العنوان مائة عام على ميلاد الإمام الشهيد حسن البنا «1324-1368هـ/ 1906- 1949» «3 من 6» تصاعد التحدي.. وعموم البلوى
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 04-نوفمبر-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1725
نشر في الصفحة 38
السبت 04-نوفمبر-2006
الإمام محمد عبده حذر من العواقب الوخيمة لصراع العرب والأتراك لأنهما أقوى شعوب الإسلام.. فإذا وهنت قوتهما في التقاتل استولت عليهما أوروبا.
بعد إسقاط الخلافة حدث ما هو أخطر من احتلال الأرض ونهب الثروات.. اختراق العقل وانطلاق صوت التغريب عبر نفر من أبناء الأمة.. مدعيًا أن الخلاص في تبني المشروع الحضاري الغربي بخيره وشره.
في أوائل القرن العشرين، حذر الإمام محمد عبده من العواقب الوخيمة لصراع «العرب» مع «الأتراك»، لأن هذين الشعبين هما أقوى شعوب الإسلام.. ودول أوروبا واقفة لهما بالمرصاد.. فإذا وهنت قوتهما في الصراع، وثبتت دول أوروبا فاستولوا على الفريقين، أو على أضعفهما.. فتكون العاقبة إضعاف الإسلام وقطع الطريق على حياته.[2]
وبعد خمسة عشر عامًا من هذا «التحذير-النبوءة» وقع المحظور.. وبدأ عموم البلوى يخيم على سائر بلاد الإسلام.
فالشريف حسين بن علي «۱۲۷۲- ١٣٥٠هـ- ١٨٥٦-١٩٣١م»- أمير مكة- تمرد على الدولة العثمانية «١٣٣٤هـ- ١٩١٦م» استجابة لعوامل داخلية، ومدفوعًا في الأساس- بإغراءات إنجليزية... ففتحت في جدار دولة الإسلام الكبرى الثغرة التي أفضت إلى تنفيذ الغرب لمعاهدة «سيكس-بيكو»- السرية- التي عقدتها إنجلترا وفرنسا «١٣٣٤ هـ- ١٩١٦م» لتقسيم ولايات الدولة العثمانية بين أقطاب التحالف الاستعماري الغربي.. ولوعد «بلفور» «١٣٣٦هـ- ١٩١٧م» بإقامة الكيان الصهيوني، قاعدة استعمارية غربية، على أرض فلسطين.
وعقب ذلك احتل الفرنسيون الشام، وقال قائدهم «جورو» «١٨٦٧- ١٩٤٦م» أمام قبر صلاح الدين الأيوبي «٥٣٢- ٥٨٩هـ- ١١٣٧- ١١٩٣م»-بدمشق: «ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين؟!! واحتل الإنجليز فلسطين والعراق، وقال قائدهم: «اللنبي» «١٨٦١- ١٩٣٦م»- عندما دخل القدس: «اليوم انتهت الحروب الصليبية!!
وفي رجب سنة ١٣٤٢هـ- ٣ مارس سنة ١٩٢٤م، ألغيت الخلافة الإسلامية.. ونُفي آخر خلفائها السلطان عبد المجيد الثاني «١٢٨٦- ١٣٦٤هـ- ١٨٦٩-١٩٤٤م». فزال «الرمز»، وتحطم «الوعاء» الذي حافظ- بشكل أو بآخر على وحدة الأمة وتكامل دار الإسلام، وأبقت عليه الأمة واعتصمت به منذ ظهور الإسلام.
والذين يعلمون عداء الغرب الاستعماري- تاريخيًا- لهذا «الرمز» وهذا «الوعاء».. والأفراح التي أقامها الصليبيون والصهاينة لهذا الحدث يستطيعون تقدير وقعه على الإسلاميين وعلى عموم المسلمين.. ويفهمون معنى الرثاء الذي أعلنه أمير الشعراء أحمد شوقي «١٢٨٥- ١٣٥١هـ- ١٨٦٨- ١٩٣٢م» عندما قال:
ضجت عليك مآذن ومنابر
وبكت عليك ممالك ونواح
الهند والهة، ومصر حزينة
تبكي عليك بمدمع سحاح
والشام تسأل، والعراق، وفارس
أمحا من الأرض الخلافة ماح؟
يا للرجال لحرة موؤودة
قتلت بغير جريرة وجناح
نزعوا من الأعناق خير قلادة
ونضوا عن الأعطاف خير وشاح
وعلاقة فصمت عرى أسبابها
كانت أبر علائق الأرواح
نظمت صفوف المسلمين وخطوهم
في كل خطوة جمعة ورواح
بكت الصلاة، وتلك فتنة عابث
بالشرع، عربيد القضاء، وقاح
فلتسمعن بكل أرض داعيًا
يدعو إلى «الكذاب»، أو لسجاح
ولتشهدن بكل أرض فتنة
فيها يباع الدين بيع سماح
يُفتي على ذهب المعز وسيفه
وهوى النفوس، وحقدها الملحاح[3]
وما هي إلا أشهر حتى تحققت «نبوءة» أمير الشعراء.. فعلت أصوات دعاة الفتنة في طول البلاد الإسلامية وعرضها.
ففي رمضان سنة ١٣٤٣هـ أبريل سنة ١٩٢٥م، نشر الشيخ علي عبد الرازق «١٣٠٥- ١٣٨٦هـ- ١٨٨٧- ١٩٦٦م» كتابه «الإسلام وأصول الحكم».. فكان أول كتاب يكتبه مسلم- بل وشيخ أزهري يتولى منصب القضاء الشرعي- يزعم فيه أن الإسلام دين لا دولة... وأن الخلافة الإسلامية كانت دائمًا وأبدًا وعلى مر تاريخها سلطة قهر.. وأنها لا علاقة لها بالإسلام.
ولقد وقع هذا الكتاب على العقل المسلم وقع الصاعقة.. ودارت حوله معركة لعلها أكبر معارك الشرق الفكرية في القرن العشرين.
وفي ذي القعدة سنة ١٣٤٣هـ- يونيو سنة ۱۹۲٥م، عزل الإنجليز الشريف حسين بن علي، ونفوه إلى جزيرة «قبرص».. فجسدوا بهذا القرار غدرهم «بالعرب والعروبة» بعد أن استعانوا بها على الغدر بالإسلام والمسلمين.. وهكذا ضاع من يد المسلمين- إسلاميين كانوا أو قوميين- كل شيء!
وفي سنة ١٣٤٣هـ سنة ١٩٢٦م، نشر الدكتور طه حسين «١٣٠٦- ١٣٩٣هـ- ١٨٨٩م-۱۹۷۳م» كتابه «في الشعر الجاهلي»، الذي استخدم فيه منهج «الشك الديكارتي» للتشكيك في «الشعر الجاهلي».. ثم تجاوز نطاق «الشعر الجاهلي» إلى حيث شكك في عقائد قرآنية، من مثل قصة الخليل إبراهيم، ورحلته الحجازية، وإقامته مع ابنه إسماعيل- عليهما السلام- قواعد البيت الحرام.
فكان هذا الكتاب- بعد كتاب «الإسلام وأصول الحكم»- ثاني عمل فكري يكتبه شيخ أزهري يمثل اقتحام «التغريب» لمقدسات المسلمين، واستفزاز النزعة المادية للحضارة الغربية مشاعر المسلمين.
وهكذا حدث ما هو أخطر من احتلال الأرض، ونهب الثروات.. حدث الاختراق للعقل المسلم، وبدأ صوت «التغريب»- على ألسنة نفر من أبناء الأمة- يبشر بأن الخلاص لن يتحقق إلا عبر تبني المشروع الحضاري الغربي، بخيره وشره، وبحلوه ومره، بما يحب فيه وما يكره، بما يحمد فيه وما يُعاب.. وذلك بدعوى أننا جزء من طبيعة هذا المشروع الغربي لأننا جميعًا أبناء حضارة البحر المتوسط.. وعقلنا يوناني، لم يغير القرآن من يونانيته، كما لم يغير الإنجيل يونانية العقل الغربي، إذ القرآن- في دعواهم- مجرد مصدق للإنجيل!.[4]
والإسلام- كالنصرانية- ليس إلا رسالة روحية لا سياسة فيها ولا حكم ولا دولة.. بل يا بعد ما بين السياسة والإسلام، وما كان محمد إلا صاحب سلطان روحي على القلوب، كالخالين من الرسل، لم يقم دولة، ولم يرأس حكومة، ولم يبلور جماعة سياسية.. فرسالته، كسابقاتها، تدع ما لقيصر لقيصر وتقف فقط عند ما لله[5]. وللمؤمنين أن يؤمنوا ما شاء لهم الإيمان بقصص القرآن، لكن الباحثين لا بد لهم من الشك فيه.[6] وليست الغربية هي لغة النهضة والتقدم، لأنها لغة القرآن من الأخلاقيات العربية، فلا تصلح لعصر الديمقراطية والبرلمانات.. ومعايير النضج الفكري هي الإيمان بالغرب والتقليد له.. والكفران بالشرق[7].. ولهذا فلا بد لنا «أن نسير سيرة أوروبا في الحكم والإدارة والتشريع.[8]
نعم.. حدث هذا الزلزال.. وهذا الاختراق للثوابت والعقائد والمقومات..
وإذا كانت الزلازل السياسية والاستعمارية لها نظائر في تاريخ الإسلام والمسلمين.. فإن هذا الاختراق الفكري غير مسبوق في تاريخ حضارة الإسلام... الأمر الذي اهتز له ضمير الأمة كما لم يهتز في منعطف من منعطفات التحديات التاريخية التي واجهتها.. فكانت الاستجابة الإيجابية أمام هذا التحدي غير المسبوق، تعبيرًا عن نفاسة المعدن.. وتحقيقًا للسنة الإلهية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)... سنة حفظ الإسلام بالمسلمين.. وتجديد دنيا المسلمين بتجديد دين الإسلام
[1] كاتب ومفكر إسلامي- مصر.
[2] الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده، 1/ 735.
[3] أحمد شوقي «الشوقيات» المجلد الأول، 1/ 105 -109، طبعة دار الكتاب العربي -بيروت -بدون تاريخ.
[4] د. طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» 1/ 45، طبعة القاهرة، سنة ١٩٣٨م.
[5] علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» ص ٤٨ -٨٠، طبعة القاهرة، سنة ١٩٢٥م.
[6] د. طه حسين «في الشعر الجاهلي» ص ۸۰، ۸۱، طبعة القاهرة، سنة ١٩٢٦م.
[7] سلامة موسى «البلاغة العصرية واللغة العربية، طبعة القاهرة، سنة ١٩٤٥م، و«اليوم والغد» ص ٧.٥ طبعة القاهرة، سنة ۱۹۲۷م.
[8] «مستقبل الثقافة في مصر» 1/ 36، 37.