر بهم في فترة لاحقة، إلى درجة عقد الاتفاقات مع حكومة بلجراد حول إعادة المشردين من كوسوفا إلى بلادهم.... دون أي ضمان فعال لحمايتهم من الاضطهاد الصربي المستمر، حتى أن منهم من اعتقل وقتل بعد إعادته كما تذكر منظمات حقوق الإنسان.
صحيح أن مأساة البوسنة والهرسك لن تتكرر بصورة مشابهة في كوسوفا، ليس بسبب سرعة التدخل الغربي الآن، بل لأنه سبق صنع سائر ما يمكن صنعه للحيلولة دون استقلال منطقة كوسوفا وسنجق، والتي أخضعتها صربيا لسيطرتها في النصف الأول من القرن الميلادي العشرين، على أنقاض دولة الخلافة، ووسط الجهود الدولية لرسم خارطة أوروبية جديدة لا يكون للمسلمين فيها دولة تجمعهم......
وكما أصبح المسلمون البوشناق في دولة البوسنة والهرسك تحت قيود الاتحاد بين المسلمين والكروات، وقيود المعطيات التي تربط اقتصادها وسياستها وجيشها بالدول الغربية إلى حد كبير... كذلك فقد تم تثبيت بقاء المسلمين الألبان أقليات موزعة في كوسوفا وسنجق ومقدونيا من جهة، أو داخل دولة ألبانيا التي لم تنقطع الجهود الدولية لتبقى من بين سائر الدول التي أسقطت الشيوعية ، في مؤخرة الركب اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا.
على الرغم من ضجيج التصريحات الغربية عن مواجهة ميلوسوفيتش لا يتردد ساسة الغرب عن التأكيد على أن كوسوفا منطقة من صربيا !
وعلى الرغم من ضجيج التصريحات السياسية الغربية بصدد مواجهة ميلوسوفيتش في كوسوفا، يبقى أن الساسة الغربيين، الأوروبيين والأمريكيين، لا يترددون عن التأكيد الرسمي المتكرر، أن كوسوفا قطعة من صربيا وأن قضيتها قضية داخلية، أما هدف الاستقلال القائم على حق تقرير المصير، فمرفوض جملة وتفصيلًا ... ويتبنون بذلك موقف ميلوسوفيتش وإن اختلفوا معه في أسلوب الحكم المتبع، وهذا ما أكده سائر الساسة الأوروبيين... كما أكده الرئيس الأمريكي كلينتون عند استقباله لراجوفا زعيم ألبان كوسوفا، في عملية استعراضية كانت للتغطية على المناورة الديبلوماسية التي قام بها مبعوثه هولبروك قبل أسابيع، وأدت إلى «حوار»، فارغ المضمون، لعدم الاتفاق المسبق على شيء أو حتى على نقاط جدول المباحثات، وذلك على النقيض مما هو معتاد في مثل تلك الصفقات السياسية، ويتحرك الأطلسي عسكريا كما تحرك في آخر مراحل حرب البوسنة والهرسك، ليظهر أنذاك في مظهر «المنقذ» للمسلمين الألبان، وقد يمنع وقوع« مذابح جماعية كبرى» مزيدًا على ما كان عبر العقود الماضية، ولكن ستبقى الحصيلة شبيهة بالحصيلة في البوسنة والهرسك، تثبيت وضع سياسي لا يمارس المسلمون فيه حق تقرير المصير، ولا يحققون هدفهم مشروع في الاستقلال الكامل، ولا يتخلصون من القيود الاقتصادية والمالية والعسكرية التي تفرض عليهم تحت عنوان «إنقاذهم» من المذابح والتشريد.
لن يصل الصرب والغرب إلى أهدافهم في البلقان... بمجموعها، ولكنهم وصلوا ويصلون إلى جلها في المرحلة الراهنة، وقد كان المطلوب ألا يظهر بعد انهيار الشيوعية، كيان قوي متماسك يجمع ثمانية ملايين مسلم أو أكثر في البلقان، وذلك ما تحقق واقعيًا، وما يزال يجري تنفيذ مخططات تحقيقه، في كوسوفا أيضًا.
أدوار «هامشية»!
وكما برز الدور الروسي في مأساة البوسنة والهرسك من زاوية رغبة موسكو في تثبيت مواقعها على أرضية الخارطة الأمنية في أوروبا، ومن زاوية اتخاذ الدول الغربية للموقف الروسي حجة لتثبيت« الحدود السياسية» التي تحركوا فيها آنذاك، كذلك يبرز الدور نفسه الآن بإخراج مشابه... فبينما يتسول الرئيس الروسي يلتسين بكل معنى الكلمة، على أبواب الغرب في صندوق النقد الدولي لإنقاذ الاقتصاد الروسي المنهار، يتجاهل الزعماء الغربيون سائر ما اعتادوا عليه من استخدام المال وسيلة للضغوط فيؤكدون استحالة «تجاوز الموقف الروسي»، واستحالة الضغط على موسكو، وضرورة الاستجابة لرغبتها في «الوساطة» لإيجاد حل سياسي.
ومن قبل الوصول بالقضية إلى مجلس الأمن الدولي استعد الغرب مسبقًا لرفض موسكو في نهاية المطاف والمشاركة في إصدار قرار للتدخل العسكري المباشر لوقف نزيف في كوسوفا، بل كانت مواقفه أشبه بالتشجيع لموسكو أو بكين لاتخاذ موقف الرفض، فقد تكرر التأكيد أن «الغرب سيكون مضطرًا آنذاك»، وهذه للأسف هي الصورة التي تشارك وسائل إعلام عربية وإسلامية في ترويجها - إلى الاكتفاء بإرسال قواته العسكرية إلى الحدود المقدونية والألبانية مع صربيا والجبل الأسود... وهذا إجراء لا يحقق حماية المسلمين الألبان في كوسوفا من الإجرام الصربي، بل يساعد الصرب على الانفراد بهم، من خلال الحيلولة دون خروج النساء والأطفال والشيوخ فرارًا من القتل إلى البلدين المجاورين ولا سيما أن تشريدهم هذا يمكن أن يصبح معبرًا لهم إلى بلدان أوروبية وهو ما يسهم في ارتفاع عدد اللاجئين من المسلمين إليها.
وسيان حقيقة الدور الروسي وما مدى وضعه في حسابات الغربيين بزعامتهم الأمريكية، فإن ما لا يمكن استيعابه ألا تتأثر تلك الحسابات من قريب أو بعيد على سبيل الاحتجاج الظاهري، بموقف ما من جانب البلدان الإسلامية، على الرغم من أن القضية هي قضية «مسلمين»، وعلى الرغم من أن الدول الإسلامية تعد ربع عدد «أعضاء الأسرة الدولية» ويقطنها خمس البشرية المتأثرة بقرارات الشرعية الدولية، ولكن أين هو الموقف الفعال الذي يمكن أن يوضع في الحسبان ويؤثر على القرارات والمخططات والخطوات التنفيذية الجارية، ثم هل يمكن أن نرى في ذلك الغياب على ساحة القضايا الإسلامية الحية، ما يبشر بوصول هذه المجموعة الإسلامية الكبرى إلى مكانة ما في خارطة العالم المستقبلية ؟! ..