; المجتمع الثقافي (1157) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1157)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995

مشاهدات 89

نشر في العدد 1157

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 11-يوليو-1995

  • ومضة

اجتماع الـ 7+1 الذي عقد في هاليفاكس، وصفه المحللون بأنه اجتماع الأقزام، بينما كان الاجتماع الأول الذي عقد قبل ربع قرن يسمَّى اجتماع العمالقة أو قمة العمالقة.

خلال ربع قرن وهي فترة محدودة في عمر الزمن تحول العملاق إلى قزم.. وعوامل هذا التحول كثيرة وأسبابه عديدة يعرفها المراقبون ويدركها المطلعون على خفايا الأمور.. مع أن المظهر الخارجي يبدو متماسكًا وقويًّا، ويزداد هيمنة وتأثيرًا في مجرى الأحداث وفي مصائر الشعوب المستضعفة والأكثر فقرًا أو تخلفًا في العالم.

لكن الصورة الظاهرة لا تعكس الحقيقة دائمًا.. بل قد يكون فيها شيء من التمويه والخداع.

المهم أن العملاق يمكن أن يصبح قزمًا نتيجة إخلاله بشروط العملقة رغم محاولاته واستماتته في التشبث بتمثالها الضخم وهيكلها المخيف.. وفي أكثر الحالات يكون السقوط خارجًا عن الإرادة.. ويتعذر أو يستحيل تلافيه.. لأن الهبوط إلى القاع أسرع وأيسر من الارتفاع إلى القمة.

في المقابل يمكن أن يصبح القزم عملاقًا إذا امتلك الشروط وتخمرت في نفسه فكرة الصعود وتضافرت الاستعدادات الفكرية والوجدانية وتوفر لديه «المعامل» -على حد تعبير مالك بن نبي- الذي يصوغ كافة الملَكات والمؤهلات ويوجهها الوجهة السليمة التي تحقق هذه النقلة النوعية، حيث تغدو كل الثغرات والتهشمات في جدار العملاق الآيل للسقوط عوامل مساعدة لاستكمال البناء الجديد الذي ينشده ويحلم به كل المظلومين والمشردين والمعذبين في الأرض.

اللسان العربي

الترقيم في التراث (1 من 2) بقلم: عبد الوارث سعيد (*)

هل عرف تراثنا العربي العريض نظام «علامات الترقيم» وبصورة أدق هل عرف تراثنا نظام الترقيم وعلاماته؟ صار السؤال سؤالين: عن النظام بغض النظر عن العلامات، وآخر عن العلامات وهما أمران مختلفان فقد يوجد النظام بدون العلامات، وقد توجد معه علامات مماثلة لما تعرفه الآن، أو مغايرة له عددًا وشكلًا ووظيفة.

يرجح البعض أن تراثنا لم يعرف الترقيم، وأنها فيه مستحدثة عرفها العرب إبان عصر النهضة([1]) فإن قصد مجموعة العلامات المستخدمة حاليًا، والتي أشير إليها في الحلقة السابقة، فهذا نظنه صحيحًا، أما إن قصد علماء تراثنا -من اللغويين وغيرهم- لم يعرفوا نظامًا للترقيم يحدد أشكال أحوال الوقف والوصل ودرجاتهما، فذلك ظن غير صحيح.

إن تراثنا في هذا المجال ليس أقل من أي تراث آخر في العالم. إن لم يفُق ما سواه، كما سنري، وإن لم يستخدم العلامات ذاتها التي توصل إليها أهل الحضارات الأخرى.

ولنبدأ بما في تراث الآخرين قبل أن نتناول ما في تراثنا، من باب المقارنة والتوضيح.

تعرف دائرة المعارف البريطانية الترقيم بأنه: استخدام الفراغات والعلامات الاصطلاحية ووسائل طباعية أخرى لتكون عونًا على الفهم وصحة القراءة الصامتة والجهرية للنصوص المكتوبة أو المطبوعة «مادة كتابة writing».‏

بدأ إدخال شيء من علامات الترقيم في اللغة الإغريقية، وبشكل ساذج، حوالي «القرن

الخامس ق.م»، ثم أدخلت عليه إضافات وتعديلات خاصة على يد أرستوفان «أمين مكتبة الإسكندرية»، واستمرت عملية التطوير نحوًا من 20 قرنًا حتى عصر النهضة الأوربية «ق 16م»، ولم يكن الأمر في اللغة اللاتينية وبقية لغات أوروبا بمختلف عن ذلك كثيرًا.

كانت الغاية الأساسية من إدخال علامات الترقيم تلك الفترة هي التوضيح، ولم يظهر الاتجاه الذي يربط علامات الترقيم بالبناء النحوي للنص إلا في «ق 17م» على يد «بن جونسون» في كتابه «النحو الإنجليزي» (1640م).

إذا انتقلنا إلى خارج أوروبا، إلى لغات آسيا نجد أن نشأة هذه العلامات لا تعود -بوجه عام- إلى أبعد من «القرن 9م»، وكانت العلامات المستخدمة فيها محدودة العدد والوظائف، إذ كانت أهم وظائفها الدلالة على الحركات -كما في اللغة العبرية- أو على انتهاء الجملة، كما في السنسكريتية وما يرتبط بها من لغات شبه القارة الهندية البنغالية والكجراتية والهندية.

أما العلامات الحديثة المستخدمة اليوم، فقد أدخلت إلى تلك اللغات في القرن الماضي نقلًا عن الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأوروبية الحديثة (بأن فترة الاستعمار الأوربي، وهو ما حدث في لغتنا العربية أيضًا).

في لغات إفريقيا، ارتبط تاريخ علامات الترقيم بأنظمة الكتابة التي دخلت إلى القارة من خارجها، كالأبجديات القبطية والعربية، وما اشتق منها.

فماذا عن نظام الترقيم وعلاماته ووسائله في لساننا العربي إن لذلك تاريخًا ودورًا مختلفًا عن اللغات الأخرى لتفرد العربية بظروف وملابسات لا توجد في حالات تلك اللغات، وهذا ما سنتعرف عليه في الحلقة التالية إن شاء الله تعالى.

نافذة الحوار

أشكر للأخ الكريم خالد مأمون محمود محمد «الجبيل - السعودية» متابعته لقضايا اللغة

العربية وهمومها ورسالته النابضة عن اهتمامه بقضية «المختصرات والرموز...» وآسف كثيرًا لإبلاغ الأخ الكريم بأن هذا الموضوع لم يتناوله أحد بالدرس المباشر على حد علمي، سوى دراسة عجلى من أربع صفحات للأستاذ مجيد عبد الحليم الماشطة ضمن بحوث المؤتمر العلمي الأول حول الكتابة العلمية باللغة العربية «جامعة العرب الطبية، بنغازي، ليبيا 1990م»، وإني آمل أن أنتهى من إعداد دراسة متكاملة حول الموضوع هذا العام.

واحة الشعر

شعر: سليك عبد القادر

الشيخ أحمد ياسين

ميت الجسم، جسمه المشلول           فوق كرسي عجزه محمول

ميت الجسم غير رأس وقلب               يُشرق النور فيهما ويجول 

ميت الجسم، شامخ الرأس، حر                 القلب، عذب المني، أبِيٌّ، أصيل 

دافئ الروح، عاشق الأرض، تحيا          «القدس» في صدره، ويزهو «الجليل»

عاشق عاجز، يضيء ويهدي               فيذوب الدجى، ويبدو السبيل 

قد رماه الزمان بالعجز بلوى                ورمته في السجن «إسرائيل» 

ذنبه أن أرضه فيه تحيا                       وهواه بأرضه مجبول 

فاسألوها إذا أطاقت جوابًا                        كيف يحيا هذا الأسير النبيل 

كيف يحيا بلا دواء، عليلًا                   كل شيء فيه سقيم عليل 

كيف تجري الأوجاع فيما تبقَّى            منه جريًا، وما تبقَّى قليل

عاشق عاجز، أسير سقيم                    دون ذنب، في سجنه مغلول 

ويعيث اليهود في الأرض ما شاءوا        فسادًا، وما تفيق العقول 

كل بطش يمارسون مباح                     كل خزي يأتونه مقبول 

يسحقون الإنسان سحقًا كريهًا            ولقد يسحق الكريمَ الذليلُ 

ثم يبدون في ثياب الضحايا                  ولَكم يخدع الورى التمثيل 

فإذا القاتل اللئيم ينال                         العطف جهلًا، ويُقتل المقتول

يا رياح السلام، طيري وحطي              في فلسطين، حيث حط الرسول 

أقرئي العاجز الأسير سلامي                  وافهمي عنه، وانشري ما يقول 

بلغيه أنَّا به قد عرفنا                           كيف يعنو للمسلم المستحيل 

بلغيه بأنه اليوم نجم                           في سماواتنا، بهيٌّ جليل 

يخشع السادة الكبار لديه                    وبه يقتدي، ويمضي الجيل

البناء الفني في

روايات نجيب الكيلاني الواقعية الإسلامية (2من 3)

اختيار العناوين المناسبة يوحي بعملية تصعيد الحوادث وتناميها بصورة مباشرة

تكسر الرواية قتامة الجو بتقديمه نموذجًا يقدم الحكمة الساخرة[2]

بقلم: د. حلمي محمد القاعود(*)

لقد أتاح السرد عن طريق ضمير الغائب فرصة كبيرة للمؤلف كي يحشد تفاصيل الأحداث في تتابع منظم يثير أشواقنا لمتابعته، والتعرف على نتائج الأحداث ومصائر الشخوص دون أن نشعر بالملل أو السام، وهو الشيء ذاته الذي لمسناه في روايته «قضية أبو الفتوح الشرقاوي» حيث حشد كثيرًا من التفاصيل وراء الحدث الأكبر في الرواية، وهو سقوط سيارة في الماء.

إنه حدث عادي، ولكن حدوثه في الريف في ذلك الزمان البعيد، جعله غير عادي، يستحوذ على اهتمام الناس، ويثير فضولهم، وبخاصة أن الحادث ارتبط بفضيحة خُلقية دارت حول امرأة من الطبقة العليا في المجتمع، قيل إنها هربت من زوجها، فسقطت بها السيارة مع عشيقها في مياه الترعة أو البحر العباسي كما يسميه الأهالي.

وقد أعطى للحادث بعدًا أكبر، ادعاء أحد الفلاحين «أبو الفتوح الشرقاوي»، أنه عليم

بتفاصيله، ورافق ذلك الادعاء شائعات تدور حول جثث الغرقَى التي طفت على سطح الماء بجوار الشاطئ وتتحدث عن الضحايا ومن بينهم النساء الجميلات والأطفال زرق العيون والمشغولات الذهبية.

يتم القبض على «أبو الفتوح الشرقاوي» بعد أن وصلت أنباء ادعائه إلى الشرطة، وهناك يخضع للتحقيق، وتحت ضغط التعذيب يضطر إلى المزيد من الكذب كي يرضي سلطات التحقيق، مما أوقع الشرطة والنيابة في متاهة لا بداية لها ولا نهاية، وكشف عن قصور الأداء الأمني، وهو ما تمثل في إصرار الشرطة على تقديم «متهم» -أي متهم- وليكن أبو الفتوح الشرقاوي، ثم إغلاق ملف القضية بأية وسيلة ولو كانت مخالفة للحقيقة، فضلًا عن القبض على جميع المشتبه بهم ممن ذكرهم أبو الفتوح في أقواله، وفي مقدمتهم أنصار الحركة الإسلامية.

ويتضح القصور الأمني العريق في المفارقة التي تجعل الشرطة تقدم متهما للمحاكمة دون أن تعثر على الجثة موضوع الاتهام، لقد أفهم الضابط المحقق «أبو الفتوح» أنه لا يمكن معرفة إن كانت الجثة لقتيلة أو غريقة إلا بعد التشريح بمعرفة الطبيب الشرعي.. «عندئذ قال أبو الفتوح:

- ولماذا لم يتم التشريح؟

قال الضابط وهو يرميه بنظرات متشككة متوعدة:

- لأننا لم نعثر على الجثة بعد...

- كيف أنتم الحكومة.

- أنت الوحيد الذي اعترف بأنه رآها..

- ولماذا تهتمون بجثة لم تروها؟

- ليس هذا من شأنك..»([3]).

وهذا القصور يتحول إلى مأزق حقيقي للشرطة فيما بعد، حيث يوضح طبيعة التفكير الأمني الذي يفكر في تقديم «متهم» وحسب، ولا يعنيه «الظلم أو العدل» الذي يعنيه إنجاز العمل وإغلاق الملف:

«قال أحد رجال المباحث المحنكين:

- ماذا يكون موقفنا إذا ظهرت عنايات هانم بعد ذلك؟

أجاب أحد زملائه!

- احتمال ضعيف.

- لكنه يظل قائمًا، ويحمل تهديدًا دائمًا لنا.

عاد الزميل يقول في سخرية:

- إذا ظهرت نقتلها.

- لا تهرب من الحقيقة.

- أقول نقتلها.

- لن تفعل.

- ولم لا؟ أنا وبعدي الطوفان، ثم إن زوجها الشريجي باشا قد لا يسره ذلك الظهور المحتمل، لأنه يحمل في ثناياه فضيحة أكبر..»(2).

ولكن المفاجأة التي أذهلت الجميع هي ظهور عنايات هانم في البنك لتصرف من رصيدها،

 وحاولت السلطات القبض عليها ولكنها فرت مع الشخص الذي وصف بأنه عشيقها.. وهنا تتعقد الخيوط الروائية، حيث هناك متهم يعترف بالقتل، وجثة، ومقبوض عليهم غير المتهم الرئيسي والشرطة في مأزق... وهنا تتداخل مصالح وسياسات ورغبات تتناولها الصحافة وخاصة الحزبية بالمتابعة والتعليق لتشتعل قضية «أبو الفتوح»، وتأخذ أبعادا أوسع وأشمل.. وترتفع الأصوات للمطالبة بالإفراج عن «أبو الفتوح».

بيد أن «شعبان عبد اللطيف» وإخوانه يقومون من جانبهم بتبنِّي قضية «أبو الفتوح الشرقاوي» من حيث توكيل المحامي والأخذ بيد الزوجة وأبنائها ومساعدتهم على مواجهة الظروف الصعبة.

وتتلاحق الحوادث حين تستغل الصحف الحزبية الموضوع وتعلن إحداها أنها ستنشر مذكرات «أبو الفتوح الشرقاوي» التي ستطال أطرافًا مختلفة، وستكشف عن أسرار عديدة مثيرة، فيتعرض أبو الفتوح للتهديد والإغراء من أجل الصمت، وحينئذ يتم تهريبه مع زوجته إلى مدينة القاهرة، حتى يأتي موعد المحاكمة.

ولأن «أبو الفتوح الشرقاوي» صار قصة المجتمع القروي المفضلة، فإن أخبار براءته الإفراج عنه نهائيًا، بعد ظهور «عنايات هانم» أمام المحكمة، غطت على أخبار الحرب العالمية الثانية، وهتلر والضائقة الاقتصادية الاجتماعية التي تعاني منها مصر.

وتفاجئنا الرواية في النهاية بتغير «أبو الفتوح»، وتعهده بألا يكذب، وانضمامه للإخوان المسلمين «زمن الحرب العالمية الثانية»، وفتح شُعبة لهم في القرية كان أبو الفتوح أحد أعضائها، وقد غمرهُ الفرح عندما عرف أنهم سيعلمونه القراءة والكتابة، ويحفظونه القرآن مع غيره من الأميِّين.. ولم يعلم أن ذلك سيكون بابًا لمتاعب من نوع جديد لا تخطر له على بال(3)[4]

لقد حملت الرواية -دون بقية الروايات الأربع- عناوين لفصولها «العاشقة - الجريمة - الاتهام - فضيحة على الملأ - الدليل الجديد - إلخ»، وكأن الكاتب كان يوحي من خلال هذه العناوين بعملية تصعيد الحوادث وتناميها في صورة مباشرة، بيد أن طبيعة الموضوع الروائي، وارتكازه على الحدث الرئيس وما يتعلق به «غرق السيارة وفضيحة عنايات هانم، وارتباط الموضوع بأبعاد سياسية وحزبية وصحفية»، قد حافظت على حرارة السرد والتتابع، وجعلت من تدخل الأطراف المختلفة كل في موضعه، وسيلة من وسائل التشويق وازدياد الشغف لمعرفة مصائر الشخوص ونهايات الأحداث.

في رواية «ملكة العنب» تبدأ الأحداث بالكلام المثير الذي صرح به الشيخ محمد حسب الله -إمام المسجد- في خطبة الجمعة حول زكاة العنب، فالرجل عد الزكاة حق الله، ويجب إخراجها للفقراء والمحتاجين، وهنا ثار اللغط بين مؤيد ومعارض، واستند إلى أن العنب لم يرد في الأصناف التي ذكرتها كتب الفقه وقال المؤيدون إنها واجبة بالقياس إلى زكاة المال، وهدد فريق من الفقراء بأنهم سيأخذون حقهم عنوة إن منعه المزارعون.. وثارت الفتاة «براعم» -ملكة العنب- وهددت الشيخ محمد الذي أثار الناس على أصحاب المزارع، ولكن الشيخ محمد حاول إقناعها بأن ما يقوله هو واجبه الديني والعلمي، ولم تتوقف المسألة عند هذا الحد، فقد مُنع الشيخ محمد من الخطابة، وتدخل المجلس المحلي في الموضوع، وأعلن أن الزكاة مسألة شخصية (!) وأن المهم هو أمن البلاد وتلاحم الجماهير (!).. ثم تدخلت الشرطة وجاء واعظ المركز ليعتلي المنبر ويخطب عن الصبر ومناقبه والآيات الكريمة التي نزلت فيه، والجزاء الذي ينتظر أصحابه في الجنة، والرضا بقضاء الله وقدره..

بعد انتهاء الصلاة، يطلب الشيخ محمد من الناس الانتظار بضع دقائق، ويشير إلى تأميم الحكومة للمساجد والحياة التي امتلأت بالمحاذير وحكمتها الطوارئ.. «إننا لسنا ضد النظام، ولكننا مع الحق، ونحن لا تنتهك الأمن، ولكن نمارس حقنا في الحرية.. ولا نقول إلا ما جاء به ديننا..»(4)[5]

وتبدو المسألة تسير سيرًا عاديًّا، والحوادث تمضي بغير حدة، ولكن تحدث مفاجأة عندما يصيح رجل في أثناء حديث الشيخ محمد بعد الصلاة، ويقول: «قتيل يا أهل الربايعة.. قتيل في عنب براعم» فيحدث هرج ومرج، ويهرول الناس إلى خارج المسجد.

وبينما ينشغل الناس بالقتيل «مصطفى السلاموني» وتاريخه الإجرامي بقتل زوجتيه السابقتين، والحديث عمن يكون قد قتله، إذا بمكبر الصوت بعد تلاوة الآية الكريمة ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ*وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 26-27). عن مقتل شاب في الثلاثينيات يعمل أجيرًا في العراق أيام حربها مع إيران، وأشيع في القرية أن الجثة بها آثار عنف، واعتداء جسيم، وجمجمة مهشمة، وطلقة رصاص في الصدر، الميت ابن خالة الشيخ محمد حسب الله -إمام المسجد-، وصدرت الأوامر بعدم إذاعة التقرير الذي كتبه الطبيب الشرعي، وتساءل الناس: «لماذا يقتل العراقيون أبناءنا الذين خدموهم وضحوا أكبر التضحيات من أجلهم أثناء الحرب وقبلها؟»(5).

وتساءل الناس عن سر سكوت الحكومة على جرائم العراق ضد المصريين، واشتعلت القلوب بالمرارة والأسى والغضب لدرجة أن العمدة ضرب كفا بكف وتساءل:

«هل التستر على الجرائم سياسة؟ لقد أصبح الفساد ينخر في كل شيء داخليًّا وخارجيًّا، من سيدفع دية هذا القتيل أو يعطيه حقه؟..(6).

وتتصاعد الحوادث نحو الذروة حين تتحول جنازة القتيل العائد من العراق إلى مظاهرة ضد صدام حسن والحكومة وإسرائيل وأمريكا، ويحضر الأمن بأسلحته وهراواته وقنابله المسيلة للدموع، فيفرق المظاهرة - الجنازة، ويفر الجميع عدا الشيخ محمد الذي يبقى بجوار جثة ابن خالته، فيتم القبض عليه مع أربعين آخرين من أهل الربايعة، ويقول له أحد الضباط في خشونة أنت ملتحٍ.. وتقود المظاهرة.. لا بد أنك من الجماعات الإسلامية.

ثم أشار إلى العسكر:

- ضعوا «الكلابشات» في يده، وسوقوه إلى السيارة!

قال في استسلام: 

- ليس هذا بجديد عليكم.. افعلوا ما شئتم يا أبطال الطوارئ(7) 

تثير تصرفات أجهزة الأمن كثيرًا من السخط والاستياء والغضب تضاف إلى مأساة قتل الأبناء في العراق وشحنهم جثثا مشوهة إلى الوطن، وقد أثارت هذه التصرفات رمز السلطة في القرية، وهو العمدة الذي قال لقائد الحملة التأديبية:

«إنكم يا باشا تسيئون إلى أنفسكم وإلينا...

قال الضابط في عنجهية:

- أنت يا عمدة لا تعرف الأبعاد الحقيقية لما جرى.

- بل أعرف.

- ماذا؟

- أهل القرية شعروا بالحزن والغضب من أجل ولدهم الضحية، وهذا أمر طبيعي جدًّا.

- الحزن في القلب يا عمدة، وليس بالمظاهرات.

- لم تحدث مظاهرة بالمعنى الصحيح.

- فماذا تسمِّي ما جرى؟

- جنازة.. جنازة حارة لا أكثر.. الناس في القرية عندما يحزنون يلطمون الخدود، ويشقون الجيوب، ويلطخون وجوهم بالطين.. لكن ما حدث اليوم كان جنازة متحضرة.

- لقد هتفوا ضد الحكومة يا عمدة. 

- ليكن.

- كيف تقول هذا الكلام إنها مؤامرة، ونعرف من دبرها، وسنقدمهم المحكمة أمن الدولة.. وستذهل عندما تقرأ اعترافاتهم..»(8)[6]

وقد وفَّى الضابط بما قال وكانت تحقيقات، وكان تعذيب وحشي بشع تعرض له جميع المعتقلين وعلى رأسهم الشيخ محمد حسب الله إمام المسجد، الذي عد رئيسًا للتنظيم المتطرف، والشيخ «أبو المجد شاهين» الرجل الصالح الذي أخذوه من بيته.

إن الرواية تكسر قتامة هذا الجو، عن طريق تقديم نموذج يقدم الحكمة الساخرة، إنه نموذج الحشاش المدمن.. الذي يكشف التحقيق معه عن مفارقات عجيبة في موقف عامة الشعب من الحكومة، حيث تعد الحكومة دائمًا على حق(9).

وهنا تبدأ الحوادث في الهبوط من الذروة إلى موقف يصمم عليه الناس، وهو تطبيق الشريعة فيما بينهم دون أن يعبئوا بملاحقة أجهزة الأمن لهم واتهامهم بتكوين بيت مال الأمة، بناء على تحريضات رئيس المجلس المحلي المنحرف.

وهكذا يبدو البناء الروائي للحوادث متماسكًا في روايات نجيب الكيلاني، كل حادثة تؤدي إلى الأخرى بانتظام منطقي، مما حقق شرائط الحيوية للروايات وشخوصها وحوادثها.

وفي الوقت ذاته جعل القارئ يتابع متلهفًا مصائر الشخوص ونهايات الحوادث بعد استغراق مشاعره الذاتية.

 ([1] ) د. إميل بديع يعقوب - فقه اللغة العربية وخصائصها (دار العلم للملايين- بيروت – 1982) ص 235.

(*) مدرس بجامعة الكويت

(*) أستاذ النقد الأدبي بجامعة طنطا

[4]) ،3،2) قضية أبو الفتوح الشرقاوي، ص 22، ص 61، ص 116 

 (4، 5، 6) ملكة العنب ص 22 - 23، ص 38، ص 39.

(7، 8) ملكة العنب، ص 40، ص 43

(9) راجع الرواية ص 74 - 80.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2121

126

الأحد 01-يوليو-2018

حُداءُ الشِّعْرِ محمودُ

نشر في العدد 2114

156

الجمعة 01-ديسمبر-2017

حضارتُنا عِلْمٌ وإبداعٌ

نشر في العدد 42

405

الثلاثاء 05-يناير-1971

رِسَالَةٌ إِلَى الْحَجِيج (شعر)