العنوان اللسان العربي.. الفيروسات القاتلة
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1993
مشاهدات 88
نشر في العدد 1047
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 27-أبريل-1993
في حلقة سابقة بعنوان «اللحن في اللغة» كانت الإشارة إلى مدى حرص علماء الأمة على لغة القرآن وخوفهم عليها وجهادهم في سبيل حمايتها عبر القرون، وفي هذه إشارة إلى الدرك المفزع الذي تردت إليه عناية الأمة اليوم بهذا اللسان؛ الأمر الذي أزعج كل غيور فترددت الشكوى وتعاظمت وانطلقت صيحات الاستغاثة والتحذير من الخطر المحدق يقول واحد من أبرز اللغويين العرب اليوم –في ألم: «حين أعقد مقارنة بين المثقف العربي حيث يتحدث أو يكتب بلغته العربية والمثقف الإنجليزي -مثلًا– حين يفعل ذلك بلغته أجد النتيجة مخزية، القلة القليلة أو الندرة النادرة من الأولين قد استقام لسانهم وارتفع مستوى لغتهم، أما الكثرة الكاثرة منهم فلا تقيم لسانها، ولا تحسن التعبير عن ذات نفسها، والأمر على النقيض بالنسبة للرجل الإنجليزي، يتقن لغته كتابة وحديثًا مهما كان تخصصه»(1).
لقد تفشت الأخطاء القاتلة حتى على
ألسنة الكثيرين من المشتغلين بدراسة العربية وتدريسها، بل إن منابر الجمعة -التي
شيب صعودها بعض خلفاء هذه الأمة في الماضي- صارت سقطاتها البلقاء أكثر من أن تحصى،
حتى في نصوص السنة والقرآن أحيانًا. وليت الخطب وقف عند هذا الحد، بل لقد أصابت
الأمة بلادة عجيبة إزاء هذا الوباء وانتابتها حالة من الرضا بالداء، وبدأ بعض
المفسدين يفلسف لها هذا البلاء فقال: «خطأ مشهور خير من صواب مهجور»، وهو «سخف
مأثور» -كما سماه أحد الغيورين على العربية(2)، وهي فرية عجيبة لا ندري
أول من قالها، ولكنا نحسبه خبيثًا أخطأ فنُبِّه على الصواب فتفتق خبثه عن هذا
العذر القبيح.
وكان الأولى به وبنا أن نقول مع
العقلاء: «الرجوع إلى الحق فضيلة، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل»،
والخطأ في اللغة –خاصة إذا تفاحش– باطل، بل ضلال- كما حكم المصطفى صلى الله عليه
وسلم.
إزاء هذا الوباء نهض من العصر الحاضر
جنود مخلصون كرسوا وقتهم وعلمهم لملاحقة تلك الفيروسات اللغوية فتتبعوا ما يكتب أو
يذاع بالعربية عبر أجهزة إعلامنا المريض ودونوا السقطات وقدموا الصواب، وظهر
العديد من الرسائل والكتب بعضها مرتب على حروف المعجم، وبعضها ليس كذلك، وتناولتها
يد التحسين والإكمال عقدًا بعد عقد حتى صارت معاجم تضم مئات الصفحات وآلاف الغلطات
مع بيان سر الخطأ في كل لفظة، ثم الصواب الذي يجب الأخذ به، ولا يتسع المقام لرصد
كل تلك الأعمال الجليلة، لكن من حق القارئ أن يعرف بعضها خاصة ما كان منها جامعًا
حسن الترتيب قريب الفائدة، فلعله يبحث عن شيء يسدد به لغته. منها:
- محمد
العدناني. معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة «شركة المكتبات الكويتية 1989م».
- أميل
بديع يعقوب. معجم الخطأ والصواب في اللغة «دار العلم للملايين بيروت 1992م».
- د.
أحمد مختار عمر. العربية الصحيحة دليل الباحث إلى الصواب اللغوي. 1981م.
إليك عينة من الأخطاء
الشائعة التي تفيد في تصويبها تلك المصادر:
الكلمة (هوية): الخطأ الشائع: بفتح
الهاء– الصواب: بضم الهاء «من هُوَ».
الكلمة (صمام الأمان): الخطأ الشائع:
بفتح الصاد وتشديد الميم الأولى– الصواب: كسر الصاد وبدون تشديد الميم (صِمام).
الكلمة (بدائي): الخطأ الشائع: بكسر
الباء- الصواب: بضم الباء (بُدائي).
الكلمة (تجربة/ تجارب): الخطأ
الشائع: بضم الراء في المفرد والجمع– الصواب: بكسر الراء فيهما (تجربة وتجارب).
أما تكسير قواعد النحو بلا رحمة
وإزعاج كل النحاة في مستقر أرواحهم، فهذا داء استفحل لا تجدي فيه معاجم الأخطاء،
بل علاجه في الدراسة الجادة والممارسة الواعية لقواعد هذا اللسان المبين. والأمر
مع صدق النية وقوة العزيمة ميسور بعون الله. وتحمل مؤسسات التعليم وأجهزة الإعلام وأولياء
الأمور في البيوت وزرًا عظيمًا في نشأة الداء واستفحاله.
_____________
الهوامش:
(1) د. أحمد مختار عمر- العربية
الصحيحة- عالم الكتب، 1981- ص 6.
(2) د. مازن المبارك. نحو وعي لغوي- 1970-
ص 191.
اقرأ أيضًا: