العنوان مذكرات السلطان عبد الحميد (العدد309)
الكاتب محمد حرب عبد الحميد
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1976
مشاهدات 90
نشر في العدد 309
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 20-يوليو-1976
مذكرات السلطان عبد الحميد
● لماذا عزل السلطان عبد الحميد سليمان باشا..؟
● السلطان عبد الحميد يرى أن خدمة الإنسان واستعداده هي موضع الاعتبار..
● السلطان عبد الحميد يقول إني أصفح تمامًا عن ذنوب هؤلاء الذين ألمس منهم فائدة للبلاد
ترجمة الأستاذ محمد حرب عبد الحميد
الأستاذ المساعد بكلية الآداب جامعة عين شمس
تعليق الهوامش: محمد أحمد الراشد
25 مارت 1333 (1917) بيلربي
يعتبرون سليمان باشا أيضًا من ضمن الذين غدرت بهم، وكأني نفيته لأنه صديق لمدحت باشا ولأنه لعب دورًا في خلع عمي عبد العزيز خان. وإنها لحقيقة أنه لعب دورًا كبيرًا في إسقاط عبد العزيز خان من عرشه في الوقت الذي كان يشغل فيه منصب قائد المدرسة الحربية. ولكن ظهر أنه لم يشترك في قتله. من الواضح أنه إذا اشترك أحد الباشوات في إسقاط سلطان من على العرش ألا يثق به السلطان الجديد؛ لأن الذي لعب دورًا ضد الأول يستطيع لعب نفس اللعبة ضده. ورغم هذا، فإني قد توصلت إلى قرار وهو اعتبار مدى إمكانية خدمة الإنسان واستعداده هي موضع الاعتبار في أكثر الأوقات. فالبلاد تحتاج الإنسان صاحب الاستعداد. لا يوجد ما يعمل، وكان قليلا ذلك الإنسان ذو الاستعداد والذي يمكن أن يعمل. ولهذا السبب فإني دفعت سليمان باشا وأمثاله إلى العمل بدلا من إبعادهم عنه.
كان الجو على وشك استئناف الحرب من جديد في جبهتي الصرب والجبل الأسود. ورفعوا سليمان باشا إلى السماء بوصفهم له بأنه «الجندي العظيم». أرسلته في هذه الفترة الحساسة من تاريخ الدولة العثمانية إلى هاتين المنطقتين كقائد عام لجيوشنا في البلقان.
تحاربنا في هذا الوقت مع الروس وكان سير الحرب في غير صالحنا. وكان من المفيد أن يدعم سليمان باشا جيش الطونة بجزء من قوته، فصدرت الأوامر بذلك.
أنزل سليمان باشا الجنود تحت قيادته إلى زغرة عن طريق «دده كوي» بزحف إجباري. وبعد أن أقام الاستحكامات هناك توجه إلى زغرة القديمة وأجبر قوات الجنرال «جوركي» على الانسحاب في يومين بعد أن شتت شملها. وفي نفس الوقت سار الغازي عثمان باشا نحو «بلاونه» وكانت في يد العدو واستولى عليها في يوم واحد وبلغت الخسارة في صفوف الروس سبعة آلاف قتيل نظير ألف فقط في صفوفنا والحمد لله. أسعدت أنباء الانتصارين المتعاقبين الجيش والأمة.
كان الاقتناع عاما بأن الحرب حتى ذلك اليوم لم تكن تدار جيدًا، وعزلت السر عسكر عبد الكريم نادر باشا ورديف باشا من القيادة العليا للجيش بناء على قرار ديوان الحرب المشكل من كبار القادة العسكريين والمنعقد في القصر وتم تعيين المشير محمد علي باشا بديلا لذلك.
وفي هذه الأثناء تسلمنا برقية من سليمان باشا كان يريد إرسال جزء من القوات الموجودة تحت قيادة حفظي باشا إلى الجبهة، وهذه القوات كانت ستلتحم مع العدو في حالة انشطار الجبهة، ورأى ديوان الحرب إبلاغ سليمان باشا بالموقف وتم إبلاغه. وكان الرد الذي تلقيناه من سليمان باشا خارجًا عن كل أصول الأدب. كان الرد يقول «إذا فشلت أنا هنا، فستضيع البلاد، ولن يكون في ذلك الوقت أي احتياج للعاصمة». رأى مجلس الحرب أن هذا التجبر وقلة الحياء لا يتناسبان مع أخلاق المهنة ولا مع وقار موظف الدولة، فأصدر بالإجماع قرارًا بعزل سليمان باشا وكان سيوجه قيادة جيوش البلقان إلى الغازي عثمان باشا بديلا عن سليمان باشا.
تدخلت. وطلبت إبلاغ الغازي عثمان باشا بالموقف أولا، ثم الوصول إلى قرار بعد أخذ رأي الغازي عثمان باشا. وكما توقعت بالضبط، فقد أخطرنا موضحًا بأنه من الصعب عليه جدًّا ترك موقعه، وأنه يرى تكليف سليمان باشا بهذه الوظيفة، وكان رأي جندي مثل عثمان باشا التحم مع العدو في الجبهة وحقق انتصارات رأيا له أهميته. ورغم ما فهم من برقية سليمان باشا الأخيرة، فإن اقترحت على ديوان الحرب تعيينه للقيادة، في الوقت الذي أعرف فيه أنه يتصور بأن أفكاره هي نظام العالم دائما. لم يتقبل ديوان الحرب رأيي بسرور، ولكن مع ذلك تم تعيين سليمان باشا ليس قائدا عاما لجيوش البلقان فقط وإنما قائدًا عامًا لجيوش الطونة أيضا.
فلنفكر الآن بعدل وإنصاف، لو كنت عدوًا لأصدقاء مدحت باشا وعدوًا لمن تدخل في في إسقاط عمي عبد العزيز خان عن العرش، أكنت أسلمه لديوان الحرب أم كنت أجعل منه قائدا عاما لقواتنا في البلقان والطونة؟ يا ترى هل من سلطان غيري كان يصفح عن أحد قواده عندما يرسل له هذا القائد برقية سفيهة وقحة ممتلئة بالاحتقار؟ أأنا إذن الذي يحقد أم سليمان باشا الذي يقبض أمام أعين الجنود المحاربين في الجبهة على القواد الذين انتقدوه ثم يرسلهم إلى إستانبول لإعدامهم؟ ولأن المقام الذي احتله مقام يستلزم الارتفاع فوق مستوى الشعور الشخصي فإني أصفح تماما -دون أن تطرف عيني- عن ذنوب هؤلاء الذين ألمس منهم فائدة للبلاد وحتى لو لم يسألني أحد عن هذا في الدنيا، فإني أعلم وأؤمن بأني سأحاسب يوم الحشر عن كل ما فعلته. ولا بد لي أيضا -كسلطان من نواحي قصور، لكن مهما كان قصوري، فالحمد لله أنه لم يكن قصور أرتكب به حمل أحقاد وأخلط فيه أحاسيسي الشخصية بأمور الدولة. ولن أُساءل في هذا يوم القيامة.
إن تقدم الروس في البلقان واستيلاءهم على بعض قلاعنا، شجع البلغاريين على الطغيان، وبدأوا يتعدون على الأتراك هناك بمختلف أنواع الظلم والتعذيب، لدرجة أن كل الصحف الأوربية تقريبا، وصفت هذه التصرفات بأنها خالية من الإنسانية وكانت تلعن البلغاريين.
وكنت أبديت انتباهًا شديدًا حتى لا تكتب صحف إستانبول ولا غيرها من المدن العثمانية هذه الأخبار لأن من الممكن جدًّا أن يثور الأهالي المسلمون هنا، ويقابلون الأهالي غير المسلمين بالمثل. وعلى نفس التقدير أيضًا، يمكن أن تعود الدول الأوربية مرة أخرى إلى عدائنا ويمكن أن نرى الأساطيل الإنجليزية والفرنسية أمام شواطئ إستانبول بحجة حماية غير المسلمين.
ولكن، سيل برقيات سليمان باشا من الجبهة لا ينقطع، يشرح أنواع المظالم التي يلقاها الأتراك، ويطلب إرسال وفد من الصحافيين إليه ثم ينشرون طغيان البلغاريين في صحف إستانبول. لا يشغل بال سليمان باشا إلا الشهرة. ولم يفكر فيما يمكن أن يحدث بعد أن يكتب هذا في الصحف، ولكن رغم شدة الحاجة فإني لم أرسل له الصحافيين ومنعت نشر هذه الأخبار.
وبعد أن كتبنا له أفكارنا في هذا الموضوع رد علينا متجاوزًا حدوده واتهمنا جميعًا بالخوف والتوهم.
أفكر الآن، لو كان في هذا الأمر خطأ ما؛ فهل يا ترى يكون نشر هذه المظالم في الصحف وعدم التفكير فيما يمكن أن تقع فيه البلاد من مخاطر جديدة واضطرابات أفضل، أم نكتبها وبذلك نفتح الطريق أمام نكبات لا يمكن إصلاحها؟
وأنا أوافق على خطأ «باشا» يعمل قائدًا أعلى للجيوش ولا يستطيع أن يدير عقله في أمر بسيط كهذا الأمر، ولكن فليقبل أذناب سليمان باشا المتبجحون أنه كان أنانيًّا ومعدوم البصيرة عندما قال «لا بد لما أردته أن يتحقق وليحيق بالدولة ما يحيق».
وتحت القيادة العامة لسليمان باشا خسرنا الحرب مع روسيا، وديوان الحرب مقتنع بأننا خسرنا الحرب بسبب أخطاء القائد العام. عللوا هذا بأنه لم يستطع استخدام القوات ولم يستطع النجاح في استخدام الجنود، ولهذا حلت بنا الهزيمة وخسرنا الحرب.
طلبوا محاكمته. ولم أتدخل في هذا، فقد كان عملا عسكريًّا، وحاكمته محكمة عسكرية وأُدين، وأصدرت عفوًا عنه، وأبعدته عن إستانبول.
ها هو ذو وجه الحقيقة في قصة سليمان باشا. ولو كان هذا حكمًا صعبًا بالنسبة له، فإنه لم يكن بتقديري أنا ولكن بتقدير الله، وإذا كان لسليمان باشا تقصير في جوانب أخرى فنسأل الله الصفح عنه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل