; ماذا بين اتحاد العمال والحكومة في تونس؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا بين اتحاد العمال والحكومة في تونس؟

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1984

مشاهدات 77

نشر في العدد 696

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 18-ديسمبر-1984

تمر العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة بفترة صعبة، فبعد تبادل اللوم بين الطرفين انتقل الخلاف إلى تبادل التهم، وانتهى بالاتحاد إلى شن سلسلة من الإضرابات القطاعية العامة، أقلقت الحكومة، وفرضت عليها الالتجاء إلى قانون التسخير حتى لا تتعطل مصالح المواطنين، ولا تتوقف الحياة في البلاد. 

وبالرغم من طول مدة هذا الخلاف الذي مضى عليه ثلاثة أشهر تقريبًا، فإن الطرفين لم يتوصلا بعد إلى حل يضع حدًا للإضرابات، ويبعد القلق عن العمال، فماذا يجري في البلاد بالضبط؟ وما الأسباب الخفية لهذا التوتر؟

بداية الغضب كانت منذ سنة:

الخلاف بين اتحاد العمال والحكومة ليس غريبًا، بل هو طبيعي جِدًّا، فالاتحاد يدافع عن مصالح مجموع العمال، ويتبنى مطالبهم، ويتحاور في شأنها مع الحكومة، والحكومة تدرس تلك المطالب؛ فتستجيب لبعضها، وتؤجل البعض الآخر، ويرضى العمال بحلول الحكومة والأعراف أحيانًا، ويرفضونها أحيانًا أخرى؛ فيغضبون ويضربون عن العمل، لكن الغضب هذه المرة لم يطفأ، وحركة الإضرابات لم تنقطع، ذلك أن لغضب العمال هذه المرة سببين مهمين: 

الأول: هو ما يعبرون عنه بضعف قدرتهم الشرائية، وطمس وضعيتهم المهنية عمومًا.

والثاني: هو اعتراف الحكومة الرسمي بمنظمة عمالية جديدة بعثها أصحابها منذ سنة من الآن، فقد انشق عن الاتحاد العام التونسي للشغل سبعة عناصر بارزة اتفقت على تكوين تنظيم نقابي مواز، وفتحوا مقرًا بالعاصمة، وراحوا يشكلون الخلايا النقابية في مختلف التجمعات العمالية والهياكل النقابية، كما كانت لهم لقاءات مع بعض الوزراء، وتقابلوا مرتين مع رئيس الدولة، هذا التنظيم النقابي الجديد أقلق الاتحاد العام كثيرًا، وأقلقه أكثر اللقاءات التي جمعته مع عناصر حكومية مهمة، ذلك أن هذا الاتحاد الجديد والذي سماه أصحابه «الاتحاد الوطني للشغل» قليل الأتباع، وتقول قيادات الاتحاد العام: إنه بعث ليفسد العمل النقابي، ويضرب وحدة النقابيين، ويطمس قضايا العمال، وتقول أيضًا: إن الحكومة كانت وراء بعثه عندما عجزت عن تركيع الاتحاد العام وتدجينه، لذلك لم يتردد الاتحاد العام في شن حملة واسعة ضد الاتحاد الجديد ورموزه.

اتفاقات سابقة:

كان بعث «الاتحاد الوطني للشغل» إذًا هو أحد العوامل الرئيسية لغضب العمال والنقابيين عمومًا، وكان السبب الثاني هو تراجع الحكومة وبعض المؤسسات عن تنفيذ اتفاقات سبق أن أمضوها مع نقابات العمال تقضي بالزيادة في الأجور، ومراجعة بعض المنح، وترقية بعض أصناف العمال والموظفين، إلى غير ذلك من مطالب العمال، وهذه الاتفاقات لا تخص قطاعًا معينًا أو مؤسسة معينة، وإنما هي مجموعة اتفاقات تهم مؤسسات عديدة وقطاعات مختلفة- حكومية وخاصة- اتفقت جميعها في عدم تنفيذها رغم حلول وقت تنفيذها وفواته بمدة في بعض المؤسسات، ولقد اتصلت نقابات العمال بالجهات المعنية، وذكرتها بنصوص تلك الاتفاقات ثم هددتها بالإضراب، لكن الاتفاقات لم تنفذ، فكانت الإضرابات وهبت رياح الغضب والقلق، ثم تطورت إلى إضرابات قطاعية عامة في البلاد، وهي أول مرة يتم فيها في تونس إضرابات قطاعية عامة منذ يناير ۱۹۷۸، فكان إضراب قطاعي عام في قطاع الفلاحة ثم إضراب مماثل في البنوك، ثم في السكك الحديدية، ثم في النقل البري، والمعادن والنسيج، وأساتذة التعليم العالي.

ولقد أوضحت الحكومة والمؤسسات الخاصة أن إمكانياتها لا تسمح لها بتنفيذ تلك الاتفاقيات نظرًا لما يترتب عنها من إمكانية مادية ضخمة.

ارتفاع الأسعار:

ثم أن نقابات العمال تطالب- إضافة إلى مطالبتها بتنفيذ الاتفاقات المبرمة- برفع الأجور للعمال والموظفين لتغطية العجز الحاصل في القدرة الناتجة عن ارتفاع الأسعار الذي حصل خلال هذه السنة، ويستشهد اتحاد الشغل باتفاقية ١٣ أبريل ٨٤ التي وقعها الاتحاد والحكومة، والتي عبرت فيها الحكومة عن استعدادها لإشراك الاتحاد في وضع السياسة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

ويؤكد الاتحاد أن ما سجل من ارتفاع للأسعار قد أثر كثيرًا على الطاقة الشرائية للعمال والموظفين، لذلك فهو يلح على ضرورة مراجعة الأجور، ووضع حد لارتفاع الأسعار، ويؤكد أن لديه دراسات دقيقة، ومعلومات خافية توضح أن تنفيذ الاتفاقات المبرمة والزيادة في الأجور لا يرهق كاهل كافة المؤسسات، ونشير هنا إلى أن لاتحاد الشغل مكتبًا للدراسات، تشتغل به ثلة من الجامعيين تتولى إعداد دراسات عميقة ودقيقة حول المواضيع التي تطرحها قيادة الاتحاد، هذه الدراسات جعلت النقابات تتمسك بمطالبها، وتقر على تنفيذ ما تم إبرامه من اتفاقات.

خلافات أخرى:

إضافة إلى اتحاد العمال الجديد والاتفاقات المبرمة وارتفاع الأسعار، صدرت في الأشهر الأخيرة منشورات حكومية، وصفتها قيادة اتحاد الشغل بأنها استفزازية، كان أولها يتعلق بخصم معلوم الاشتراك في النقابات، وقد دعا المنشور المذكور إلى مراجعة طريقة الخصم المعتمدة بطريقة تمكن الإدارات من الضغط على العمال والموظفين، والتحكم في الانتماء للاتحاد حسب ما ذكرته أوساط الاتحاد، وصدر منشور حكومي آخر في سبتمبر الماضي يمنع العمال من عقد اجتماعاتهم النقابية في المؤسسات، وقد أثار هذا المنشور قلق النقابات، واعتبرته محاولة لضرب العمل النقابي الجاد، ثم صدر منشور حكومي ثالث يضع حدًا لتفرغ بعض النقابيين للعمل النقابي، وكذلك عدم قبول الرخص النقابية كرخص خالصة الأجر، والواضح أن الحكومة قد أصدرت هذه المنشورات للضغط على الاتحاد، ومحاولة وضع حد للإضرابات التي اتسعت؛ لأن هذه المنشورات لم تنفذ فعلًا، وإنما استعملتها الحكومة للتهديد فقط.

وأمام اتساع موجة الإضرابات التجأت الحكومة إلى قانون التسخير، وهو قانون يسمح للحكومة بحق تسخير عدد من عمال وموظفي المؤسسة للعمل وعدم الإضراب كي لا تتعطل الحركة، ويخف ضرر الإضراب، وقد استاءت قيادة اتحاد الشغل لاستعمال الحكومة هذا السلاح، واعتبرته تجاوزًا للقانون الدولي، ومخالفًا حتى لروح القانون التونسي، واعتبرت أن التجاء الحكومة إلى التسخير هو في حقيقته اعتراف ضمني بنجاح الإضرابات.

مؤتمر الاتحاد:

وتذكر بعض الأوساط أن سلسلة الإضرابات الحاصلة- والمبرمج لها الآن- إنما تشن لتؤكد قيادة الاتحاد الحالية لأفرادها أنها وفية لوعودها، متمسكة بحقوقهم، متبنية لقضاياهم، وذلك ليعاد انتخابها في قيادة المنظمة خلال المؤتمر المقبل الذي سيعقد خلال شهر ديسمبر المقبل، غير أن هذا التفسير يسقط عندما نعرف أنه ليس مطروحًا على المؤتمر المقبل تغيير قيادات المنظمة لغياب الصراع العنيف أو الصريح بين الزعامات.. إلا أن هذا التفسير لا يمنعنا من احتمال هدوء الجو وتقلص الإضرابات، أو حتى اختفائها؛ لأن الطرف النقابي والطرف الحكومي متهيئان الآن لفض بعض القضايا، ويبدو أنهما قد اقتنعا بضرورة تخفيف حدة التوتر، وتفهم واقع البلاد وما يتطلبه من جد وعمل منتج بناءً على فهم لمصالح العمال بما يخدم المصلحة العليا للوطن.

الرابط المختصر :